عندما سأل أحد الصحفيين الأمريكيين الرئيس بوش عما إذا كان التدخل الأمريكي في العراق يشبه الغوص الأمريكي في المستنقع الفيتنامي
، أجاب: بنعم ، وكان بذلك يناقض ما سبق أن أعلنه من فوق إحدى البوارج الأمريكية بأن الحرب انتهت وأن الولايات المتحدة قد انتصرت في العراق. وبالفعل فإن القوات الأمريكية تتكبد في العراق خسائر يومية فادحة ، هذا بالاضافة إلى الخسائر في الآليات والعتاد ، والتكاليف الاقتصادية الباهظة للحرب ، وليس هناك ما يشيرعلى المدى القريب بملامح انجاز للأهداف الأمريكية في البلد العربي.
ومؤخراً ، صرح القائد العسكري البريطاني ، البريغادير مارك كارلتون سميث ، في زيارة له إلى افغانستان بأنه (يجب ألا يتوقع الرأي العام انتصاراً عسكرياً حاسماً في افغانستان) كما دعا البريطانيين للاستعداد للاتفاق الممكن مع طالبان ، في هذه الاثناء أعلن وزير الدفاع الأفغاني رحيم وردك (أن العمل العسكري وحده لا يمكن أن يكون الحل للتمرد الذي تواجهه افغانستان ، ولا بد أيضا من عمل سياسي واقتصادي) يأتي هذا التصريح بعد أيام من دعوة للتفاوض وجهها الرئيس كرزاي لقائد طالبان ، الملا عمر ، لوضع حد لحركة تمرد تمزق البلاد منذ نحو سبع سنوات ، كما أكد الرئيس الافغاني دعوته هذه في حوار له مع محطة (جيو. تي. في) الباكستانية ، طالباً من الملا عمر العودة إلى افغانستان ، للانضمام إلى المسيرة السياسية والترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة ، فهذه العودة من وجهة نظر كرزاي (تصب في مصلحة وازدهار وسلامة البلاد)، كل ذلك ترافق مع إنجازات عسكرية متتالية حققتها طالبان خلال الشهرين الأخيرين..
التصريحات الأخيرة ، رحب بها قادة الناتو ، والعديد العديد من الزعامات الأوروبية ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني بالضرورة: اعترافا أمريكيا - أوروبيا - غربيا بعجز قوات الاحتلال عن تحقيق أي انجاز ملموس سواء على صعيد ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب ، أو على صعيد حماية نظام الحكم في أفغانستان ، والذي ومن وجهة نظر الكثير من المراقبين ، لا يكاد يحكم أكثر من العاصمة كابول، من ناحية ثانية ، فإن التململ الشعبي سواء في الولايات المتحدة أو في الدول الأوروبية ، بات كبيراً إلى الحد ، الذي بات فيه يقلق قادة هذه الدول ، فالوضع في العراق ، ومستقبل القوات الأمريكية فيه هو احدى القضايا الاساسية في صراع الانتخابات الرئاسية الأمريكية بين الحزبين ، الجمهوري والديمقراطي ، هذا وتشير كافة استطلاعات الرأي في واشنطن: إلى انخفاض شعبية الرئيس بوش إلى أدنى مستوى يصل اليه رئيس أمريكي ، كذلك الحال في أوروبا ، فالمشاركة العسكرية في العراق لبعض الدول الغربية ، كانت بمثابة نقطة حاسمة في الانتخابات التشريعية في هذه الدول ، من حيث اسقاط أحزاب وشخصيات سياسية كانت مع هذه المشاركة ، وفوز أحزاب وشخصيات معارضة لها ، هذا بالطبع ، عدا عن المظاهرات الشعبية العارمة وكافة اشكال الاحتجاج الأخرى ، التي تجتاح العديد من العواصم الأوروبية بين الفينة والأخرى ، احتجاجاً على الحرب الأمريكية - الغربية على كل من العراق وأفغانستان.
على صعيد آخر ، فإن الأزمة المالية العالمية الآخذة في التفاقم ، والتي تبدو معها الحلول المطروحة وفقاً للمراقبين ، ليست أكثر من حبوب تخديرية مؤقتة ، لها مترتباتها الآنية والبعيدة المدى.
آنيا لا بد أن تترك هذه الأزمة تأثيراتها على الجوانب الأخرى ، الاقتصادية (بالطبع) ، والعسكرية والسياسية أيضاً ، فالسياسة وفقاً للتعريفات الفلسفية هي (اقتصاد مكثف) .. بالتالي ، فإن الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة لابد أن تتأثر سلباً ، كذلك هو الاستقرار الاقتصادي الحياتي للدولة ولمواطنيها على حد سواء ، فالمتبين مما حصل في الولايات المتحدة هو أكثر من انهيار مالي لامبراطوريات مالية ، بل يتجاوز ذلك ويتعداه إلى أزمة النظام الرأسمالي نفسه ، فوفقاً لبعض النظريات الفلسفية ، فإن الرأسمالية واصلة إلى ازمتها المستعصية على أية حلول ، أو بتعبير فلسفي آخر ، فإن الرأسمالية وفي مرحلة متقدمة (لا بد أن تحفر قبرها بيدها) الأمر الذي حدا بالكثير من المراقبين والمحللين الاقتصاديين العالميين إلى الدعوة لاعادة النظر بالفلسفة والنظريات الاقتصادية التي تقوم عليها الرأسمالية ، وبالأسس التي اعتمدتها ، مما يجعل (نهاية التاريخ) الفوكيامية مسألة مجردة خالية من المحسوس ، بعد الاخفاقات الكبيرة التي يواجهها عموم النظام الرأسمالي.
أما التداعيات بعيدة المدى للأزمة المالية العالمية ، فهي انتقالها بالضرورة إلى الدول الرأسمالية الأخرى ، التي ستتأثر حتما بما جرى ويجري في السوق المالي الأمريكي ، وبالفعل فإن القمة الأوروبية الأخيرة ، التي دعت إلى ضخ الدول لمليارات الدولارات في الأسواق المالية لبلدانها في محاولة لتفادي اشباح أزمات اقتصادية فيها نادت كذلك بعقد قمة عالمية بهدف تدارس السبل والوسائل الكفيلة باعادة الأسواق المالية إلى عجلتها الطبيعية.
وإذا كان الحديث عن الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً ، فإن النتائج البعيدة المدى لما يجري اقتصادياً في واشنطن ونيويورك ، لابد أن تترك تأثيراتها على المكانة السياسية الأمريكية القائمة على عدة أسس: السيطرة وصولاً إلى الهيمنة على العالم ، أحادية القطبية ، وعدم السماح ببروز قوة مضاهية أخرى ، بما يمدد سمات جديدة لهذه المكانة ، أقلها: الحد من هيمنتها وسيطرتها ، وبروز قوى جديدة ، بالضرورة ستلغي أحادية القطبية في طريق ثنائيتها ، وبما يحد من التدخل الأمريكي السافر في أماكن سياسية عديدة من العالم.
وجملة القول: إن الولايات المتحدة عاشت وتعيش اخفاقات كثيرة ، متصلة ومتتالية.
الهيئة نت
ح
اخفاقات أمريكية متتالية * د. فايز رشيد التاريخ : 12-10-2008
