مسيحيو الموصل والأكراد والقاعدة * ياسر الزعاترة
عملياً لم يبق الكثير من المسيحيين في العراق ، فقد حصلت نسبة كبيرة منهم على حق الهجرة إلى الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية ، وليس سراً أن أكثر العراقيين كانوا يحسدونهم على التسهيلات التي يحصلون عليها في السفارات الأجنبية في عمان والقاهرة ودمشق.
لن نقول إن ذلك يشكل شهادة للنظام السابق ، ذلك الذي لم يكن طائفياً كما روّجت المجموعات التي جاءت على ظهر الدبابة الأمريكية ، إذ طالت وطأته الأمنية الثقيلة الجميع ، وكانت أثقل ما يكون على المعارضين ، لاسيما حملة السلاح ، مع العلم أنه ما من نظام قد تسامح مع هذا اللون من المعارضة.
الآن ، يتعرض المسيحيون في الموصل لحملة شرسة من الواضح أن هدفها هو اقتلاعهم من مناطقهم ونقلهم إلى أخرى لأغراض حزبية وسياسية. وفي حين كان على البعض أن يلتفت مباشرة إلى القاعدة بوصفها الجهة التي يمكنها التورط في أعمال من هذا النوع ، فقد ثبت عملياً أن هذه الأخيرة لا صلة لها بما جرى ، لاسيما بعد أن بادرت في خطوة نادرة إلى نفي ذلك صراحة ، تماماً كما سبق أن نفت استهداف الكنائس المسيحية في بغداد ، الأمر الذي يبدو منطقياً في واقع الحال ، لاسيما أن الأقلية المسيحية في العراق قد نأت بنفسها عن الصراع المسلح الذي احتدم في الساحة العراقية منذ مجيء الاحتلال.
مع الوقت اتضح المشهد ، وتبين أن عصابات مسعود برزاني هي التي ارتكبت كل تلك الجرائم بحق المسيحيين ، الأمر الذي أشار إليه نواب من المحافظة ، وكذلك هيئة علماء المسلمين وفعاليات أخرى ، وهي جرائم سبق أن طالبت أهل المدينة من العرب السنة ، وكل ذلك في سياق السيطرة عليها ، لاسيما أن مخطط كردستان التوسعي لا يضم كركوك فحسب ، وإنما يشمل أجزاء من محافظتي نينوى (الموصل) وديالى.
والحال أن وجود الأقليات المسيحية وغير المسيحية في العراق وفي عموم المشرق العربي ، إنما هو شهادة للتسامح الإسلامي الذي طبع هذه المنطقة ، الأمر الذي أخذ يتلاشى مع مجيء النظام الطائفي على ظهر الدبابة الأمريكية.
الحكومة العراقية لم تفعل الكثير لمواجهة الجرائم التي ارتكبت بحق المسيحيين ، وتخصيص ألف جندي لهذا الغرض يستحق السخرية ، ولو كانوا من المجموعات التي تشتغل على كسبهم الأحزاب المنضوية في الحكومة الطائفية لكان الموقف مختلفاً إلى حد كبير.
يحدث ذلك رغم التوتر الذي يشوب العلاقة بين الأكراد وبين حكومة المالكي ، وبالطبع بسبب ملف كركوك والعديد من ملفات الاشتباك بين الحكومة المركزية وبين برزاني وطالباني ، (الأخير يبدو في حالة صحية صعبة استدعت أن يقوم بترتيب لأوراق من بعده ، كما ذهبت مصادر عراقية).
الأسوأ من ذلك هو الموقف الأمريكي الذي لم يبد الكثير من الاكتراث بما يجري ، ربما لأنه يعرف الحقيقة ، ولا يريد التفريط بعلاقته المتينة مع الأكراد بوصفهم المجموعة التي لا تساوم في ولائها للولايات المتحدة ، أعني قيادتهم ، لأن الأكراد أنفسهم لا يستشارون عملياً فيما يفعله القائدان العظيمان الذين قتلوا من شعبهم في صراعهما على المواقع والنفوذ أكثر مما قتل منه في الصراع مع النظام العراقي السابق.
الدستور
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
ص
مسيحيو الموصل والأكراد والقاعدة * ياسر الزعاترة
