التخبط ، هي سمة من سمات الاضطراب، والفشل، والهزيمة، فقيام رئيس دولة
عظمى بحجم الولايات المتحدة، جورج بوش بأصدار مرسوم يقضي بتجميد أموال الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق وأرصدته وممتلكاته داخل الولايات المتحدة بحجة أنه يمثل تهديدا لما أسمته ''الأمن '' والسلام والاستقرار فى العراق، يجعلنا نحمد الله مليون مرة على نعمة العقل التي يمتعنا الله بها، فهل ثمة عاقل يصدق ذلك ، فأنّى للشيخ حارث الضاري الأموال والممتلكات في الولايات المتحدة ليصدر قرار بحقها، وهو لا يملك حسابا واحدا لا في العراق ولا في أي بنك عربي أو غيره، وواشنطن التي تبين أنها تجسست على رئيس الوزراء العراقي المالكي وأفراد حكومته، قادرة أن تتجسس على الضاري وتعلم أنه لا يملك من حطام الدنيا شيئا، لكن لا بد من هكذا قرار عقابا له على تمسكه بعروبة وطنه في وجه الإحتلال.
فهل من هو من أمثال الشيخ الضاري يمثل تهديدا للسلام والأمن في بلادها لتي كانت تنعم بأمن تحسد عليه قبل دخول جحافل الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، لكن ومنذ يوم التاسع من نيسان عام 2003 لم يعش العراق نعمة الأمن يوما واحدا، فالقتل يتخطف أبناء العراق من كل جانب.
لكن المضحك في البيان الأمريكي القاضي بمصادرة أموال حارث الضاري اتهامه بأنه إرتكب ودعم أعمالا عنيفة ضد الاحتلال. ويضرب مثالا على ذلك بأنه قام فى أيار من العام الحالي، بإصدار أوامره إلى قادة تنظيم القاعدة فى العراق، بمهاجمة ''قوات الاحتلال'' ومجالس الصحوة، وقامت خليتان تابعتان للقاعدة وكلتاهما تحت سيطرته بزرع عبوات ناسفة في الطريق الذي سلكته قافلة تابعة لقوات الاحتلال وشنت كذلك هجوما بالاسلحة الخفيفة على نقاط تفتيش تابعة لعناصر الصحوة... وفق البيان الأمريكي!!.
هذه التهمة تحديدا - ان كانت تهمة ؟ تفسر سبب الفشل الذريع للقوات الأمريكية في العراق، فمن لديه ادنى مستوى من المعرفة في تنظيم القاعدة في العراق ، وفي حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق، يدرك مقدار تخبط قوات الأحتلال في العراق، فلا القاعدة تأتمر بحارث الضاري ولا حارث الضاري ينصب نفسه قائدا في القاعدة. ولا أظن أن الساسة في واشنطن يجهلون هذه البدهية، لكن على قاعدة '' عنزة ولو طارت'' تريد واشنطن أن تضيق على الشيخ حارث الضاري بأي ذريعة، لكن أي ذريعة أخرى ربما لا تكون مقنعة للدول العربية التي فتحت أذرعتها لاستضافته للتضييق عليه، فلجأت الى شماعة القاعدة، لتصدر مرسومها الخاص بالضاري لعلها تقنع حليفاتها العربية بالتضييق عليه.
فقد سبق لمرسوم حكومي قبل عامين أن حاول التضييق على الشيخ حارث الضاري حين أصدر وزير الداخلية حينذاك جواد البولان مذكرة اعتقال بحق الشيخ الضاري بتهمة دعم الإرهاب والتغطية على المليشيات التي تقوم على قتل الشعب العراقي.'' فمقاومة الاحتلال وأعوانه باتت في عرف الحكومة المعينة من قبل الاحتلال قتلا للشعب العراقي. هكذا تقلب المفاهيم والحقائق في زمن الغلو الأمريكي.
كان أحرى بالبريطانيين أن يصدروا هكذا مراسم بحق الشيخ حارث الضاري وليس الأمريكان، فجد الشيخ حارث وأسمه ضاري كان قد قتل قائد القوات البريطانيه بالعراق(لجمن) أبان ثورة العشرين من القرن الماضي ضد الاستعمار البريطاني. لكن البريطانيين أقل حمقا من الأمريكيين لأنهم يدركون أنهم كانوا حينذاك محتلين، وأن ما قام به الضاري وغيره هو مقاومة للإحتلال، فمتى يعقل الأمريكيون ذلك؟
Hussein.fuad_(at)_gmail.com
جريدة الرأي الاردنية_ 21/9/2008
حارث الضاري.. ارهابيا ؟! _ فؤاد حسين
