هيئة علماء المسلمين في العراق

لماذا تفضّل إيران استمرار الاحتلال على الاتفاقية الأمنية؟ أبو محمد المقدادي
لماذا تفضّل إيران استمرار الاحتلال على الاتفاقية الأمنية؟ أبو محمد المقدادي لماذا تفضّل إيران استمرار الاحتلال على الاتفاقية الأمنية؟ أبو محمد المقدادي

لماذا تفضّل إيران استمرار الاحتلال على الاتفاقية الأمنية؟ أبو محمد المقدادي

منذ أن بدا واضحاً في وقت سابق من هذا العام أنّ أمريكا تريد فرض الاتفاقية الأمنية على العراق أطلق ملالي طهران صرخاتهم ضدّ توقيعها. لكن أمريكا تعتبر الاتفاق بينها كدولة احتلال وبين الحكومة التي نصّبتها برئاسة نوري المالكي شأن أمريكي خاص لا يحقّ لأحد التدخل فيه. وأمريكا تعرف أيضاً أنّ إيران تفضّل بقاء قوات الاحتلال الأمريكي في العراق على نفس حالها منذ نحو ست سنوات، أي قوات احتلال تنشر القتل والدمار والموت في المدن العراقية وتطارد المقاومة العراقية وأبناء الشعب العراقي الذين يدعمونها. وهو أمر يروق لإيران لأنه يسمح لها باستمرار فرض نفوذها من خلال أحزابها في الحكم وإضعاف العراق كدولة عربية. على عكس بقاء القوات الأمريكية وفق اتفاقية أمنية استراتيجية تنظّم وجودها بشكل تفرض فيه سيطرتها على البلاد وتلعب الدور الرئيسي في تقرير مصير الحكم وشؤونه والسيطرة على الثروات النفطية والغازية وأرض العراق وأجوائه وحدوده الدولية لسنوات طويلة. وهذا البقاء "الشرعي" سيعطي أمريكا القدرة على زحزحة إيران وأحزابها من النفوذ والسيطرة على الحكم خصوصاً وأنّ الانتخابات العراقية العامة مقرّرة للعام المقبل . وتعرف إيران جيداً أنّ أمريكا تخطّط لذلك وقد عبّر عنه بوضوح شديد قائد قوات الاحتلال الأمريكي في العراق الجنرال أديرنو مؤخراً في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست عندما قال أنّ إيران تقدم الرشاوى إلى بعض أعضاء البرلمان العراقي لمنعهم من التصويت لصالح الاتفاقية الأمنية.
وفي حالة رفض الاتفاقية الأمنية ستتمكن إيران وأحزابها من الاستمرار بحكم العراق تحت مظلّة الاحتلال الأمريكي الذي تقاتل قواته بدون هدف حقيقي غير القتل والتدمير وبدون أية شرعية... وهو حال العراق والعراقيين طيلة سنوات الاحتلال المريرة الماضية، وحيث تسرح وتمرح عصابات الأحزاب الإيرانية ومليشيات الموت بدون أية مسؤولية أو محاسبة شعبية أو غيرها، ويرفل قادة هذه العصابات والمليشيات بالمناصب الحكومية ونهب الأموال...
بعبارة أخرى يعيش العراقيون حياتهم المزرية بين مطرقة أمريكا وسندان إيران. ولكن يبقى مطلبهم الملح هو انسحاب قوات الاحتلال كافة من العراق بدون أية اتفاقية تشرّع بقائهم في العراق وتضمن إطالة عمر الاحتلال البغيض.
  وهنا يجب التأكيد على أنّ أمريكا المحتلة لن تخرج من العراق بدون مقاومة شعبية مسلّحة موحّدة تذيق جنود الاحتلال كؤوس الموت في كل زاوية وكل طريق في مدن وقرى العراق. إنّ مقاومة الشعب العراقي المسلّحة والتفاف أبناء الشعب حولها ورفدها بالرجال والمال واحتضانها بكل قوّة هي الضمانة الأكيدة على إنهاء حزورة الاحتلال غير الشرعي. ووقتها سوف لن يتمكن أحد، سواء إدارة أمريكية جديدة أم حكام عرب مساومون أو ملالي طهران وأذنابهم البقاء على أرض الرافدين.
إنّ موقف ملالي طهران من احتلال دولة الكفر أمريكا لأراضي المسلمين في أفغانستان والعراق هو قمّة النفاق الإيراني... فملالي طهران لا يتصرفون كمسلمين بعد أن استبدلوا الطائفة بالدين. ولا مانع لديهم من أن تحتل دول الكفر بلاد المسلمين أجمعها... ولو سنحت لهم الفرص لساهموا وساعدوا أمريكا في احتلال سوريا ولبنان وفلسطين ودول الخليج العربي كلّها كما فعلوا مع أفغانستان والعراق. ما يهمّ ملالي طهران هو امتداد نفوذهم إلى كلّ بلاد المسلمين.
