هيئة علماء المسلمين في العراق

الدب وأمريكا و\"نبوءة\" تود _ سعد محيو
الدب وأمريكا و\"نبوءة\" تود _ سعد محيو الدب وأمريكا و\

الدب وأمريكا و\"نبوءة\" تود _ سعد محيو

هل بدأ الدب الروسي يلعب بذيل الأسد الأمريكي في منطقة \"أمنه القومي\" النفطي و\"الإسرائيلي\" في الشرق الأوسط؟ يبدو أن الأمر كذلك، وإن كانت هذه المداعبة تمت ب\"حنو وخفر\". فالقرار الذي اتخذته موسكو بمقاطعة اجتماع الدول الخمس الكبرى والخاص بفرض الموجة الثالثة من العقوبات على إيران، دقّ أجراس الإنذار في واشنطن وبروكسل وأثار لديهما السؤال المقلق: هل قرر الدب تمديد المجابهة من جبال القوقاز إلى الهضبة الإيرانية؟



السؤال مقلق بالفعل، لكن ليس بالنسبة إلى الحاضر بل للمستقبل القريب أو المتوسط. صحيح أن القرار الروسي كان أقوى إشارة حتى الآن إلى أن موسكو لن تتورع عن إعادة إحياء تنافسات الحرب الباردة في الشرق الأوسط إذا ما واصلت واشنطن إشعال الحروب الساخنة في المجال الحيوي السوفييتي السابق. لكن الصحيح أيضاً أنها فعلت ذلك من دون أن تقطع خط الرجعة.



فخطوتها جاءت أساساً عشية اجتماع مقرر بين رايس ونظيرها لافروف، وهو الأول لهما منذ انفجار الأزمة في جورجيا. كما أنها جاءت، جزئياً، رداً على معارضة واشنطن عقد اجتماع لمجموعة الدول الثماني الكبار بمشاركة موسكو. وبالتالي، فإن ردي الفعل يمثلان مناورة ضغط دبلوماسية روسية كلاسيكية معهودة في العلاقات الدولية.



ومع ذلك، يأتي هذا "الإزعاج" الروسي لواشنطن في وقت تمر فيه هذه الأخيرة بواحدة من أخطر أزماتها الاقتصادية. وهنا، ثمة رسائل رمزية كبرى لهذا الإزعاج الروسي قوامها التالي: أمريكا لم تعد قادرة لا على قيادة النظام العالمي ولا حتى على قيادة نفسها. الأحادية القطبية لفظت أنفاسها، وهي ستنهار كلياً إذا ما عجزت إدارة بوش عن إخراج الاقتصاد الأمريكي  من وهدته الخطيرة الراهنة. لذا، يمكن للدول الكبرى الأخرى أن تبدأ في السعي لتأسيس نظام عالمي تعددي جديد.



الفيلسوف البارز إيمانويل تود تنبأ مبكراً بأن هذا ما سيحدث بالتحديد، حتى حين كانت أمريكا في أوج صعودها. فهو فسّر المحاولات الأمريكية لإقامة امبراطورية عسكرية وسياسية على أنها دليل ضعف لا قوة. انحدار لا صعود. أمريكا برأيه تحاول عبر سلسلة الحروب التي تشنها ضد الأطراف الضعيفة في العالم إرهاب القوى الكبرى الرئيسية في العالم (أوروبا، اليابان، روسيا، والصين) والإثبات لها بأنه لا غنى عن دورها للحفاظ على أمن النظام الاقتصادي العالمي. لكن أمريكا لن تنجح في النهاية في إقامة هذه الامبراطورية، لأنها تفتقد أهم عناصر بناء الامبرطوريات: القدرات المالية والاقتصادية الكافية.



وتبعاً لذلك، توقع تود انهيار النظام العالمي الأمريكي عبر أحد طريقين: انفصال محور فرنسا  ألمانيا واليابان وروسيا (أي القوى الرئيسية في قارة أوراسيا) عن الزعامة الأمريكية وتشكيل تحالف مستقل ضدها، أو كساد كبير في البورصة المالية الأمريكية سيكون أضخم بكثير من انهيار العام 1929.



التوقع الثاني يقترب من التحقق. والتوقع الأول لن يكون مستبعداً كثيراً إذا ما شعرت أوروبا واليابان بأن أمريكا باتت عبئاً على النظام العالمي لا رصيداً له. ولأن كلا التوقعين واردان، يحق لروسيا أن تراهن هي الأخرى وأن تفعل ما تفعل الآن: مداعبة ذيل الأسد الأمريكي بين الفينة والأخرى وإن ب"حنو".. حتى إشعار آخر.

جريدة الخليج الإماراتية  27/9/2008

أضف تعليق