هيئة علماء المسلمين في العراق

من دروس غزو واحتلال العراق_ كاظم الموسوي
من دروس غزو واحتلال العراق_ كاظم الموسوي من دروس غزو واحتلال العراق_   كاظم الموسوي

من دروس غزو واحتلال العراق_ كاظم الموسوي

لم تعد كلمة \"الانسحاب\" عند إدارة البيت الأبيض ومؤسساته سرية أو ممنوعة من التداول العلني، حيث أعلن عنها خلال مباحثات القادة العسكريين الميدانيين في العراق وقادتهم في البنتاجون. وصرح بها وزير البنتاجون مرات، وترددت بين اجابات القيادات العسكرية أمام اللجان المختصة في الكونجرس، وصولا إلى إعلان الرئيس الأميركي بوش الثاني سحب فوج من قوات الاحتلال الأميركي من العراق العام القادم في خطاب له حول الموضوع. وقد يكون هذا الانسحاب مقدمة مفزعة للعديد من الجهات التي تتصل بما حصل ويحصل في العراق، ولكن مجرد البدء بسحب هذه القوات لا يعني النهاية لها، وقد يشير إلى أن المسبحة قد تكر بعدها، ويجري حاليا النقاش والخلاف حول السرعة أو التسارع أو الأبعاد التي ستكون بعد الانسحاب العسكري الأميركي، وبأي شكل من الأشكال، ولماذا تتم عملية الانسحاب، هل حققت الإدارة الأميركية مشاريعها ومخططاتها من غزو واحتلال العراق؟ أم أنها ستبدل الأشكال والأساليب التي تأكدت من نتائجها وتداعياتها التي باتت مطروحة علنا. هل نسيت دروس حرب فيتنام؟ ماذا سيحصل مع الجهات التي تعاونت مع الاحتلال؟ والقواعد العسكرية والأمن والنفط والأهداف الأخرى التي خططت أو استدعت القيام بالمهمة، حسب أقوال الإدارة واتباعها ومنظريها.
رغم ذلك فطرح فكرة الانسحاب والخروج المشرف، كما اصطلح عليه، أصبحت متداولة أو متبادلة في واشنطن وبغداد. من بين من دعم هذه الأفكار وبما يحفظ سمعة الولايات المتحدة وسياساتها، واستخلص العديد من الدروس، الدكتوران جورج ماكغفرن ووليام بولك، ووضعاها في كتاب: الخروج من العراق، خطة للانسحاب الآن، الصادر قبل عامين في الولايات المتحدة، والذي قام مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت بترجمته ونشره. وكما ذكرنا في مقال سابق عنه تأتي أهميته من مؤلفيه العلمين في تيار المعارضة للسياسة الخارجية الأميركية، ومن خبراتهما ومقدرتهما الفكرية. ويضيف الناشر إلى أن اقرب وصف لمضمون الكتاب هو انه بيان واضح لبرنامج عمل بشأن مشكلة بالغة الخطورة في السياسة الخارجية الأميركية وفي الاستراتيجية العسكرية على السواء.
فبعد أن قرأ المؤلفان الوضع وتطوراته في العراق ودور سياسات وقوات الاحتلال الأميركي في ما وصل إليه الأمر، وانتهيا إلى أن الحل الأمثل هو في قرار الخروج وعودة الجنود من العراق، وتوصلا إلى أن رفض الخروج من العراق يقود إلى الكارثة التي أشارا إليها ووصفاها بالأرقام ووجهات نظر أميركية، حيث أكدا: "بغياب تغيير تام في السياسات الأميركية، الذي يجب أن يبدأ بانسحاب سريع من العراق فان أميركا التي ورثناها من آبائنا المؤسسين ستكون معرضة إلى خطر بالغ، وربما حتى إلى خطر مميت". ( يؤكد استنتاجهما ما يجري في أميركا والعالم الآن من انهيارات مالية). والمهم مرة أخرى في كتابهما هو الخاتمة التي وضعا عنوانا لها: دروس من العراق. وبدآها بالسؤال: هل هناك دروس لكي نتعلمها من المغامرة الأميركية في العراق؟. وواصلا: أن الفيلسوف الألماني هيجل يشك بذلك. كتب يقول: "أن الشعوب والحكومات لم تتعلم أي شيء من التاريخ، ولا عملت وفق المبادئ المستخلصة منه". ومن حكمة هيجل ناقشا الدروس التي يتوجب التعلم منها والتنبه لنتائجها وأخطارها المباشرة وغير المباشرة وتفسير مطلبهما في الخروج من العراق. بعد أن استعادا سنوات تاريخ العراق الحديث وما حصل فيه خلال الاحتلال البريطاني وما حدث أثناءه، كما انهما وضعا أسئلة مركزة وموحية لنتائج المغامرة، من قبيل لماذا اثنين من عشرة من العراقيين يعتبروننا محررين؟ "ولماذا لم يستقبل العراقيون قواتنا بالزهور في أيديهم والابتسامات على وجوههم كما أخبرتنا حكومتنا؟، ولماذا لم يشكرنا العراقيون لأننا أنقذناهم من صدام حسين بدلا من إطلاق النار علينا؟". والجواب على ذلك هو الدرس الأول والأساسي، في معرفة ثقافة هذا الشعب وإدراكه بان وجود قوات أجنبية في بلاده لا تعني غير استعمار آخر، ولا حل إلا بخروجها. واستنتجا من التجارب العالمية أن التسلسل الذي أعلناه، وهو الأمن قبل السيادة، لا يحصل إلا نادرا، أما عكسه، وهو السيادة قبل الأمن، فهو القاعدة العامة. "والسبب يعود إلى ما يلي: ما دام الأجانب في البلاد فان الأهالي الوطنيين سيواصلون كفاحهم حتى يخرج الأجنبي، مهما كانت القوة التي تستخدم ضدهم كبيرة ومهما كان القتال باهظا في الدماء والأموال". (ص132). وخلصا من هذا الدرس في شرح دعمهما لخطة الخروج المبكر قبل فوات الأوان، بأنه درس تاريخي وواقعي وعملي من العراق اليوم. والدرس الآخر الذي أكداه هو أن الغزو والتدخل الأميركي في البلدان ولد انطباعا وخبرة تقول أن أميركا ليست منارة الرجاء بل نذير الهلاك، عززه ما يفهم من سياسة الأمن القومي الأميركي ومذهب بوش العدواني، موضحين فكرتهما في أن الدرس العراقي الذي استخلصه الكوريون الشماليون والإيرانيون هو انه لكي تكون آمنا من أميركا فيجب عليك أن تمتلك أسلحة نووية. وان حكومة عراقية في المستقبل قد تصل إلى نتيجة مشابهة. وهذا أسوأ ما يمكن أن ينشأ من المغامرة الفاشلة في العراق.
إذا كانت هذه بعض الدروس وأهمها الاتعاظ من الحرب وما تؤول إليه، وتذكر دروسها وعدم إنكار تداعياتها أو تضليل الذاكرة القريبة المليئة بالعبر التاريخية، فان الدرس الأهم يبقى في: ماذا تحقق للشعب العراقي من كل ما ادعته الولايات المتحدة وكم هو الثمن الذي يدفعه وهل يمكن أن ينسى ويغفر؟.

كاظم الموسوي
كاتب صحفي عربي ـ لندن

أضف تعليق