هيئة علماء المسلمين في العراق

مستقبل التمرد اللاتيني على واشنطن.. عاصم السيد
مستقبل التمرد اللاتيني على واشنطن.. عاصم السيد مستقبل التمرد اللاتيني على واشنطن.. عاصم السيد

مستقبل التمرد اللاتيني على واشنطن.. عاصم السيد

لم يأت التصعيد الحالي في حدة التوتر في العلاقات بين بعض دول أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة من فراغ، فقرار الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز بطرد السفير الأمريكي في بلاده تضامنًا مع الرئيس البوليفي في أزمته مع واشنطن ليس جديدًا، وإنما هو تكرارٌ لمواقف كثيرة مشابهة اتخذتها كثير من دول القارة اللاتينية. وربما يتعجَّبُ البعض من ردة الفعل اللاتينية على السياسة الأمريكية في قارتهم، لكنّ العودةَ للتاريخ تعطينا فهمًا لهذه العلاقات.

فإذا كانت الولايات المتحدة قد اعتبرت القارة اللاتينية بمثابة الحديقة أو الفناء الخلفي لها، تلهو وتعبث بها كما تريد استنادًا إلى نفوذها وتأثيرها الواسع هناك الذي مَكَّنَها من السيطرة على مفاصل السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة في هذه البلدان، وأنْ تثبت نظامًا سياسيًّا ترضى عنه، وتعزل آخر تغضب عليه، وتضمن من وراء ذلك كله السيطرة على الثروات الطائلة لهذه القارة وخاصة ما كان يتعلق منها بالطاقة والمواد الخام.

التدخلات الأمريكية في شؤون أمريكا اللاتينية وراءها إذن النفط والغاز وأسواق المنتجات للشركات الأمريكية عابرة القارات التكنولوجية والصناعية والغذائية والزراعية، فالقارة اللاتينية تئن من وطأة الاستغلال والنهب الذي تمارسه الشركات الاحتكارية الأمريكية الكبرى التي أحكمت قبضتها منذ عقود طويلة على اقتصاديات بلدان القارة اللاتينية، وتستنزفها بشكل يُمَثِّل أعلى درجات الجشع.


البدايات الأولى للتمرد

التحول اللاتيني السلبي عن واشنطن بدأ عام 1973 عندما تدخلت الولايات المتحدة، ونفذت انقلابًا على الرئيس التشيلي المنتخب بطريقة ديمقراطية، فقد أرادت واشنطن بقيادة نيكسون تأديب تشيلي؛ لأنها انتخبت رئيسًا يساريًّا، واختارت الولايات المتحدة - التي دائمًا ما تُصِمُّ الآذان بالحديث عن الديمقراطية - أن تنقلب على الديمقراطية اللاتينية الوليدة التي قادها يساريٌّ ضد التوجهات الرأسمالية الأمريكية والغربية، وأراد أن يَخْدُمَ بلده بطريقة أفضل.

كانت أمريكا اللاتينية تحتفي بتجربة ديمقراطية وليدة على أراضيها، وتأمل أن تنمو هذه التجربة، ويتسع نطاقها حتى تستطيع القارة أن تنهض، وتنعتق من التبعية والاستغلال.

لكن واشنطن دبرت عملًا إرهابيًّا أطاح بالرئيس التشيلي المنتخب، وقال الرئيس الأمريكي نيكسون وقتها: لا أدري، لماذا علينا أن نقف جانبًا نشاهد كيف يسقط هذا البلد في يد الشيوعيين بسبب انعدام المسؤولية بين أهله؟!

كان وصول الليندي إلى الحكم عبر صناديق الانتخاب يُجَسِّدُ أمل أمريكا اللاتينية في تغيير الدكتاتوريات التي حكمت القارة، ووصول الاشتراكيين إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع.

وبلغ عدد القتلى الذين خلَّفَهُم الانقلاب العسكري المدعوم أمريكيًّا أكثر من 3 آلاف قتيل إضافةً إلى عشرات الآلاف من المفقودين الذين جرى تعذيبهم.

