المشهد العراقي الاخير!!.. محمد كعوش
عندما حلقت الطائرة في اجواء بغداد حاملة الجنرال بترايوس بعد انتهاء مهمته في قيادة قوات الاحتلال, لا بد انه نظر الى المدينة من علو شاهق فيما تداعب مخيلته المتلبدة مثل غيمة مضطربة سوداء افكاراً مرتعشة تعاني من فوضى في ترتيب أولوياتها حول مصير هذه الجيوش التي لم تحقق النصر, والهدف من استمرار وجودها مع تعاظم الكراهية والمقاومة وارتفاع الاصوات بضرورة الانسحاب الفوري, حتى من الاحزاب والمليشيات التي احتمت بالاحتلال ونشأت تحت عباءته, وقاتلت بسلاحه.
وعندما القى الجنرال بترايوس نظراته الاخيرة على المدينة من فوق رأى النخيل ودجلة واحياء بغداد, ورأى امتداد العراق حتى الافق, ولكن النظر من فوق »من الاجواء« ليس مثل العيش تحت »على الارض«, فهو يعرف ان الأمور مختلفة تماماً إذ إن عدة محافظات باكملها ظلت مناطق خارج السيطرة, وهو الذي قال عشية رحيله انه »تم احراز بعض التقدم ولكن النصر لم يتحقق «!!.
وان أطال الجنرال النظر اكثر, واطلق العنان لذاكرته وافكاره وضميره, سيعترف بانه في وقت ما, ترك العراق وفيه مليون شهيد وضحية, و 4 ملايين مهاجر, ومليوني ارملة و 4 ملايين امرأة أمية, ومئات الالاف من المعتقلين, ومثلهم من المهجرين والجوعى والفقراء من الذين ظلوا داخل بلاد الرافدين, وهذا نتيجة ثمرة الاحتلال, إضافة الى مليارات الدولارات المنهوبة من تهريب النفط وسرقة الثروات...
صحيح ان وزير الدفاع روبرت غيتس قد صرح مؤخراً ان بلاده وصلت الى نهاية اللعبة في العراق, ولكن أي عراق, فالجنرال يعلم ان هناك صراعاً طائفياً وآخر عرقياً, وان الولايات المتحدة قد اعدت المسرح لاقتتال داخلي, بداية بتحريض ودعم وتسليح المليشيات وحمايتها واطلاقها في عمليات انتقامية طائفية وتصفية حسابات سياسية, ثم بتقديم السلاح والاموال لشيوخ العشائر الذين لجأوا الى تشكيل مليشيات »الصحوة« لحماية مدنهم وقراهم وبيوتهم واعراضهم والتصدي للمليشيات الطائفية المدعومة من الامريكيين والايرانيين معاً, من جهة, والتصدي للمقاومة تحت شعار محاربة »القاعدة« من جهة ثانية, وهو السبب المباشر في انخفاض عدد العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال...
والآن نرى العراق وقد اصبح جاهزاً للاقتتال الاهلي, وقد يكون الصراع الداخلي متعدد الوجوه والاشكال والاهداف فهناك صراع عربي - ايراني, وهناك صراع عربي - كردي, ونحن نرى ان الأكراد يستعدون للانفصال بعدما اخذوا حصة الاسد من العراق في شماله وكذلك حكمه المركزي, وبعدما لجأوا الى الابتزاز بسبب الروح الانتقامية التي طغت على سلوك المليشيات الطائفية التي كانت بحاجة الى حماية امريكية من جهة, والى التحالف مع الاكراد, من جهة اخرى, ولكن الآن وبعدما بالغ الاكراد في مطالبهم ودلالهم وتحكمهم بقواعد اللعبة, ارتد السحر على الساحر وبدأ الصراع يأخذ شكلاً آخر, وما نخشاه, في نهاية الشوط, وبعدما حان أجل الاحتلال واقتربت ساعة الانسحاب ان يتم تقسيم العراق ارضاً وشعباً بدعم ومساعدة امريكية...
الولايات المتحدة, بعد خسائرها المادية والعسكرية والبشرية لم تعد قادرة على البقاء في العراق, خصوصاً بعد الاضطرابات التي حدثت في نظامها المالي والاقتصادي, وانفاق مليارات الدولارات في عملية انقاذ الاقتصاد الذي اقترب من حافة الانهيار... وهذا الواقع الجديد قد يشجع الاكراد على الانفصال, كما يشجع ايران على الاستعداد لخطوات ما بعد الانسحاب, والنوايا الايرانية قد تفتح نار جهنم مجدداً في العراق وما حوله هذه المرة...
المقال يعبر عن رأي كاتبه
أ
المشهد العراقي الاخير!!.. محمد كعوش
