شهدت بغداد الأسيرة في الفترة القليلة الماضية تقاطراً غير مسبوق للوفود العربية الرسمية بمختلف مستوياتها، فلم تكن زيارة ولي عهد ابو ظبي هي الاولى، بل سبقتها زيارة
وزير خارجية الامارات وتقديم السفير الاماراتي اوراق اعتماده ببغداد، كما كانت الزيارة المثيرة والمفاجئة لوزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط بعد انقطاع دام 15 عاما، وقبلها كانت زيارة العاهل الاردني التي مهدت لها زيارة رئيس وزراء الاردن، وزيارة رئيس وزراء لبنان، وزيارة سعد الحريري زعيم الاغلبية النيابية في لبنان، ومازالت هناك بالأفق القريب زيارات مرتقبة لرؤساء وزراء آخرين لدول مثل الكويت والبحرين وغيرهما، فضلا عن إعلان دول عربية إرسال سفراء الى بغداد مثل البحرين والاردن والكويت والامارات. والملاحظ ان معظم الزيارات تلك تمت دون إعلان مسبق أي (مُفاجئة)، مما يؤكد القناعة باستمرار سوء الاوضاع الامنية الداخلية ومخاطر تلك الزيارات على القائمين بها، كما تشير بطرف خفي الى 'تسابق' و'تنافس' لاثبات الذات والحضور... دون ان نشير هنا الى من الذي يُراقب تلك الزيارات ويُسجل 'الحضور والانصراف!'، وعلى كل حال فالمبادرات العربية تجاه بغداد مشكورة وطيبة وتنمّ عن تواصل العرب مع أهلهم في العراق.
ومع زيارات 'الحج العربي' يإتجاه بغداد، التي يبدو انها فريضة فائتة (أديّت شعائرها!) في غير شهرها، عاد الكلام عن 'الموقف العربي من العراق'، وعن 'التقصير العربي تجاه محنة العراق'، يطفو للواجهة الاعلامية، ولكن بنغمات متفاوتة ومتعارضة ومختلفة المقاصد والنيات، وحين يتم الحديث 'عراقياً' عن التقصير العربي لابد من التفريق التام بين منطلقين أو نوعين متناقضين من الطروحات:
الطرح الاول: هو منطلق المهاترة والتضليل والحقد على العروبة الذي تمارسه بعض القوى الطائفية والعنصرية المُستأثرة بالسلطة في العراق ممن جاءوا مع الغزاة، والمُهَيْمِنون على المشهد العراقي اليوم من إعتياد اطلاق الاتهامات ضد العرب والأمة العربية عموما، لدوافع عنصرية وطائفية مقيتة، من خلال تحميل العرب وزر كل مآسي العراق منذ 1920، بذريعة مساندة الدول العربية أو بالأقل سكوتها عن ما تسمى بـ(المظلومية، وجرائم النظام السابق وإنتهاكاته بحق الشيعة والأكراد) كما يدعون، وبكون الأمة العربية لاتساند جهود الحكومة الحالية ولا تبعث بسفرائها ودبلوماسييها إلى العراق..
ولابد من إقرار حقيقة أن أولئك الذين يطعنون بمواقف العرب من العراق إنما يستهدفون إستخدام هذه الشماعة ذريعة لتبرير دعاواهم ومساعيهم المعلنة وغير المعلنة لقطع الصلة بين العراق والعروبة، والمضي بمخططهم الشعوبي حيث بانت نياتهم واضحة من خلال الدستور المسخ الذي أرادوا من خلاله إلغاء هوية العراق العربية، وكون العراق جزء من الامة العربية، واستعاضوا عنه بالنص الخبيث على ان (عرب العراق فقط) هم جزء من الامة العربية! ووصل الامر الى ان يطالب بعضهم بطرد اي عربي من العراق.