وكأنما أمريكا اللاتينية هذه الأيام تَرُدُّ الصاع للولايات المتحدة، فعبر الانتخابات الديمقراطية، وليس الانقلابات العسكرية، وصل اليساريون، وجاء حتى العسكريون إلى الحكم، يُخَاطِبُون مشكلات القارة الحقيقية حيث يعيش الغالبية العظمى من السكان تحت حد الفقر.


المسيرة تتواصل

لم تنسَ القارة اللاتينية سلفادور الليندي أبدًا، الامر الذي جعل الفكر اليساري ينتشر ويغزو القارة، فبعد كاسترو جاء الرئيس الفنزويلي تشافيز ورئيس نيكارجوا دانييل أورتيجا ورئيس بوليفيا إيفو موراليس والرئيس الكوبي راءول كاسترو الأخ والرئيس البرازيلي دي سيلفا والرئيس الإكوادوري رافائيل كوريرا.

فهؤلاء القادة يعملون جاهدين على انتشال الملايين من شعوبهم من الفقر، والاستفادة الكاملة من ثروات بلادهم من النفط والغاز، وإنجاز برامج لمحاربة الفقر والإصلاح الاجتماعي والزراعي، ولن يحدث ذلك طالما كانت الولايات المتحدة تعبث باقتصاد تلك البلدان عن طريق شركاتها الاحتكارية.

وقد أضفى انضمام هندوراس إلى بوليفيا وفنزويلا - في تصعيد المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة - على الأمر مزيدًا من السخونة والإثارة، وأعطى دفعةً وثقةً لجبهة التمرد اللاتيني المرشحة للاتساع في المستقبل.

وتسعى دول أمريكا اللاتينية جاهدةً إلى مقاومة النفوذ الأمريكي، وتبحث عن بدائل خارجية تساعدها على تحمل الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية، وفي المقابل لا تترد واشنطن في أن تخفي نيتها في التخلص من هذه الأنظمة اليسارية واقتلاعها من جذورها.


الدور المخابراتي الشرير

أجهزة الاستخبارات الأمريكية كان لها دور أيضًا في تأزيم العلاقات بين واشنطن ودول القارة اللاتينية، فقد كان الجهد الرئيسي لهذه الأجهزة ينصب على تدبير المؤامرات ضد رؤساء الدول الذين لا يرغبون في الدوران في الفلك الأمريكي، وضد القوى الوطنية لتلك البلدان التي لطالما أبقت جذوة ثوراتها مشتعلة على الوجود الأمريكي، وعلى الحكام الذين كانوا يعملون خلف هذا الوجود وإِمْرَتِه.

فقد لجأت الاستخبارات الأمريكية الى كل الوسائل التي تُصَنَّفُ بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب لإحكام سيطرتها، وكان لهذه الأجهزة ذراعٌ يتكون من مرتزقة ومجرمين وقتلة، يُسْتَخْدَمُ للعمليات القذرة التي تخطط لها الوكالات الأمريكية، وكانوا يُسَمَّوْن "فرق الموت".

ولعل بعض رموز هذا الذراع لا زالوا يعملون حتى الآن في الخفاء، وتحت تسميات لمهمات أخرى في إدارة بوش، ومنهم نيغروبونتي الذي كان أنشأ فِرَقًا خاصة للموت بدءًا من السلفادور ووصولًا إلى مختلف أنحاء القارة الجنوبية.

المجزرة التي ارتكبت بحق المزارعين في بوليفيا، وأشعلت نيران الغضب البوليفي، ارتُكِبَتْ بأساليب فرق الموت نفسها حين قام مرتزقةٌ وعددٌ من مسؤولي حكومة إقليم باندو، كانوا يحملون أسلحة حرب، بتنفيذها.

