الرأسمالية القوية تستعمر الشعوب، والرأسمالية وهي تتهاوى تأمر دول العالم وشعوبها بأن تضخ ملياراتها حتى لا تطيح ببنوكها التي امتصت دماء الشعوب. فهي لعنة على الشعوب وهي قوية، وهي كذلك وهي تترنح وتتهاوى! فما هذا النظام الذي تصطلي به الإنسانية حياً وميتاً؟!
لقد روّجت الرأسمالية فكراً وثقافة، وحاولت أن تكون فلسفة للحياة ونظاماً متكاملاً، واستطاعت بدعايتها أن تبدو وكأنها أرقى وأسمى ما بلغته الإنسانية، وبلغه الفكر الإنساني والتطور البشري الاجتماعي.
وساعد انهيار الاشتراكية والشيوعية، وغياب النظام الإسلامي عن الوجود والشهود، ساعد كل ذلك أن تنفرد الرأسمالية بساحة العالم، وساندها في التحكم والسيطرة قوة عسكرية هائلة، وقوة سياسية تضم نخبة العقول، ودعك من بوش، وقوة إعلامية تفوق الخيال.
كل ذلك مكن لها في الأرض، فامتصت كل مخزون العالم، وتمتعت وهي آمنة بكل ثروات العالم، وفي الوقت الذي عانت فيه الإنسانية من الفقر والجهل والمرض، كانت نخب الرأسمالية تجلس على تلال من المال والثراء والمتاع والرفاهية.
هذه الرأسمالية المتوحشة الخالية من القلب ومن المشاعر ومن الإنسانية وظفت أنظمة تقمع الشعوب لتمارس من تحتها، ومن خلال ترويج دين الرأسمالية القائم على اقتصاد السوق، وعلى حرية انتقال رأس المال وحركته الحرة، وعلى الخصخصة التي تجعل كل ثروات الأرض مشاعاً للناهبين وللشركات تدمر الدول الأحطّ والأفقر أو حتى التي هي في طريق النمو والتطور، كما فعل المقامر المضارب جورج سوروس اليهودي الأمريكي إذ حطم اقتصاد النمور السبعة وهي دول كانت درة آسيا، وأرجعها إلى العصر الحديدي أو الجليدي ولا قانون يردع أو يحاسب، بل على العكس، كل الاتفاقات التجارية الدولية، «جات» أو غيرها، تبيح وتتيح النهب المنظم لثروات الشعوب.
وساعدت أقلام عميلة في الأوطان المنهوبة على الترويج للدين الجديد، أعني الرأسمالية ونشر بركات الخصخصة والاقتصاد الحر، فصارت الرأسمالية بتحالف الاقتصاد والسياسة وشراء الشركات للأنظمة والأقلام، صارت متحكمة مسيطرة بقبضة حديدية، وصدق من قال إن «الشركات تحكم العالم!». وشهد القرن العشرون أواخره، والحادي والعشرون أوائله، شهد ازدهار الحقبة الرأسمالية وتغولها.
وبسيطرة أمريكا على بترول العرب بأجمعه، وأثمانه لا تخرج من بنوك أمريكا، وتحويلاتهم الشخصية والعامة التي هي كذلك تحت السيطرة، عاشت فترة من الرواج والازدهار امتدت ربع قرن ذهبي.
ثم كانت المفاجأة الصاعقة للعالم أجمع، أن هذا البنيان الذي هو وهم وورم في معظمه ومجمله، إذا به كأن زلزالاً ضربه يترنح ويهتز ثم تتداعى أجزاء منه، وتطيح شركات عظمى وبنوك عريقة، وتتبخر تريليونات من الدولارات، وتضيع على الناهبين والمدخرين وعلى أصحاب النفط تلك الثروات، فتغدو أرصدتهم في غمضة عين أثراً بعد عين!.
لم يستوعب العالم الصدمة بعد، وانبرى المتعصبون العرب للرأسمالية يبشرون أنها لم تمت ولم تضعف، ولكنها نوبة برد ورشح يوشك أن تزول، بينما أعمدة الغرب نفسه يقولون إن الخراب بنيوي وهيكلي، ورأسماليونا أو صبيانهم يرددون: إنها بخير وعافية!
لقد انكشفت سوءة النظام الرأسمالي!، ولا يكشف السوءات كالسقوط المدوي؛ لأن القوة غطاء العيوب!.
أما آن للأمة أن تجري مراجعات شاملة؟. أما آن أن ننتهز الفرصة لتعميق استقلالنا الاقتصادي والسياسي والثور الرأسمالي يتهاوى ودور الرأسمالية ينحسر ويتوارى؟!.
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
الرأسمالية المتوحشة.. د. أحمد نوفل
