في بداية موجة صعود العولمة، باعتبارها الظاهرة التي تهيمن على المناخ السياسي والاقتصادي والفكري في العالم، نشر عالم الاقتصاد الأمريكي داني رودريك، وهو أستاذ في جامعة هارفارد، كتيبا بعنوان لافت للنظر هو (هل ذهبت العولمة بعيدا في مجال تحديد أهدافها ووسائلها؟).
كان هذا نقدا مبكرا حقا كشف عن بصيرة عميقة وحس دقيق في استشراف المستقبل؛ لأن هذا المفكر الليبرالي شعر بأن مشروع العولمة بطموحاته الكونية في تحويل العالم إلى سوق اقتصادية واحدة تحكمها الرأسمالية بمبادئها التقليدية في حرية السوق وتحرير التجارة وكف يد الدولة عن التدخل في الاقتصاد، فيه مغالاة شديدة قد تؤدي إلي عملية استغلال واسعة المدى تقوم بها الدول الرأسمالية المتقدمة التي تمتلك الخبرة التاريخية والأدوات الحديثة في مجال التراكم الرأسمالي علي حساب الدول النامية ذات الاقتصاديات الضعيفة والهشة والتي تناضل من أجل تأسيس اقتصاد عصري يقوم على التوازن بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.
وما لبث فيضان العولمة العارم أن أغرق بلاد العالم جميعا، وكان أداته الرئيسية - إضافة إلى الشركات دولية النشاط والمؤسسات الاقتصادية العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي - منظمة التجارة العالمية التي أسست في نهاية مفاوضات الجات الشهيرة لتصبح معاهدة وقعتها مئات الدول، وأصبحت ملتزمة بأحكامها المجحفة التي صاغتها الدول الرأسمالية المتقدمة، وألزمت بها الدول النامية. واتخذ هذا الإلزام شكل لجنة قانونية داخل المنظمة تراقب سلوك الدول وتعاقب أية دولة تخرج عن أحكام حرية السوق وتحرير التجارة.
وسادت ممارسات العولمة التي هي في التعريف الإجرائي الدقيق الذي وضعناه لها في عديد من دراساتنا وكتبنا (سرعة تدفق رؤوس الأموال والخدمات والأفكار والبشر من مكان إلى مكان آخر بدون قيود ولا حدود)، غير أنه ظهر من الممارسة أن هناك سلبيات متعددة لتجليات العولمة المختلفة.
ومن هنا ظهرت حركة اجتماعية مضادة للعولمة التي أصبح رمزها منتدى دافوس الذي تجتمع فيه سنويا القيادات الرأسمالية العالمية إضافة إلى رؤساء الدول. وهكذا أصبح لدينا دافوس ممثلا للعولمة والحركة المضادة لدافو معبرة عن النقد الجذري لسياسات العولمة المنحرفة.
والواقع أن هذا النقد الاجتماعي الجذري للعولمة يعد امتدادا وتجاوزا في الوقت نفسه لنقد الرأسمالية باعتبارها مذهبا اقتصاديا مارسه عشرات من العلماء الاجتماعيين من مختلف المشارب والاتجاهات في الشرق والغرب على السواء.
وما زلت أذكر أنني في بداية اشتغالي بالبحث العلمي الاجتماعي في إطار المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية طالعت كتاب الاقتصادي النمساوي الشهير شومبيتر عن (الرأسمالية والاشتراكية) الذي صاغ فيه "نبوءة" شهيرة عن مصير الرأسمالية قرر فيها أنها - كنظام اقتصادي - لن يتاح لها الدوام والاستمرار، وذلك نتيجة التناقض الأساسي بين جماعية عملية الإنتاج وفردية الحصول على التراكم الرأسمالي!.
ويعني بذلك أن عملية الإنتاج الصناعي والتكنولوجي التي يسهم فيها مئات العمال والمهندسين والإداريين تنتهي بتحقيق أرباح طائلة لرأسمالي واحد أو لمجموعة من الرأسماليين يتحكمون في شركة من الشركات.
