الأزمة التي تعانيها الولايات المتحدة اليوم لا تشبه سابقاتها من حيث الحجم والمضاعفات السلبية التي ستتركها على الأميركيين وعلى دول أخرى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعجلة الاقتصاد الأميركي.
ولعل هذه المخاوف هي ما دفع البعض في أميركا وخارجها إلى التكهن بانتهاء القدرة الأميركية على التحكم بالنظام الاقتصادي العالمي، وبداية ظهور مراكز اقتصادية متعددة أبرزها القوى الناشئة في آسيا، وفي طليعتها الصين فضلاً عن الخليج.
وبصرف النظر عن الاتجاه الذي ستتخذه المعالجات الجارية للأزمة المالية التي تعصف بأكبر اقتصاد في العالم، فإن ثمة حقائق آخذة في الترسخ. فالولايات المتحدة المدعومة باقتصاد قوي معزز بانتصارها في الحرب الباردة، بلغت أقصى مداها العسكري في حربي أفغانستان والعراق، وبدت عاجزة عن خوض حرب على جبهة ثالثة.
وكانت روسيا سباقة إلى ادراك حدود القدرة العسكرية الأميركية، فسارعت إلى اجتياح جورجيا لتبدأ من هناك إعادة رسم ملامح نظام عالمي جديد لم تتضح معالمه بعد، غير انه لن يكون نظاماً تنفرد أميركا بإدارته وحدها من دون العودة إلى الآخرين، لكن ما انتهى بالتأكيد هو خوض مغامرات عسكرية واسعة النطاق لا تأخذ في الاعتبار مصالح قوى عظمى صاعدة وقوى إقليمية صاعدة.
وأتى الانهيار المالي في أميركا ليثبت هذا الاتجاه، وليبرهن على ان الأعوام التي أمضاها بوش في الحكم كانت حافلة بالأخطاء الإستراتيجية في السياسة والعسكر والاقتصاد، وان الأميركيين يحصدون اليوم ثمار سياسة جعلتهم يغوصون في مستنقعي أفغانستان والعراق قبل ان يبدأوا مرحلة من الركود الاقتصادي المخيف.
الأسبوع الماضي استنجد بوش بالأمم المتحدة كي تساعده في حربه المعلنة على "الارهاب".
وقبل سبعة أعوام كان بوش نفسه يعتبر ان المنظمة الدولية باتت كياناً يشبه عصبة الأمم ليدلل على عدم فاعليتها في مواجهة الأزمات الدولية، غير ان المسار الذي اتخذته الأحداث في العالم وعدم قدرة أميركا على مواجهتها بمفردها دفعت بوش للعودة إلى الأمم المتحدة.
ولحظة الضعف الأميركي حملت الأمين العام للأمم المتحدة بان كى - مون على اقتراح إنشاء قيادة عالمية لمواجهة الأزمات التي تعصف بالعالم والتحديات التي تواجهه في القرن الحادي والعشرين.
وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي جريئاً ايضاً في تناوله الأسباب التي أدت إلى الانهيارات المالية، وهي غياب الشفافية مما سمح للمؤسسات المالية بالتلاعب بأموال تفوق قدرتها.
ولو كان بوش قَبلَ بالعمل الجماعي قبل الآن لكان وفر على أميركا والعالم أزمة من النوع الذي يشهداه الآن؛ فالتغيير الذي يدخله على سياساته اليوم يأتي متأخراً جداً كبقية سياساته عندما قرر ألا يتدخل في "عملية السلام" في الشرق الأوسط ثم عاد هذه السنة ليقرر انه يجب التدخل عندما رأى ان حماس تكتسب نفوذاً متزايداً على الساحة الفلسطينية يهدد بالامساك بالقرار الفلسطيني بكامله.
لكن تدخله لم يفلح في حمل "إسرائيل" على تغيير حرف واحد من سياساتها وتالياً إدخال العملية السلمية في طور آخر من الجمود، كما ان القرار بتعزيز القوات الأميركية في أفغانستان لمواجهة القوة المتنامية لطالبان يعكس مدى قصر النظر الذي ميّز قرارات هذه الإدارة.
وفي كل الأحوال لا بد ان تتمخض الاضطرابات المالية والسياسية عن نوع جديد من التفكير سواء في الاقتصاد أو في حل المشاكل الدولية.
إنها نهاية حقبة وبداية أخرى.
العرب اونلاين
ي
ملامح نظام عالمي جديد.. أسعد الخوري
