هناك أربعة خيارات أمام المقاومة العراقية في الوقت الحالي، ولكل خيار منها خصوصيته، ويبدو من الصعب الخلط بين خيارين أو أكثر،
وتقتضي المرحلة بجميع معطياتها، الركون إلى أحدها واعتماده، في ضوء الفرز الدقيق، والقراءة الموضوعية للمرحلة المقبلة واستشراف آمادها.
الخيارات الأربعة هي:
أولا: إلقاء السلاح: يتم اعتماد مثل هذا التوجه، في حال اقتنع المقاومون بأنهم حققوا أهدافهم، التي رسموها في بداية انطلاق المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي للعراق، التي ابتدأت بعد أيام قلائل من احتلال بغداد في التاسع من ابريل (نيسان) عام 2003، حيث قتلت المقاومة أول جنود المارينز بعد ثلاثة أيام من الاحتلال، وشن مقاومون هجوما واسعا ضد دورية أمريكية في الجانب الغربي من بغداد في منطقة نفق الشرطة في18/4/2003 (أدبيات جيش الراشدين)، ثم توالت الهجمات وتصاعدت، وأخذت بالانتشار في مختلف مناطق العراق، ومنذ أن بدأت أدبيات المقاومة بالخروج إلى الرأي العام، لم يتزحزح خطابها قيد أنملة عن الهدف الأسمى المتمثل بطرد الاحتلال الأمريكي من العراق، وإفشال مشروعه الأخطر في تاريخ البشرية، والمحافظة على وحدة العراق أرضا وشعبا، ولأن أهداف المقاومة مازالت هي المحرك الأساسي لفصائل وكتائب وجيوش المقاومة، والتزامها بذات الثوابت والتوجهات، فان إيقاف المقاومة وإنهاء عملياتها غير ممكن على الاطلاق، بل انه قد يكون ضربا من المستحيل إقناعها بإلقاء سلاحها، قبل تحقيق أهدافها التي انطلقت من أجلها.
الثاني: الانخراط في العملية السياسية وإصلاحها: قد يكون هذا التوجه، المحرك الأساسي، لجميع المحاولات التي جرت منذ عام2005 ومازالت، والتي تندرج تحت يافطة (المصالحة في العراق)، وقد حاولت الإدارة الأمريكية فتح مثل هذا النفق، لتزج به فصائل المقاومة العراقية، على أمل تذويب برنامجها الوطني في دهاليز العملية السياسية، وانطلقت أقوى المحاولات في مؤتمر(الوفاق) الذي عقد في القاهرة في19،20،21 نوفمبر(تشرين الثاني) 2005 برعاية الجامعة العربية، والاجتماع التحضيري الذي عقد في مقر الجامعة العربية في يوليو(تموز) 2006، لكن اصطدمت جميع الطروحات بثوابت القوى الوطنية التي تتطابق تماما مع خطاب المقاومة وأهدافها، التي تمسكت بالثوابت الوطنية، المطالبة بخروج الاحتلال كاملا، والتخلص من العملية السياسية التي صنعها الاحتلال الأمريكي، وصاغها على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية، وما تمخض عنها من دستور وقوانين ومؤسسات وغيرها، اعتمادا على رؤية دقيقة، تؤكد أن كل ذلك يمثل مجموعة أخطار وألغام تم زرعها في الجسد السياسي الحالي في العراق، وبدون التخلص منها، لا يمكن للعراق أن يتعافى، ولن تكون هناك برامج وطنية تنموية شاملة، تخدم حاضر العراق وأجياله المقبلة، وبالرغم من جميع المحاولات المعلنة والخفية، التي جرت لثلم هذه القناعة، إلا أن خطاب المقاومة العراقية والقوى المناهضة للاحتلال، لم يتبدل وبقي واحدا وثابتا إزاء أخطار العملية السياسية وما تختزنه من أمراض، ما يضعها في خانة (الميئوس من علاجها)، ولا حل إلا بالاقتلاع التام، وصياغة عملية سياسية عراقية، لا تمت بأي صلة لما زرعه الاحتلال الأمريكي في العراق، ومن هذا الفهم، فان انخراط المقاومة العراقية في العملية السياسية، على أمل إصلاحها، قد يبدو مستحيلا، بل هو كذلك، لأنه يتناقض تماما وتوجهاتها وقناعاتها وثوابتها.
الثالث: استمرار المقاومة على ما هي عليه: لا شك أن المقاومين في مختلف التجارب التي عاشتها الأمم والشعوب، يضعون باستمرار الخطط والبرامج، التي تقربهم من أهدافهم بأسرع وقت ممكن، ومن يلقي نظرة سريعة، على واقع المقاومة في العراق حاليا، يخرج بالاستنتاجات التالية:
أ ـ لقد حققت نتائج باهرة في الميدان القتالي، وألحقت الكثير من الخسائر بقوات الاحتلال الأمريكي والقوات الأجنبية المساندة لها.
ب ـ وفقا للمعيار الأهم في الحروب، فان جنود الاحتلال يعيشون أوضاعا نفسية متعبة جدا، وهذا ما يعترف به البنتاغون، حيث يعيش الآلاف منهم في حال من القلق والخوف، وهو نتيجة طبيعية لفعل الهجمات التراكمية التي نفذتها فصائل المقاومة العراقية ومازالت، ويؤكد ذلك التفوق العسكري الميداني للمقاومة.