الطرح الثاني : هو منطلق القوى العراقية الوطنية والعروبية وعموم القوى المناهضة للاحتلال الامريكي للعراق، وهم ايضا ينتقدون الموقف العربي الرسمي من العراق، حيث يرون في الموقف العربي (الذليل أو الساكت) قبل الغزو سببا في تشجيع ودفع امريكا نحو غزو العراق، ولا نريد هنا ان ننبش الماضي القريب الماثل امامنا حتى اليوم ونعيد ما كتبه كبار الساسة الامريكان ووسائل الاعلام واشهر الكتّاب مثل بوب وورد بكتابه 'خطة الهجوم' وغيره عن 'دور عربي في تسهيل ضرب العراق عام 2003 وتوفير الدعم اللوجستي للعدوان' بل واكثر من ذلك ان 'مسؤولين عربا ارسلوا وفودا الى واشنطن استعجلوا الادارة الامريكية في ضرب العراق واسقاط النظام'، وهذه ليست ادعاءات بل موثقة بكتب الامريكان انفسهم، فماذا كانت النتيجة؟. اليست وبالاً على العراق والعرب وفي مقدمتهم اولئك الذين دعموا الغزو واستعجلوا امريكا عليه، وهم اليوم يعضّون النواجذ غماً والماً وندامة على فعلتهم؟
إنّ الحديث عن علاقة العرب بالعراق.. حديث مؤلم وذو شجون، وإذ يرى العراقيون المنصفون أن إلقاء التهم جزافا لا يخدم قضية العراق المبتلى بالإحتلال ونقص السيادة وإمتهان الكرامة، فهم لايتفقون مع طروحات القوى الناقمة على العروبة والساعية لسلخ العراق عن عروبته، وإذا كان السيد عمرو موسى في حديث سابق له ينفي بشدة أي تقصير عربي تجاه العراق، وأن الجامعة العربية لم تقصر، فالتقصير موجود ولابد لنا من موقف عادل ومنصف نميز فيه بين 'مواقف الحكومات' وبين 'مواقف الشعوب'.. وإقرار حقيقة أن 'الجامعة العربية' ماهي إلا مرآة عاكسة لحال الأنظمة العربية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نحملها ما لا تحتمل أو نفترض فيها أنها ترقى على مستوى أنظمتها. أما الشعب العربي فيقينا ان الامور لو كانت بيده لما تريث لحظة واحدة في موقفه من العراق، فالعراق قلب العروبة، وبوابتها الشرقية، ولم يعرف التاريخ يوما للعرب دولة ومجدا ومجابهة الا وكان العراق أول الحاضرين.
لقد تغافل العرب عن ما يجري داخل العراق منذ بدء غزو العراق وعمليات تخريبه ديمغرافيا وسياسيا واقتصاديا من قبل امريكا وايران و( اسرائيل ) وتركوا الحبل على الغارب لموجات الغزو وللقوى الايرانية و ( الاسرائيلية ) تسرح وتمرح في العراق وتعيث فسادا بينما اتخذ العرب موقف المتفرج... ولم يستمعوا إلى صيحات المخلصين والعارفين بحقيقة المؤامرة التي تستهدف وحدة وعروبة العراق. ثم جاء موقف الجامعة العربية والقمم العربية في الخضوع للضغط الامريكي في قبول الاعتراف بمجلس الحكم المنحل رغم أنه لا يمتلك شرعية قانونية كونه منصبا من قبل الغزاة الامريكان، وقرارات تفكيك الدولة العراقية، وكذا الحكومة المؤقتة التي شكلها المحتلون وسائر العملية السياسية العرجاء المزورة التي جرت في العراق في ظل الاحتلال.. ونحن نعتقد انه لو كان موقف الجامعة والقمم العربية حاسما ومبدئيا وثابتا في عدم الإعتراف بالإحتلال وما نتج عنه من كيانات.. لكان الأمر غير ما هو عليه اليوم.
