عندما أقدم الرئيس بوش على شن حربه العداونية على العراق في آذار (مارس) 2003 كانت على مكتبه أربعة ملفات تتناول كيفية التعامل مع مرحلة ما بعد صدام ..
الملف الاول أعدته وزارة الخارجية أيام كان وزيرها كولن باول وكان بعنوان (المرحلة الجديدة والعدالة الانتقالية) والثاني وضعته كونداليزا رايز مستشارة الامن القومي آنذاك وكان ملفا مائعا كما وصفته الصحافة الامريكية في حينه، والثالث من اعداد وكالة المخابرات المركزية (السي آي ايه) وكان يوصي الادارة بابقاء النظام السابق من دون رئيسه وقيادته السياسية، وقيل يومئذ انها نصيحة عربية خليجية، أما أخطر الملفات فكان ملف المحافظين الجدد الذين كانوا يهيمنون على بنتاغون رامسفيلد، وفيه يصف السنة العرب في العراق بانهم (صداميون) واصحاب نوايا شريرة ضد امريكا ودعاة تدمير ( اسرائيل ) وتحرير فلسطين، ينشدون الوحدة العربية ويتطلعون الى أمة عربية واحدة، ومتآمرون على الدول والحكومات العربية الحليفة لواشنطن، الى آخر التوصيفات التحريضية التي تفنن اليمين الامريكي المتصهين في ابتكارها.
ومن يتمعن في كلام بول برايمر وهو يتحدث عن استدعائه الى البيت الابيض لاول مرة عقب اعلان بوش انتهاء الحرب ومقابلته له وتكليفه بالسفر الى العراق، في كتابه (عامين في العراق) يلحظ دون عناء اشارات الى مضامين هذا الملف التي وصفها الحاكم المدني الامريكي الاول بـ(نصائح الرئيس) وفيها دعوة صريحة الى تهميش عروبة العراق واستبعاد السنة العرب والتصدي لهم بحزم، وضرورة التحالف مع الاحزاب الشيعية والكردية ومنحها امتيازات وتسهيلات للهيمنة على العراق بصرف النظر عن ارتباطاتها الايرانية، واعتبارها أفضل الحلفاء للولايات المتحدة الامريكية واستخدامها أداة تهديد ضد الدول العربية دون استثناء.. وأكثر من ذلك فان الملف احتوى على كذبتين مفضوحتين تتعلقان بالاحزاب الشيعية الاولى ان هذه الاحزاب تعبر عن عموم الشيعة في العراق وهم الطائفة الاكثر غبنا ومظلومية من (الاقلية السنية) كما ورد في الملف الرامسفيلدي، والثانية تؤكد ان قادة هذه الاحزاب وخصوصا جماعة الحكيم والمقصود بها المجلس الاعلى على استعداد للتعاون مع امريكا الى آخر الشوط وقطع كل الخيوط والجسور مع ايران، اضافة الى ان مجموعة المحافظين الجدد قد ضمنوا الملف المذكور افتراءات ومغالطات منها: ان الشيعة في العراق لا يخشى منهم لانهم ومنذ أكثر من ألف عام مهزومون على الدوام من الاقلية السنية، ولا خوف من المهزوم، ومثلهم الاكراد الذين خسروا كل معاركهم التي خاضوها ضد الحكومات السنية العربية ، والتعاون مع طرف خاسر دوما في المفهوم الامريكي له جدوى ومصلحة اكثر بكثير من طرف منتصر.
وعندما يتحدث برايمر عن التحضيرات الامريكية التي سبقت اعلان تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي وحرصه على ان يكون ممثلو الشيعة- كما يصفهم - أكثر الاعضاء في المجلس(ثلاثة عشر عضوا من أصل خمسة وعشرين) وان يكون عدد أعضاء الخانة السنية العربية مساويا للاعضاء الاكراد (خمسة أعضاء) لكل منهما، فانه كان يطبق الخطط التي وردت في ملف مجموعة المحافظين الجدد، ( تشيني ورامسفيلد وولفيتنز ) وغيرهم من عتاة اليمين الامريكي المتطرف، وهي خطط اعتمدها الرئيس بوش واصبحت نظرية ومنهاج عمل طبقهما بصلافة السفير برايمر، واشتملت ايضا على حل الجيش العراقي واجتثاث البعث وتقويض الدولة العراقية والغاء مؤسساتها وتدمير البقية الباقية من بناها التحتية، واقامة نظام جديد يقوم على المحاصصات الطائفية والعرقية والفئوية والمناطقية، وعزل العراق عن أمته العربية والاجهازعلى هويته القومية والثقافية والحضارية العربية. ولم تعد سرا حكاية عبد العزيز الحكيم مع الرئيس بوش عندما توجه الاول ضمن وفد مجلس الحكم الى واشنطن نهاية العام 2003 برئاسة عدنان الباجة جي رئيس المجلس وقتئذ الذي قابل الرئيس الامريكي مع عبد العزيز وراح يستعرض له انجازات المجلس العتيد، وفجأة قاطعه الحكيم طالبا من بوش الاختلاء به لعشر دقائق، وبهت سيد البيت الابيض وسكت الباجة جي، وساد الوجوم على وجوه أعضاء الجانبين العراقي والامريكي، وانقذت الموقف كوندليزا رايز مستشارة الامن القومي حينذاك التي أومأت للرئيس برأسها بالايجاب وسط غضب كولن باول وزير الخارجية يومها الذي اعتبر حركة عبد العزيز فجة وتتعارض مع الاعراف والتقاليد الدبلوماسية، وتم لقاء بوش والحكيم في احدى صالات البيت الابيض الجانبية وحضر اللقاء أكثر من وزير ومسؤول أمريكي بينما منع الباجة جي وعضو الوفد الاخر محسن عبد الحميد من حضوره تنفيذا لرغبة عبد العزيز، ومما تسرب من حديث الحكيم للرئيس الامريكي ان عبد العزيز يحمل رسالة من عموم الشيعة في العراق مفادها انهم برسم خدمته وطوع بنانه وسيظلون أوفياء له ومستعدون لمواجهة ايران من أجله اذا أعطى قيادة السلطة لهم عند انتهاء فترة مجلس الحكم التي شارفت على نهايتها آنذاك .. متعهدا باشراك (الاخوة) الاكراد، ومما قاله ايضا ( سيدي الرئيس لا تثق بسني عربي حتى هؤلاء ، مشيرا باصبعه الى القاعة التي كان ينتظر فيها الباجة جي ومحسن عبد الحميد )، مضيفا ( انهما عملاء للامارات والسعودية) ، ويقال ان كولن باول تدخل عندما سمع العبارة الاخيرة، واستأذن الرئيس بمداخلة عنّف فيها عبد العزيز الحكيم، ودعاه الى احترام زميليه في المجلس والوفد، مشيدا بالباجة جي واصفا اياه بانه رجل دولة ودبلوماسي عريق وعيب الكلام عنه بهكذا لغة..
