في الوقت الذي تتهافت فيه الإدارة الأمريكية بالترغيب والترهيب لحكومة المرعى الأخضر لإبرام الاتفاقية المزعومة مع العراق، كشفت دراسة طبية عسكرية أمريكية استفحال صرف الوصفات العلاجية من مهدئات ومسكنات لجرحى ومرضى الجنود الأمريكان حيث قفزت من 30 ألف إلى 50 ألف وصفة شهرياً منذ اندلاع حرب العراق.
ورغم أن الدراسة التي قدمها مركز وولتر ريد في واشنطن تشير إلى المخاوف الناجمة عن المخاطر في استخدام تلك الأدوية من جهة وإلى الإدمان على تعاطيها من جهة أخرى إلا أنها توضح لنا أيضاً أن محنة الجيش الأمريكي بالعراق هي نكبة.
ونقلت صحيفة يو أس أي توداي الأمريكية قول العقيد تشيستر باكينماير ان سبب ارتفاع صرف الوصفات الطبية للمرضى العسكريين الخارجين التي تتحمل الحكومة تكاليفها تعود إلى اعتماد الأطباء بشكل كبير على صرف الأدوية المهدئة لمرضاهم.
وأوردت الصحيفة كذلك قول العقيد بول كوردتس ان جهوداً جبارة تبذل لضبط استخدام الأدوية، وذلك في أعقاب 6 حالات انتحار و7 وفيات بسبب سوء استعمال المهدئات حدثت بين الجنود الذين يعانون من جراح بالغة، ويتلقون الرعاية في وحدات طبية خاصة أنشئت لهذا الغرض.
وذكرت الصحيفة أن المعاناة من الألم كانت هي الشكوى الشائعة لحوالي 350 ألف من مخضرمي الحرب في العراق وأفغانستان الذين تلقوا علاجاً من وزارة شؤون قدامى المحاربين.
هذا ولقد أكد مسؤول عسكري أمريكي أن عدد حالات الانتحار ارتفعت بين جنود الجيش الأمريكي بدرجة أوشكت أن تكسر الرقم المسجل العام الماضي الذي يعتبر قياسياً.
وقال ان هذه الحالات تعود بصورة أساسية إلى تزايد وتيرة المهام الأمنية والعمليات القتالية فضلاً عن طول فترات الخدمة خارج البلاد، ففي الشهور الثمانية من هذا العام سجلت 93 حالة انتحار في المستشفيات العسكرية، بينما شهد عام 2007 وقوع 115 حالة انتحار.
استمرار النكبة
إذا كانت الدراسة التي قدمها مركز وولتر ريد الطبي العسكري توضح لنا النكبة المريرة التي يعانيها الجيش الأمريكي بالعراق فان هذه النكبة ستستمر نظراً للظروف السياسية التي خلقتها الإدارة الأمريكية لنفسها، فالرئيس الأمريكي جورج بوش أثبت لنا أنه من أنصار مبدأ الأمن النازي الهتلري القائل: "اكذب، اكذب حتى تصدق نفسك".
فهو بعد الدمار المادي والهلاك البشري والتهجير القسري الذي خلقه في ربوع العراق ما زال مصدقاً أنه حرر العراقيين، وجلب لهم نظاماً ديمقراطياً!، ورغم عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمعاقين بين صفوف الجيش الأمريكي ما زال يرى أن شن الحرب على العراق التي ليست لها أُسس قانونية ولا أخلاقية غير التزييف والتلفيق، يرى أنها حرب عادلة!.
وبعد الفاجعة التاريخية التي حلت بأمريكا نتيجة لانهيارها المالي وما خلفته من آثار عارمة على الأسواق المالية في العالم، فهو يتبجح بأن خطة الإنقاذ المالي سوف تتحسن وكأن سياسته الخرقاء لثمانية سنوات مضت، وغباءه القاتل في القرارات المصيرية، وعقليته الجافة من أية حكمة ليست، لها علاقة بما حل في العراق وأمريكا والعالم.
إن توقيت صدور هذه الدراسة - سواء أكانت لها صلة بالمناخ الانتخابي الرئاسي داخل أمريكا أم لا - كشف من الناحية العلمية والعملية حقيقة مرعبة يعانيها جرحى ومرضى جنود الجيش الأمريكي، بمعنى أنها تعترف بصورة أو أخرى بقوة وضراوة المقاومة الوطنية العراقية.
وبما أن هذه القوة المقاومة ألحقت بأعتى قوة بالعالم نكبة واقعية، إذن فعلى الإدارة الأمريكية القادمة أن تتلاحق لموقفها، وذلك بسحب قواتها العسكرية من العراق، فإن لم تفعل فان استمرار النكبة يعني الوصول إلى الكارثة الحتمية المنتظرة.
فالمقاومة العراقية التي أوصلت قوات الاحتلال الأمريكي إلى مرحلة النكبة قادرة على توصيله إلى مرحلة الكارثة؛ لأن هناك بون شاسع بين مبدأ "اكذب، اكذب حتى تصدق نفسك" وبين مبدأ: إما النصر أو الشهادة.
وإن غداً بعون الله تعالى لناظره قريب.
ـ كاتب وأكاديمي عراقي
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
نكبة الجيش الأمريكي بالعراق مستمرة!.. د. عماد الدين الجبوري
