لم تواجه الادارة الأمريكية مأزقاً حقيقياً منذ انتهاء الحرب الباردة مثلما هو حادث لها اليوم .. فنظرة سريعة على الأحداث التي يشهدها العالم حاليا في الشرقً والغربً تؤكد أن ادعاءات الإدارة الأمريكية
حول قيادتها للعالم كان مبالغاً فيها بعد ان رسمت لنفسها نمر من ورق .
فقد تراجعت قدرة امريكا على قيادة العالم والتعامل مع أزماته المختلفة وانحسرت تدريجيا بصورة اصبحت واضحة للقاصي والداني وتزامن ذلك مع تفاقم أزماتها المالية والسياسية، بشكل جعل كثيراً من المحللين يتحدثون عن بداية تشكيل نظام عالمي جديد لا يخضع لتوجيه وسيطرة قطب واحد .
لقد حملت تطورات الأحداث التي شهدتها الأسابيع القليلة المنصرمة إشارات تقود للإقرار بأن ما عرف بعصر السلام الأمريكي قد أشرف على الزوال وأكثر الملاحظات جرأة حول ذلك تكمن في المخاطر التي نجمت عن غياب قيادة عالمية مشتركة لمواجهة الأزمات بعد أن تم تغييب الدول الكبرى عنها وعجزت الأمم المتحدة عن طرح مبادراتها وكان البديل هو دولة كبرى تمسك بخيوط اللعبة لا ينازع أو يشارك معها أحد متقوقعة ومنغلقة على ذاتها .
ولعل المثير في ملامح الانهيار السريع الذي بدأ يضرب ما يسمى بعصر السلام الأمريكي هو اعتراف أركان اليمين الأمريكي وأبواق المحافظين الجدد أنفسهم بحقيقة ما يجري وهنا يمكن التوقف عند بعض القراءات التي كتبت خلال الأيام الماضية، وأهمها القراءة التي قدمها (ريتشارد هاس) رئيس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، وأحد كبار المنظرين والذي سبق أن أصدر منذ نحو عامين تقريباً ورقة بحثية أشار فيها إلى نهاية عصر السيطرة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط، كما كتب مؤخرا عما سماه بعصر اللا أقطاب حيث اكدً أن السمة الرئيسية لعلاقات القرن الواحد والعشرين الدولية تتحول لتصبح لا قطبية، أي عالم لا تهيمن عليه دولة أو اثنتان أو حتى عدة دول وإنما فاعلين يمتلكون ويمارسون أنواعاً مختلفة من علاقات القوة.
وهناك العديد من المؤشرات التي تدل على هذا المأزق والتي تكشف إلى حد كبير حدود العجز الأمريكي في مواجهة مشكلات العالم والتعاطي معها، ومنها على سبيل المثال حرب جورجيا الأخيرة .. فما يسمى بالقوة العظمى الوحيدة في العالم لم تستطع ردع قوة أقل منها كثيراً مثل روسيا عن شن حرب مدمرة على دولة حليفة لها في منطقة القوقاز، بل صعدت روسيا من تحديها للغرب وللولايات المتحدة عبر إعلان اعترافها الرسمي باستقلال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية والتهديد باستهداف الدرع الصاروخية الأمريكية في حال تم نشرها في بولندا أو جمهورية التشيك، كما أعلنت روسيا رفضها القاطع للهيمنة الأمريكية على العالم من خلال تأكيد رئيسها ديمتري ميدفيديف بأن بلاده لا يمكنها القبول بنظام عالمي تقتصر فيه سلطة اتخاذ القرارات على دولة واحدة قائلاً.. يجب أن يكون العالم متعدد الأقطاب وإن عالماً أحادي القطب هو عالم مرفوض.
وفي هذا المجال يمكن التذكير بتصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اكد فيها ان السياسات الأميركية أحادية القطب فشلت في العراق وأفغانستان كما ساعدت على إثارة الصراع الذي وقع في جورجيا في الآونة الأخيرة..
ومن خلال ما تقدم يبدو أن أميركا في تراجع ولحظتها التاريخية تبدو كما لو كانت قد انتهت وهذا التراجع يبدأ من عدم القدرة على حسم الحروب التي تقودها واخفاقها في العراق وأفغانستان وفشلها في عملية السلام بين العرب وإلكيان الصهيوني والملف النووي الإيراني وحتى النجاح الوحيد الذي كان يحفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية في الشأن الخارجي انهار أيضاً مع وقف كوريا الشمالية تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعودتها لاستئناف النشاط النووي اضافة الى ما تعانيه الادارة الامريكية الحالية في الداخل من ازمات كبيرة اهمها ألازمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد وسط انقسامات وخلافات حزبية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الحاسمة التي ستترك إرث بوش أثراً بعد عين.
الهيئة نت
ح
فشل الادارة الامريكية في مواجهة الازمات الخارجية والداخلية ونهاية عصر القطب الواحد