لقد مضى عام كامل تقريباً على توقيع مذكّرة التفاهم بين جورج بوش ونوري المالكي عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة، وبعد الكثير من القيل والقال وصل الطرفان إلى طريق مسدود... لأنّ كل منهما يعرف ما يريده الطرف الآخر. ونكرّر القول هنا أنّ إيران تفضّل بقاء قوات الاحتلال الأمريكي كقوات احتلال في العراق يسمح لها ولأحزابها وقواتها العسكرية والأمنية بالتحرك بكل حرية في البلاد، بينما تفضّل أمريكا البقاء بصورة "شرعية" من خلال الاتفاقية الأمنية تتمكن فيها من السيطرة على الحكم وأجهزته وإجراء انتخابات جديدة تأتي بحكم موال لها وليس لإيران... من هنا وصل الطرفان إلى طريق مسدود في نفق الاتفاقية الأمنية.
  وأمريكا رغم نفوذها الكبير على حكومة الاحتلال ونوري المالكي بالذات إلا أنّ المسؤولين الأمريكيين الذين ما انفكوا يزورون بغداد ويلتقون المسؤولين في حكومة الاحتلال بضمنهم نوري المالكي لا يفهمون في الحقيقة عقليّة الإيرانيين وأحزابهم في العراق. فحسب صحيفة واشنطن بوست الأمريكية "أكّد رئيس الوزراء العراقي مرتين في شهر آب الماضي لبوش بأنّ الموافقة على الاتفاقية أمر مفروغ منه � مرة بشكل شخصي عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة ومرة أخرى عبر وزيرة الخارجية الأمريكية خلال زيارتها إلى بغداد � حسب تصريحات مسؤولين أمريكيين وعراقيين". 
وهكذا تمكّن ملالي طهران من تكبيل أمريكا بالقيود في العراق وإبقاءها دولة محتلة يغوص جنودها في جريمة الاحتلال أكثر فأكثر بينما يفرضون هم سيطرتهم على العراق بشكل مباشر وغير مباشر... وفي نفس الوقت يغوص الشعب العراقي في مستنقع الأمراض والفقر والموت وفقدان الحريات ونهب الثروات وانتشار الجريمة المنظمة من قبل عصابات ومليشيات حكومة الأحزاب الإيرانية وغيرها في ظل انهيار تام لكافة أنظمة التعليم والصحة والأمن وكل ما يمكن أن يحمي أبناء الشعب العراقي من الموت المحقّق في كل ساعة من ساعات اليوم. وما أجمل هذا المنظر في عيون ملالي طهران.
ويبقى أن نقول إنّ إنهاء أو انتهاء الاحتلال الأمريكي للعراق لا يمكن أن يتمّ بنفس السهولة التي تجري في أفغانستان... فالعراق يقع في قلب الشرق الأوسط حيث الصراع العربي التاريخي من أجل دحر الصهيونية وكيانها في أرض فلسطين، والشرق الأوسط العربي هو المركز الأكبر للطاقة في العالم، والعراق قلبه النابض ومن أغنى دول الأرض بالنفط والغاز... وهذا يعني أنّ أية إدارة أمريكية ستبذل قصارى جهودها السياسية والعسكرية والدبلوماسية ونفوذها المنطقي والعالمي وأموالها بالترليونات كي تبقي نوع من السيطرة في هذه المنطقة من العالم.
لكنّ انتخاب رئيس ديمقراطي يجلس في البيت الأبيض بدلاً من جورج بوش وعصابة المحافظين الجدد الصهيونية قد يعني انسحاباً (عسكرياً) أمريكياً كاملاً من العراق (ليس بالضرورة من المنطقة) للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من سمعة وهيبة أمريكا الممرغة بالوحل العراقي والأفغاني، وإنقاذ مؤسساتها المالية من الإفلاس التام... ومثل هذا الانسحاب سيترك إيران وأحزابها مكشوفة أمام مقاومة الشعب العراقي والتدخلات من الدول المجاورة الأمر الذي لن تقدر عليه إيران لوحدها بالتأكيد... وهنا تجد الأحزاب الإيرانية نفسها في مفترق طرق... هل توافق على الاتفاقية الأمنية كما تريد أمريكا أم ترفضها كما تريد إيران؟ ومن يضمن لها عدم انسحاب قوات الاحتلال بشكل مفاجئ تحت رئاسة باراك أوباما الديمقراطي في البيت الأبيض؟
  ان الأسابيع والأشهر القادمة حبلى بالأحداث ولكن من المؤكّد أنّ أمريكا تدرك أكثر من أي وقت مضى أنّها قد خسرت الحرب في العراق وعليها الخروج عاجلاً أم جلاً.
  المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق