\"الله أكبر الله أكبر.. لقد أعماهم الله، فلم يروا إبِرَ ضرب النار في بنادق خالد الإسلامبولي وإخوانه\"!!.
هكذا كان لسان حالهم وهم يهنئون بعضهم بعضًا بعد أشهر من عملية اغتيال سياسي خلال الثلاثين عامًا الأخيرة ظانين أنهم قد خَلَّصوا البلاد والعباد من شر الرئيس السادات، فيما كان المحققون والخبراء والمحللون يتجادلون حول الكيفية التي مرت بها هذه الحيلة على عدة مستويات من التفتيش، وتحدث بعضهم عن جهات خارجية ودولٍ لها مصلحة في تغييب الرئيس السادات وراء العملية بكل ترتيباتها المعقدة.
وبعد عشرين عامًا ظل الجدل محتدمًا عن الكيفية التي تمت بها صواعق 11 سبتمبر التي اعتُبرت الحدثَ الأهم في العالم خلال السنوات العشر الماضية.
ومن اليوم الأول أبدى الرئيس المصري حسني مبارك استغرابَه الشديد من كيفية حدوثها على هذا النحو المعلن، وهو الطيار العسكري السابق، وتوالت من بعده الأنباء تترى باستحالة حصول هذه التفجيرات على هذا النحو الدراماتيكي.
وتلَّخَصت الاعتراضات على الرواية الأصلية عند استحالة الطيران المدني بهذا العلو المنخفض وسط ناطحات السحاب العملاقة والكثيفة في مدينةٍ مثل نيويورك أو حتى واشنطن، ونجاح هواةٍ في قيادة الطائرات بشكلٍ يتَعَذَّر على المحترفين الحاذقين تحقيقه في هذه الغابة الفولاذية الشاهقة.
توقف الخبراء المعماريون أكثرَ عند النقطة المثالية التي ضُرب فيها برجَا التجارة العالمي، وتحدثوا عن أنها لو كانت أسفلَ من ذلك لحالت سماكة الفولاذ دون تحطيم البرج، ولو ارتفعت لَمَا سببت الكتلة المنهارة عاليه في تحطيم ما هو أسفل منها، وبالتالي فالنقطة كانت مثاليةً لحدٍّ بعيد، ولعل الذين أطربهم مشهدُ السقوط اعتبروها "كرامةً إلهية"، وشكروا الله أن "سدد رميهم"..!
صحيحٌ أن الله قادرٌ على كل شيء، وأن ما رأيناه لم يكن صورةً مركبة، وإنما حقيقة واقعية، ولكن أكان بالفعل "رميهم"؟!!
لدى كثير من الخبراء العرب وحتى لدى العلماء المسلمين ريبةٌ في الجهة المنفذة دون أن يُولوا تبني هذه الجهة أو تلك للعملية اكتراثًا كثيرًا لاعتبارهم أن هناك فاصلًا صفيقًا بين الجهة المنفذة والأدوات.
وقد جمع د. زغلول النجار الأكاديمي المصري المعروف تعليقات 180 كاتبًا كبيرًا تُؤَكِّد بما لا يدع مجالًا للشك أن المخابرات الأمريكية و"الإسرائيلية" هي التي تقف وراء هذه الحادثة، على حد قوله، في كتابه: (قارعة سبتمبر)، واستدل بما حصل في خمسينيات القرن الماضي حينما عرضت المخابرات الأمريكية على الرئيس كينيدي أن يتم ضرب عِدَّة مبانٍ في لوس أنجلوس، ويتهم فيها كوبا، لكنّ كينيدي رفض حينما علم أن عدد الضحايا ربما يتجاوز الألف شخص، الفكرة نفسها حدثت عام 2001، لكن هذه المرة وافق الرئيس بوش، وتم ضرب البرجين ليتم تبرير إقامة حرب لا نهاية لها على العالم الإسلامي تحت دعاوى الرد على ما حدث والانتقام ممن فعلوها.
اللافت للنظر أنّ أقل الناس ثقةً في قدرة مفجرين عرب على تفجير هذه الأحداث كان العرب أنفسهم، والأشد غرابةً هو أن معظم العلماء المسلمين كانوا في شك كبير من وقوف نشطاء مسلمين خلفها من ألفها إلى يائها.
والمثير هو أن مُنَظِّرًا ومُفَكِّرًا مكينًا عند جماعات السلاح التي ترفع شعارات إسلامية بحجم محمد قطب (شقيق المفكر سيد قطب الذي يعد المرجع الأكثر احترامًا لدى هذه الجماعات) قال بالحرف الواحد: ظني أن أحداث سبتمبر من تخطيط اليهود، فهم المستفيدون منها، وهناك الكثير من الشواهد على ذلك، وهم يحاولون توظيفها ضد العالم الإسلامي والعربي. [في حوار مع موقع الشبكة الإسلامية الرسمي القطري 20/7/2002].
والثابت الآن أن تنظيم القاعدة الذي أعلن مسؤوليته متأخرًا عن العملية لم ينفذ أية عملية على هذا النحو من القوة والجرأة لا قبل 11 سبتمبر ولا بعدها، وهذا بحدِّ ذاته مشكِّكٌ في قدرته على تكرارها سواء ادعى أنه كان أقوى منه قبلها أم بعدها، بل الآخذ بتلابيب الفكرة أكثر أنّ أكثر العمليات السابقة والتالية تأثيرًا كانت تصول حولها الشكوك وتجول، ولم تكن سُلَّمًا لهذا التنظيم أو ذاك، وكانت عدة أطراف دولية تجد نفسها مستفيدةً بقوة منها، فإذا كانت هذه الجهة نفذت هذه العمليات، فهل أفادت منها قوة وتكتيكًا وقدرة على التكرار أم انها قد أصابتها بوعكة تنظيمية؟!.
على كل حال فما أصاب تنظيم القاعدة أو أفاده إعلاميًّا ليس هو محور اهتمام المراقبين بقدر ما هو التأثير السياسي والاقتصادي على العالم وتداعيات تلك الحادثة التي أدت إلى ارتفاعٍ في أسعار النفط التي تشارك الولايات المتحدة بقسط وافرٍ في جَنْيِ أرباحها عبر شركاتها العملاقة، وفي التمركز في العراق وأفغانستان - بما لذلك من فوائد جيوستراتيجية هائلة - على أرضية مكافحة الإرهاب الذي ضرب أمريكا في سويداء القلب، وكان لسياستها الخارجية في الوقت نفسه ترياقًا وبلسمًا!.
لكن الذي يتأرجح بين المعقول وغير المعقول والواقعي والسريالي هو تلك الخطوط التي وُضِعَتْ بعناية لحياكة مستقبل العالم بعد أحداث سبتمبر، وهي تلك الأصوات التي صدحت بـ"نظرية المؤامرة" حول هذه الأحداث كونها تساوقت مع طموحات الولايات المتحدة الأمريكية في تغيير خارطة العالم.
فمثلًا نحن أمام حزمة من الحقائق تقول الآن: إن منظمةً قالت هي - والولايات المتحدة من قبلها - إنها نفذت صواعق سبتمبر، وان هذه الأخيرة وَضَعَتْ زعيم القاعدة على رأس المطلوبين لديها، ونفذت عدة عمليات بغيةَ القبض عليه أو قتله، لكنها فترت لسنوات طويلة أو لم نسمع لها رِكْزًا من بعد في ملاحقته!.
أيضًا لدينا حقيقة تقول: إن التقارير في تلك المرة بالذات من ذكريات سبتمبر السنوية تُثَارُ بقوة لافتة حول احتمال ضلوع الولايات المتحدة أو "إسرائيل" في الأحداث، وتتنوع تلك التقارير ما بين التناول الدولي الإعلامي لِكِتَاب (الحادي عشر من سبتمبر والإمبراطورية الأميركية) الذي لم يستبعد فيه مؤلفاه ديفيد راي غريفين وبيتر ديل سكوت أن تكون الرواية الرسمية حول 11 هي في حد ذاتها نظرية للمؤامرة، وينقلان فيه عن عدد من الخبراء الأمريكيين أقوالًا تُعَضِّدُ ما ذَهَبا إليه، ومنها ما قاله مورغان رينولدز الأستاذ بجامعة تكساس والعضو السابق بإدارة بوش الذي قال: (إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت عمليةً زائفةً.. أكذوبةً كبيرةً، لها علاقةٌ بمشروع الحكومة الأميركية للهيمنة على العالم). وما شدّد عليه أستاذ القانون رئيس مؤسسة سلام العصر النووي ريشارد فوولك على أن (إدارة بوش يحتمل أن تكون: إمّا انها سمحت بحدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وإما انها تآمرت لتنفيذها لتسهيل ذلك المشروع)، وما أكّده أستاذ الفلسفة جون ماكمورتري من أنّ (زيف الرواية الرسمية جَلِيٌّ لا شك فيه).
وما بين هذا الاستطلاع الدولي الذي أجرته (شبكة وورلد بابليك أوبينيون) في 17 بلدًا، وكشَفَ بجلاء عن أنّ نسبةً لا بأسَ بها من سكان العالم لا تثق في الرواية الرسمية الأمريكية، ومنهم على سبيل المثال: المصريون الذين ألقى 43% منهم - وهي أعلى نسبة في العالم رغم كون قائد كوماندوز سبتمبر/ محمد عطا مصري الجنسية - باللائمة في التفجيرات على "إسرائيل"، في حين كان الأوروبيون الأقلَّ حماسةً على اتهام القاعدة من الأفارقة، (وهو ما يُرَشَّحُ منه تأثير الإعلام على كلٍّ من سكان القارتين)، وأنّ واحدًا من كل سبعة من الشريحة المستهدفة بالاستطلاع في تلك الدول جميعها يُحَمِّلُ الولايات المتحدة نفسها المسؤولية عنها، وهي نسبةٌ ليست هينةً على كل حال.. إضافةً إلى العديد من التقارير المتناثرة هنا وهناك هذه المرة بالذات.
غير أنّ كل هذا - إن كان يفضي إلى الاعتقاد بأن 11 سبتمبر لم تكن إلا وهمًا بلعناه - فإن هذه التقارير والاستطلاعات الآنفة الذكر ليست بدورها بريئةً.. بمعنى أنه إن كان الظن يتنامى حول ضلوع جهةٍ ما في الأحداث مع الأيام، وإن كان ثمة من فتح شهيتنا للاسترسال معه في "نظرية المؤامرة"، فلماذا يكبحها إذن أنْ تدعونا للتساؤل أيضًا عن توقيت نشر هذه التقارير؟.
لا أعني بالطبع توقيتها في سبتمبر، فالذكرى قد حَلَّتْ، ومن الطبيعي مواكبتها بتحليلاتٍ كهذه، ولا أيضًا لأن الاهتمام زاد هذه المرة مع مغادرة بوش للبيت الأبيض وبقاء ابن لادن في كهفه، وإنما لأنّ البيت الأبيض لن يُصْبِح خاويًا بعد شهرين أو ثلاثة، وثمة من يَعْنِيه هذا القادم إلى المكتب البيضاوي الذي سترسم ملامحه من خلال ذلك الإعلام الذي يصنع القادة كما يصنع سبتمبر..
وقد تكون لهذه التقارير الأخيرة فِعْلٌ كالذي أحدثه ظهور ابن لادن على شاشات التلفزيون قبل حسم الانتخابات الرئاسية السابقة بيوم واحد.. وإنا على انتظار!.
الاسلام اليوم
أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. الوهم الذي عشناه.. أمير سعيد