وفي الوقت الذي لا يحصل فيه هؤلاء (الشغيلة) إلا على الفتات تنعم هذه القلة التي تشكل الطبقة الرأسمالية، وتهيمن بالتالي على النظم السياسية بثمرات عملية الإنتاج في صورة أرباح وحوافز وأجور هائلة.
وإذا كان شومبيتر قد وجهت لنظريته اتهامات شتى على أساس أن له نزعات اشتراكية فإن عددا آخر من كبار علماء الاقتصاد الليبراليين وعلى رأسهم جالبرث وجهوا انتقادات مماثلة - من زوايا أخرى - للرأسمالية، بل إن بعض المفكرين الليبراليين مثل ليستر ثورو نشروا كتبا مهمة موضوعها (ما بعد الرأسمالية) بمعنى يقينهم بأنها لن تستمر إلى الأبد، كما تصور فوكوياما في كتابه الشهير (نهاية التاريخ).
وقد تصاعدت انتقادات عديدة من المؤسسات ومراكز الأبحاث للعولمة خصوصا في مجال غياب الممارسات الديمقراطية في سياقها، مما ينذر بأخطار محدقة علي شعوب العالم.
ومن أبرز هذه المؤسسات (منتدى 2000) الذي ضم صفوة من كبار الاقتصاديين والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، وعقد جلساته في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا ابتداء من عام 1997 حتى عام 2001، وانتهت أبحاثه ومداولاته بإصدار (إعلان براغ) الذي يتضمن عديدا من المبادئ التي يراد لها أن ترشد مسيرة العولمة باعتبارها "عملية تاريخية كبرى" ينبغي أن تشارك فيها كل الشعوب بقدر مناسب.
والمشاركون في المنتدى يرغبون في طرح حصيلة اجتهاداتهم في السنوات الأخيرة على صانعي القرار الدوليين، وهؤلاء الذين لهم وزن كبير في توجيه الرأي العام، وكذلك السياسيون والقادة الدينيون والعلماء ورجال الأعمال والفنانون والمبدعون والإعلاميون، وقبل كل هؤلاء الشباب في كل مكان وكل المعنيين بمصير العالم.
والسؤال الآن ما هي المشكلات التي أبرزها (إعلان براغ)؟
تنحصر هذه المشكلات في أربع رئيسية:
المشكلة الأولى: ضرورة صياغة حد أدنى أخلاقي. وتقوم هذه المشكلة على أساس تتبع ورصد صور العنف التي فاض بها القرن العشرون، مما يحمل على الظن أنها قد تمتد إلى القرن الحادي والعشرين.
ومن هنا تأتي أهمية صياغة مجموعة قيم أخلاقية تمثل الحد الأدنى الذي تلتزم به الحكومات والشعوب، وأهمها قيمة رئيسية هي ضرورة معاملة كل كائن بطريقة إنسانية بحيث تمثل هذه القيمة القاعدة الذهبية التي تحكم العلاقات بين الأفراد والمجتمعات الإنسانية. ومن شأن ذلك أن يزيل صورا متعددة من المعاناة الإنسانية إضافة إلى وقف تدهور البيئة الطبيعية ووضع حد للانقراض الفاجع للأنواع والثقافات.
ويقرر الإعلان أن الموارد الكونية تخصص بشكل فيه ظلم فادح، ومن هنا يكمن التحدي العالمي الأكبر في تحويل الموارد من شراء السلاح وتجارة المخدرات ومن الاستهلاك المادي والترفي المسرف لكي تصب في مصارف لمكافحة الفقر والمرض ومنع الصراعات العنيفة وحل مشكلات ارتفاع الحرارة الكوني ومواجهة الكوارث الطبيعية.