مناسبة هذه المقدمة ان ادارة بوش اعتمدت نظرية التحالف مع الاحزاب الشيعية ونظيرتها الكردية وعدتها عنوانا لتعاون استرتيجي مستقبلي يؤمن المصالح الامريكية في العراق والمنطقة ، غير ان أحداث الايام الاخيرة وخصوصا في ما يتعلق بالاتفاقية الامنية بين الحكومة الحالية التي يقودها الائتلاف الشيعي وادارة بوش، أكدت ان التحالف بين الطرفين مجرد هراء وقائم على (التقية) من جانب الائتلاف الذي عاد الى قواعده الايرانية، وراح يماطل في التوقيع على الاتفاقية ليس لمصلحة وطنية عراقية وانما تلبية لارادة ايرانية حتى وصل الامر باحد وزراء الائتلاف في حكومة المالكي الى التصريح علنا ودون حياء بان الاتفاقية محرمة شرعا لان ( الامام آية الله العظمى علي خامنئي ) أفتى بحرمتها وحظر التوقيع عليها، ولا بد ان يلتزم رئيس الحكومة ووزرائه الشيعة بفتوى امامهم ! والمفارقة في الامر ان المسؤولين الامريكيين فوجئوا بموقف الائتلاف الشيعي حسب ما قاله مستشار السفارة الامريكية في بغداد، ولم تنفع المساعي التي بذلها مساعدا وزير الدفاع الامريكي للسياسات الخارجية ايرك ايدمان ولشؤون الشرق الاوسط كريستوفر ستايون اللذان اوفدهما الوزير روبرت غيتس في تذكير قادة الائتلاف بفضل امريكا عليهم وما عانته من ضغوط واحراجات من دول عربية واسلامية صديقة لواشنطن بسبب احتضانها لهم، وقبل زيارة المسؤولين الامريكيين كانت وزيرة الخارجية رايز وقبلها نائبها نغروبونتي قد أخفقا في اقناع حلفاء بلادهما الشيعة من التوقيع على الاتفاقية الثنائية، ولم يتحمل وزير البنتاغون هذا الموقف الغريب حسب وصفه من أصدقاء الولايات المتحدة الامريكية فاعلن عن عواقب وخيمة ستترتب على عدم التوقيع عليها وفعل الشيء ذاته رئيس اركان الجيوش الامريكية والعديد من الرسميين الامريكان الذين اصيبوا بدوار في رؤوسهم ولم يجدوا غير اطلاق تصريحات وتحذيرات قوبلت باستخفاف من قادة الائتلاف.
وفي محاولة يائسة ومتأخرة من الامريكان لانقاذ ماء وجوهم ، اتجه عدد من مسؤوليهم في بغداد الى طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية والامين العام للحزب الاسلامي ومحمود المشهداني رئيس مجلس النواب، والاثنان من قادة جبهة التوافق (السنية) لايجاد حل أي حل يحفظ هيبة ومكانة الرئيس بوش، غير ان الاثنين كان جوابهما ان الصيغ الامريكية التي فرضت في الدستور جردتهما من الصلاحيات التنفيذية، وبالتالي ليست لديهما القدرة لعمل شيء، وينقل عن المشهداني انه أبلغ مسؤولا أمريكيا جاءه يطلب العون انه قال قال بلهجته الشعبية (هاي اللي ردوتها.. حيل بيكم وتستاهلون). طبعا هذه الحركة الامريكية المرتبكة الجديدة باتجاه الهاشمي والمشهداني تأتي في اطار ( طائفي ) وضمن معايير المحاصصة التي يبدو ان الامريكان لا يريدون مغادرتها رغم الفشل الذي لقوه من حلفائهم قادة الائتلاف الشيعي، وثبت ايضا ان حزبي بارزاني وطالباني اللذين وافقا على الاتفاقية بسرعة، لا بالعير ولا بالنفير، وموافقة الحزبين وعدم موافقتهما لا تقدم ولا تؤخر..
اللهم شماتة مشروعة ببوش وبسياساته العدوانية التي دمرت العراق وقوضت دولته الناهضة، نعم نشمت ومن حقنا بالحمقى والاغبياء الذين جاءوا بقطيع اللصوص والحرامية وفرضوهم على العراقيين أهل الغيرة والثقافة والحضارة والابداع بقوة المارينز وطائرات الشبح.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
بوش والائتلاف الشيعي (العراقي) من ضحك على من؟ بقلم هارون محمد / كاتب سياسي عراقي
