هيئة علماء المسلمين في العراق

فتوى هيئة علماء المسلمين والمنعطف التأريخي لمستقبل العراق
فتوى هيئة علماء المسلمين والمنعطف التأريخي لمستقبل العراق فتوى هيئة علماء المسلمين والمنعطف التأريخي لمستقبل العراق

فتوى هيئة علماء المسلمين والمنعطف التأريخي لمستقبل العراق

لا شك أن التوقيت الذي جاءت فيه فتوى هيئة علماء المسلمين في العراق التي تقضي بتحريم عقد الاتفاقية الأمنية مع الاحتلال الأميركي في العراق هو توقيت حساس وخطير فهي تأتي من منطلق تحمل المسؤولية الشرعية والوطنية والتاريخية وفي مرحلة مهمة من تاريخ العراق.
لقد شكلت هذه الفتوى منعطفًا كبيرًا في طريق الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين الحكومة وبين الولايات المتحدة؛ فمن المؤكد أنها أحدثت نوعًا من الإرباك السياسي والشعبي لدى الحكومة والمشاركين في العملية السياسية الذين التزموا الصمت وعدم التعليق على هذه الفتوى في وقت يزداد فيه الإلحاح الأميركي من أجل إبرام هذه الاتفاقية قبل نهاية العام الجاري.
لكن أصداء هذه الفتوى وتداعياتها ظلت تتزايد يومًا بعد يوم وأحدثت شيئا من الحراك السياسي والشعبي فعلى مستوى الداخل دفعت هذه الفتوى بعض المرجعيات  (التيار الصدري) الى سرعة التحرك الشعبي والخروج في تظاهرات شعبية تعارض الاتفاقية في محاولة لعدم الوقوع في حرج الصمت، وفي الوقت نفسه أدخلت في دائرة الحرج مرجعيات أخرى لم تعارض الاتفاقية بل أحالتها إلى البرلمان الحالي علمًا أنها أخطر قضية يتعرض لها العراق في العصر الحديث لتتحول من خلالها القوات الأميركية من قوات احتلال إلى قوات معاهدة حليفة لها الوصاية على البلد لعقود طويلة في شكل من أشكال الانتداب الدائم.
القوى المناهضة للاحتلال أعلنت تأييدها لهذه الفتوى ومنها المدرسة الخالصية وعلى لسان الشيخ جواد الخالصي في خطبة الجمعة إذ أعلن ( أن كل اتفاقية تعطي الولاية لغير المسلمين اتفاقية باطلة شرعًا ويحرم الإقدام عليها ويشكل التوقيع عليها خيانة لله ولرسوله وللأمة)، المؤتمر التأسيسي وعلى لسان الناطق الرسمي باسمه قال: (إن هذه الفتوى تعبر عن إرادة وضمير الأمة)، وكذلك التجمع العراقي للتحرير والخلاص الوطني أعلن: ( أن صدور تلك الفتوى جاء تعبيرًا عن إرادة الشعب العراقي الرافض لهذه الاتفاقية) إضافة إلى قوى وشخصيات أخرى أيدت هذه الفتوى.
أما على الصعيد الخارجي فكان أبرز من أيد هذه الفتوى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المنعقد في الدوحة قبل أيام إذ جاء في بيانه الختامي: (يرفض الاتحاد ما يتعرض له الشعب العراقي من ضغوط لغرض اتفاقية أمنية جائرة عليه تمس سيادته وتعرّض مصالحه العليا للخطر وتؤبد استمراره إلى آماد غير محددة).
وهنا نقول إن أهمية فتوى هيئة علماء المسلمين تكمن في الآتي:
1.    وضعت النقاط على الحروف بشأن الموقف من هذه الاتفاقية وبيان مخاطرها.
2.    بلورت موقفًا وطنيًا في رفض الاتفاقية تتبناه كل القوى الوطنية الرافضة لمشاريع الاحتلال.
3.  أحرجت الأحزاب الإسلامية وبعض المرجعيات والواجهات الدينية التي التزمت الصمت في القضية أو لم تعارضها.
4.  أعطت بُعدًا جديدًا للصراع بين القوى المناهضة للاحتلال وبين الاحتلال والحكومة والموالين لهما وهو (حرب الفتاوى) -إن صح التعبير-.
5.    أعطت زخمًا كبيرًا من الثقة بالنفس للشارع العراقي لرفض هذه الاتفاقية وتغيير المعادلة.
 
إن الأسلوب الجديد الذي اتبعته الهيئة في خطابها ولجوئها إلى سلاح الحكم الشرعي يعكس مرحلة جديدة من الخطاب الشرعي الأكثر تصريحًا وشكلاً آخر من الضغط الأكثر تأثيرًا بحسب ما تقتضيه المرحلة، فقد جاء في الفتوى:
(فإن هذه الاتفاقية إذا ما تمت بين الحكومة الحالية المنصَبة على العراق وبين الإدارة الأمريكية المحتلة للبلاد، فإنها تعد محرمة شرعا وباطلة عقدا، ولا تلزم أبناء العراق بشيء؛ ولأن الأمر هنا متعلق بحق الأمة، فإن من يجيزها أو يمضي عليها من ساسة الحكومة الحالية سواء منهم من كان في السلطة التنفيذية أو التشريعية (مجلس النواب) فانه يعد مفرطا في المصالح العامة للأمة، وغير محترم لإرادتها وبالتالي فانه يقع في إثم الخيانة لله ورسوله والمسلمين من أبناء الشعب العراقي وغيرهم) .
إن الأمر لم يعد خلافًا سياسيًا يحتمل التأويل أو رأياً يسوغه الاجتهاد بل هو مخالفات شرعية إذ جاء في الفتوى:
(إن هذه الأحلاف إذا تمت بين طرفين أحدهما مسلم والآخر غير مسلم، فهي باطلة من أساسها؛ ولا تنعقد شرعا وليس لأحد أن يلزم بها الأمة ولا تلتزم بها حتى ولو عقدها أمير المؤمنين (خليفة المسلمين) لأنها تخالف الشرع، فهي تجعل المسلم يقاتل تحت إمرة غير المسلم، وتحت رايته، بل تجعله يقاتل من أجل بقاء هيمنة الكفر, وذلك كله حرام, فلا يحل لمسلم أن يقاتل إلا تحت إمرة مسلم وتحت راية الإسلام).
        لذا فالجميع مطالب اليوم سواء كان مرجعية أو واجهة دينية أو حزباً سياسيًا (إسلاميًا) بأن يقول كلمته في هذه الاتفاقية والانحياز إلى أحد المعسكرين إما معسكر المناهضين للاحتلال الرافضين لاتفاقية الإذعان المدافعين عن شرف هذه الأمة وكرامتها ، أو معسكر الاحتلال وعملائه الموقعين على الاتفاقية الخائنين لله ولرسوله وللأمة وذلك هو الخسران المبين.
  مركز الأمة للدراسات والتطوير
ح

أضف تعليق