ومن المؤسف ان العرب كلهم عارفون تماما حقيقة ما جرى ويجري في العراق من تداخلات اقليمية وبخاصة من ايران.. ومساع لشرذمة وتقسيم العراق.. إلا أنهم لم يتحركوا إلا متأخرين وبعد فوات الأوان، فالنار التي تحرق العراق اليوم امتدت شظاياها الى دول المنطقة، كمرحلة اولى، ومنذ الغزو وكثير من الأقلام العراقية والعربية تصرخ بصوت عال محذرة العرب من أن العراق يواجه مؤامرات لتقسيمه وتحويله الى اقاليم وفدراليات وكيانات هزيلة وضعيفة ومتحاربة تنفيذا للتوجهات الصهيونية، وسعيا لتصدير هذا النموذج الذي تسميه امريكا والصهيونية بـ(الديمقراطي الجديد) الى دول المنطقة في مرحلة لاحقة، والجميع ساكت صامت!
العراقيون يرحبون باشقائهم العرب ـ في حجّهم المتأخر الى بغداد!- ولكننا نتمنى كعراقيين وجزء لا يتجزأ من الامة العربية ان يكون الحضور العربي فاعلا مؤثرا ومبادرا وليس تابعا.. ولا يقصد منه تجميل صورة احد، او اضفاء شرعية قاصرة على عملية عدوان اثيم، ولقد قالها خادم الحرمين الشريفين مدوية 'ان ما حصل على العراق هو عدوان وغزو وليس تحريرا'، ونتمنى ان ينطلق العرب كلهم من هذه الحقيقة ويكون تصرفهم على اساسها، نريد للعرب كلمة مسموعة ومدوية داخل العراق، وان يسهموا في الحد من النفوذ والتدخل الايراني بالشأن العراقي .. فالعراق عربي وليس فارسيا، وحقه على اشقائه، نريد استثمارات عربية فاعلة ومؤثرة في العراق، ونريد ان نسمع من المسؤولين العرب كلاما صريحا وقويا عن ما يجري داخل العراق من تهميش ومصادرة وعزل للعرب ومحاولات اسكات صوتهم ووصمهم بالارهاب.
ولا بد للعرب ان يتبنوا منطق المقاومة العراقية الاصيلة ويدافعوا عنها ولا نقصد مطلقا الدعم المادي لها او مدها بالسلاح بل نقصد مطالبة الحكومة الحالية والجانب الامريكي بوجوب الاستماع الى صوت المقاومة ومطالبها لانها تمثل جزءا كبيرا من الشعب العراقي.
لابد من الضغط على الحكومة الحالية من اجل الغاء كل القرارات التعسفية والمشبوهة وفي مقدمتها قرار حل الجيش العراقي السابق وتفكيك الدولة العراقية والغاء ما تسمى بعملية اجتثاث البعث، والغاء الدستور المسخ وكتابة دستور جديد يكتبه العراقيون ويصوتون عليه بكل حرية، ولابد من تعديل مسار العملية السياسية واستثمار الانتخابات القريبة القادمة لتصحيح الخلل الحاصل في الانتخابات السابقة، واعادة النظر في قانون الانتخابات، ولابد من دور عربي فاعل في المصالحة الوطنية الحقيقية بين كل العراقيين دون استثناء لاحد منهم مهما كانت اتجاهاته وافكاره .. ان العرب بتواجدهم الفاعل سوف يلغون او يحجمون من الدور الايراني والصهيوني كما انهم سيكونون مؤثرين في الوضع العراقي باتجاه حماية عروبته وهويته العربية، خاصة وان امريكا ستغادر العراق حتما في يوم قريب.
إن أمن العراق واستقراره ووحدته ومستقبله، أمانة في أعناق العرب جميعا، ولن يغفر التاريخ لمن يفرط في هذه الأمانة، لأن المخاطر التي تحيق بالعراق لن تقتصر عليه بل سيمتد سعيرها ولهبها ليشمل المتفرجين.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
الحج إلى بغداد: فريضة بوقتها أم قضاء مؤجل؟ د. أيمـن الهاشمي \' / أكاديمي عراقي