ووقفت الاستخبارات الأمريكية وراء ما حدث في تشيلي حين قُتِلَ الرئيس سلفادور الليندي، ووقفتْ أيضًا خلف عدة محاولات لاغتيال الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، وهنالك اتهامات من الرئيس الفنزويلى هوجو شافيز يؤكد فيها أن الولايات المتحدة الأمريكية خططت لاغتياله، ولا تزال تنتظر الفرصة السانحة، وهنالك ما حدث في بنما ونيكاراغوا وغيرها الكثير.


بين الكاريبي والقوقاز

وتقف روسيا في خضم هذا التصعيد الدبلوماسي والسياسي مراقبةً للأوضاع في القارة الأمريكية، وتأتي خطوة إرسال القاذفات الروسية الى فنزويلا حاملةً الكثير من الدلالات نحو ما قد تؤول إليه الأوضاع هناك، وتقاطع الدور الروسي في القارة اللاتينية مع دور الولايات المتحدة الذي يلقى معارضة شديدة من دول أمريكا الجنوبية.

ولعل ما يجري في أمريكا اللاتينية التي تعتبرها واشنطن الحديقة الخلفية الأميركية ليس بعيدًا عما جرى ويجري في القوقاز وآسيا الوسطى حيث تهب الرياح الغربية الساخنة من أربعٍ من دول المنظومة السوفييتية السابقة، قادت الانتخاباتُ فيها إلى صعود أحزاب ليبرالية موالية للغرب ومناوئة للسياسات الروسية، وتستضيف قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، أبرزها قواعد الدرع الصاروخي الأمريكي، وهي: جورجيا وأوكرانيا وبولندا وتشيكيا فيما يمكن اعتباره الحديقة الخلفية الروسية.

وفيما تستضيف جورجيا قواعد عسكرية أمريكية، وبينما توافدت السفن الحربية الأميركية على البحر الأسود في مواجهة السواحل الروسية، تحركتِ السفن الروسية الحربية والطائرات الاستراتيجية النووية إلى البحر الكاريبي وإلى قواعد في الأراضي الفنزويلية في مواجهة الشواطئ الأميركية، فيما يُعِيدُ إلى الأذهان أجواء أزمة خليج الخنازير.


بارقة أمل في الخلاص

ويرى كثير من الخبراء والساسة والكتاب في العالم الثالث وفي الدول المقهورة أمام الغطرسة الأمريكية أنّ ما حدث مؤخرًا في أمريكا اللاتينية من انتفاضة بعض الدول اللاتينية ضِدَّ منطق الهيمنة الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية الحالية يُشَكِّلُ بارقةَ أمل في نظام عالمي متعدد الأقطاب يحترم إرادة واستقلال الشعوب، فخطوات تشافيز وأقرانه اللاتين ضد واشنطن تبشر بزوال عصر الظلم الأمريكي، فقد جاء طرد فنزويلا للسفير الأمريكي وتهديدها بوقف إمدادات النفط إلى الولايات عملًا له وَقْعٌ إيجابي، لامَسَ أماني المشتاقين إلى الانعتاق من الاستبداد الأمريكي، وشجع الساعين الى استقلال بلادهم وتحرير إرادة شعوبهم.

ويُعْتَقَدُ أنه سيكون من شأن هذا التحرك تعزيز حالات الخروج عن الطاعة الأمريكية التي تقود العالم بعنجهية إلى الهاوية، وتفتقد إلى معاني الحس الإنساني النبيل.

وتُشَكِّلُ هذه الخطوات بارقة أمل في نظام عالمي متعدد الأقطاب، تُحْتَرَمُ فيه إرادة الدول ومصالحها، وتنتهي فيها التبعية والإلحاق الناشئ عن رعب القوة.

ويرى الخبراء أن بعض الأنظمة السياسية وصلت إلى مستوى من الضعف أمام الجبروت الأمريكي، جعلها تعجز عن حماية مواطنيها وتأمين المصالح الدنيا لشعوبها، وبات السفراء الأمريكان مندوبين ساميِّين في شكل مقيتٍ لاستعمار إرادة الجماهير المقهورة!.


الاسلام اليوم

أضف تعليق