والمشكلة الثانية: هي ضرورة تحقيق الديمقراطية على النطاق العالمي. ومن هنا تأتي أهمية حماية التعددية في صور الحكم والمشاركة السياسية. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا إذا تم الاتفاق على معايير عالمية لاحترام هذه الحقوق، وربما كان مفهوم حقوق الإنسان هو خير معبر عن هذه الحقوق.
غير أن التحدي أمام الديمقراطية على النطاق العالمي يبدو في صياغة أدوات وتأسيس مؤسسات تستطيع أن تحمي القيم المشتركة على نطاق عالمي والاختلافات المحلية في الوقت نفسه.
أما المشكلة الثالثة فهي أخطر هذه المشكلات جميعا؛ لأنها تتعلق بالفعالية السياسية لاقتصاد العولمة. ويمكن القول بكل وضوح إن رأسمالية العولمة هي مصدر للثراء الناشئ المتنامي ولضروب من التوتر في الوقت نفسه. ولا يمكن الحفاظ على شرعية الأسواق المعولمة في الوقت الذي لا يستفيد منها إلا خمس سكان العالم.
وقد برزت سلبيات العولمة الاقتصادية في العقد الأخير على وجه الخصوص في ضوء المنافسة غير المقننة وحماية رؤوس الأموال، مما تسبب في إلحاق أضرار متعددة بالأفراد والمجتمعات. وبهذه الصورة يمكن القول إن هذه الظواهر السلبية تمثل تطرفا يشبه في حدته تطرف النظم السلطوية واقتصاد الأوامر.
وتبقي المشكلة الرابعة والأخيرة، وهي تتعلق بالهوية المحلية ورأس المال الاجتماعي والتنمية البشرية. والمبدأ الجوهري في هذا المجال هو أن اقتصاد العولمة المثالي ليس هو الذي يتم تنظيمه وفق قواعد بالغة الدقة بقدر ما هو ذلك الذي يزيد من رأس المال الاجتماعي، وينمي الإمكانيات الإنسانية، ويوسع من فرص الحياة أمام الناس، ولا ينبغي إطلاقا لاقتصاد العولمة أن يفلت من دائرة الرقابة الإنسانية، ومن هنا تظهر ضرورة مجابهة آثاره المدمرة من خلال تفعيل التنمية المحلية المستدامة.
ويبدو التحدي في إيجاد التوازن بين الاستثمارات الرأسمالية والاستثمار في التعليم والفوائد المرجوة من تدعيم المجتمع المدني والحفاظ على دور الدولة في التنمية وتنمية القطاع الخاص في الوقت نفسه.
هذه هي مشكلات العولمة التي شخصها (إعلان براغ) والحلول الإبداعية التي صاغها لمواجهتها.
ولكن في غمار انهمار التراكم الرأسمالي المهول على الشركات الدولية الكبرى وعلى اقتصاديات الدول العظمى مثل الولايات المتحدة لم يهتم أحد بهذه المشكلات ولا بالحلول المقترحة لها إلى أن وقعت الواقعة، وحدث الانهيار الكبير في الاقتصاد الأمريكي الذي يكشف - ولا شك في ذلك - عن هشاشة الرأسمالية باعتبارها نظاما اقتصاديا، وعن عدم عقلانية أهدافها التي تتمثل في التراكم الرأسمالي غير المحدود، وفي عدم أخلاقية وسائلها التي تقوم على استغلال الشعوب.
وهكذا ضد كل مبادئ الرأسمالية التي قدست مبدأ العرض والطلب اضطرت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضخ تريليون دولار في محاولة يائسة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي على حساب دافع الضريبة الأمريكي، مما أثار اعتراض عديد من أعضاء الكونجرس وفئات واسعة من الشعب الأمريكي.
هل ستجدي المحاولة؟. اقتصاديون أمريكيون رسميون يشكون في جدوى المحاولة!.
*جريدة الأهرام المصرية
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
مأزق العولمة الرأسمالية!.. السيد يسين
