لو دققنا النظر في أسباب حقد قادة تنظيم القاعدة على الحزب الإسلامي العراقي لما وجدنا سبباً أكثر أهمية من دور الحزب في إنشاء ما يعرف بالصحوات التي كان لها الدور الأبرز في الحرب ضد التنظيم خلال العامين الأخيرين من دون أن يقلل ذلك من أهمية دوره في تشريع الحضور العربي السني في العملية السياسية التي رتّبها الأمريكان بعد شهور من احتلالهم لبغداد.
نقول ذلك إثر التهديدات التي أطلقها أبو عمر البغدادي زعيم ما يعرف بدولة العراق الإسلامية التي أسسها تنظيم القاعدة، وهي التهديدات الأكثر قسوة في واقع الحال حيث أهدر البغدادي دماء خمسة من قادة الحزب فضلاً عن تخصيصه مكافآت لمن يقتل أيا من قادته الآخرين الذين أمهلهم وجميع العناصر 15 يوماً للتوبة (انتهت بالطبع).
على أن الذي يرفض قادة القاعدة الاعتراف به هو أن إنشاء الصحوات ما كان له أن ينجح لولا الأجواء المواتية التي ساهم التنظيم في صياغتها عندما سعى إلى فرض نموذجه المتشدد على مناطق العرب السنة، فيما تساهل في قضايا معاقبة "المرتدين" على نحو رتّب عليه ثارات بلا عدد بين العشائر التي يتوزع أبناؤها بين المقاومة وبين الانخراط في العملية السياسية، وما كان لها أن تتساهل في الرد على قتلهم بصرف النظر عن تبريرات القاعدة، وربما نفيها في بعض الأحيان.
هنا دخل الحزب الإسلامي على الخط، وبدرجة أكبر الأمريكان الذي اكتشفوا ما يمكن أن يلعبه المال في مناطق عشائرية، فقد دفعوا مئات الملايين من الدولارات لزعماء العشائر من أجل ضمهم إلى الحملة ضد تنظيم القاعدة، وهكذا اجتمع الثأر مع المال لكي يرتب الأجواء لخروج الصحوات إلى الواقع.
هنا نقول إن خلافنا المتجذر مع الحزب الإسلامي وسياساته لا يحول بيننا وبين القول إن قادته ربما اعتقدوا أن إنشاء الصحوات لن يساهم فقط في تحجيم تنظيم القاعدة فحسب، بل سيساهم كذلك في تشكيل مليشيا أمنية عربية سنية سيجري ضمها إلى الجيش والأجهزة الأمنية بعد ذلك، وبالطبع على أمل إعادة التوازن للمؤسسة الأمنية والعسكرية التي سيطرت عليها القوى الشيعية.
هكذا ضمت الصحوات أعداداً كبيرة من أبناء العشائر والمنخرطين في برنامج المقاومة ممن جرى إقناعهم بأولوية الخطر الإيراني على الخطر الأمريكي إضافة إلى بعض من تركوا تنظيم القاعدة بسبب ممارساته، ومعهم أناس عاديون يبحثون عن لقمة العيش، وكثير منهم من عناصر الجيش والأجهزة الأمنية الذين باتوا بلا عمل بعد الاحتلال.
لا شك في أن هؤلاء قاموا بجهود كبيرة في سياق مواجهة تنظيم القاعدة، وأصابوه بجراح كبيرة من دون أن يكون بوسع أحد القول إن التنظيم قد انتهى، لكنهم من جانب آخر حجّموا الفعل المقاوم أيضا.
بعد نجاح الصحوات في تحجيم القاعدة ومعها المقاومة، الأمر الذي شهد به الأمريكان ومعهم الحكومة العراقية، كان لا بد من السؤال عن مستقبل هذه الجحافل من العناصر الذين يزيدون عن مئة ألف عنصر.
وفي حين أراد قادتها مكافأتها بضمها إلى الجيش والأجهزة الأمنية، فقد رفضت أركان الحكومة من القوى الشيعية الأمر بشدة، هم الذين يعتبرون أن سيطرتهم على المؤسسة العسكرية والأمنية هي إنجازهم الأكبر الذي لن يفرطوا به بحال.
لذلك كله لم يتمكن الأمريكان رغم محاولاتهم المستميتة من فرض ضم عناصر الصحوات إلى الجيش والشرطة، لكنهم أحالوا الملف برمته إلى الحكومة التي وعدت باستيعابهم في المؤسسات المدنية.
في ضوء هذا الوضع تبدو الأجواء مهيأة لعودة بعض عناصر الصحوات إلى المقاومة بعدما تبين أن تجربتهم لم تسفر عن شيء إيجابي، لا هي ولا تجربة المشاركة في العمل السياسي، فقد بقي التهميش هو واقع العرب السنة، بينما لم تزدد إيران إلا نفوذاً في العراق، وهي التي كان شعار مواجهتها هو مبرر التعاون مع الأمريكان في صفوف العرب السنة.
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
واع
ي
نهاية تجربة صحوات العراقية.. ياسر الزعاترة