ج ـ استعادت قوات الاحتلال شيئا من توازنها الذي فقدته تماما خلال عامي2005و2006، تحت ضربات المقاومة الموجعة، بعد استئجار الصحوات لصالح قوات الاحتلال.
د ـ تحاول قوات الاحتلال الاختباء شيئا فشيئا خلف الأجهزة الأمنية الحالية من شرطة وجيش وصحوات، وجعل المواجهة مباشرة بين العراقيين، مما يسهم في إعادة شيء من التوازن المفقود عند جنودها، وفي حال استمرار ذلك، فقد يتم استبدال القوات الحالية بغيرها، مما يجعلها في وضع نفسي أفضل، وتفقد بذلك المقاومة أهم مكتسباتها المتمثلة في زرع الرعب والهلع في قلوب جنود العدو.
ومن هنا، فان استمرار الحال كما هو عليه، أي الاكتفاء بشن الهجمات التقليدية (تفجير العبوات، قصف القواعد بالهاونات والصواريخ، استخدام القنص في مناطق متباعدة وقليلة) قد يسهم في إضعاف المقاومة إذا ما امتد لفترة طويلة. وتفقد بذلك أهم أدواتها في تحقيق أهدافها الأساسية، التي انطلقت من أجلها، والمتمثلة كما أسلفنا، في طرد الاحتلال والمحافظة على وحدة العراق أرضا وشعبا.
لذلك، فان هذا الخيار قد يبدو غير مجد، والتمسك به والسير بذات الوتيرة، لن يرتقي بالمقاومة إلى درجات أعلى، إن لم يبدأ العد التنازلي، استنادا إلى تأثير الفعل الميداني على التوجه السياسي للبيت الأبيض، وقد يؤخر تحقيق الأهداف المنشودة للمقاومة.
الرابع: المعارك الكبرى: إن حسم الصراع في العراق بين قوات الاحتلال الأمريكي والمقاومة، يحتاج إلى معارك كبرى، تشنها فصائل المقاومة العراقية ضد القوات الأمريكية والقوات الأجنبية الساندة لها في مختلف مناطق العراق، وعبر التاريخ لن يخرج الاحتلال إلا بالمعارك الكبرى؛ فقد تحررت فيتنام بعد معارك كبيرة وحاسمة استمرت أربعين يوما، وانتهت بهروب القوات الأمريكية بالمروحيات، من على سطح السفارة الأمريكية في سايغون في 30- ابريل 1975، وانهزم الفرنسيون في الجزائر مرغمين لتحصل الجزائر على استغلالها في مارس (آذار) 1962، ولن يخرج الأمريكيون من العراق إلا بأحداث كبرى، خاصة أن الأوضاع السياسية في الداخل الأمريكي مهيأة في الوقت الحالي للتفاعل مع أحداث من هذا النوع، وإذا خسرت القوات الأمريكية أعدادا كبيرة من جنودها، وتم تسليط الأضواء الإعلامية على ذلك. وإذا ما تمكنت المقاومة من أسر جنود وضباط أمريكيين، أو السيطرة على قواعد ومقرات للقوات الأمريكية، فان إدارة البيت الأبيض، ستسارع لطلب التفاوض، والشروع بالانسحاب الفوري أو بجدولته، مع تلبية جميع مطالب العراقيين، وان أحداثا كبيرة ستهز الرأي العام الأمريكي والعالمي، وستعيد جميع الأطراف التي تحاول دعم المشروع الأمريكي في احتلال العراق حساباتها، وتنقلب الطاولة على أصحاب الأفكار والمشاريع التي تريد بقاء القوات الأمريكية في هذا البلد، كما ان هجمات كبيرة ونوعية، ستسقط بالضربة القاصمة الادعاءات الأمريكية التي تروج لإحكام سيطرتها وتحسن الأمن في العراق.
ويتحقق بذلك للمقاومة ما انطلقت في سبيله بعد أيام قلائل من احتلال العراق، وتحصد زرعها، الذي قدمت في سبيله مئات الآلاف من الضحايا والمعتقلين والملايين من المشردين من بلدهم وديارهم.
خلاصة الخيارات الأربعة: لا شك أن العاقل يذهب باتجاه الخيار، الذي يخدم قضيته، وما قدمناه من خيارات لا يحتاج إلى الكثير من الشرح والإيضاح. فبقدر ما تحاول إدارة الاحتلال الأمريكي، أن تخلط الأوراق لتتداخل الألوان والأفكار والرؤى، فان الأمور واضحة وجلية، والخيار الوحيد الذي يحسم قضية العراق واضح، إذا ما توفرت الإمكانات والمستلزمات الضرورية، طالما أن الإرادة متوفرة والتصميم على انجاز المهمة العراقية راسخ لا يتزحزح. ويبقى الميدان مفتوحا على جميع الخيارات، وهذا ما يمثل قناعة عبقري الاستراتيجية العسكرية الصيني صن تزو صاحب كتاب (فن الحرب)، الذي قال: إن فن الحرب ذو أهمية بالغة، فهو مسألة حياة أو موت،
جريدة الشرق الأوسط
السبـت 27 رمضـان 1429 هـ 27 سبتمبر 2008 العدد 10896
المقاومة العراقية والخيارات الأربعة_ وليد الزبيدي
