بعد خمس سنوات ونيف من الاحتلال الغاشم الذي ما زال جاثما على صدور العراقيين تغيرت معالم رمضان في بغداد التي كانت تعج بالحيوية والإيمان والطاعة في هذا الشهر المبارك
فكان ابن بغداد وهو يتنقل بين مساجدها الممتلئة بروادها والدروس والمسابقات الدينية وتوزيع الجوائز الرمضانية ليسمع أصوات المصلين تصدح بتكبيرات صلوات التراويح .
واليوم تتنقل بين شوارع بغداد تجد الإفطار العلني بالشوارع وعدم احترام شعائر هذا الشهر الفضيل وكثير من المساجد بين مغلق أو تم اغتصابه من قبل المليشيات أو تم حرقه بعد ان هجر أهل الحي الموجود فيه داخل العراق او خارجه .
وفي العراق اليوم هناك خمسة ملايين يتيم وتسعمائة إلف أرملة استنادا على أخر إحصائية لمفوضية الأمم المتحدة والكثير من هؤلاء لا يجدون لقمة العيش أو ابسط مقومات الحياة ومع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير يفوق السنوات السابقة لا يجد العراقي اليوم في بيته ماءا باردا لكي يتمكن من الإفطار أو التسحر عليه بسبب انقطاع الماء والكهرباء الدائم الذي لا يأتي سوى ساعة نهارا وأخرى ليلا وقد اعتاد المواطن العراقي أن يفطر او يتسحر على أضواء الشموع.
كما اصبحت الزيارات العائلية في هذا الشهر الكريم صعبة للغاية لصعوبة التنقل بين مناطق بغداد وما كان يستغرق ربع ساعة للوصول إلى بيت الأقارب والعائلة قد لا تصله الان إلا بساعة ونصف أو أكثر ثم انك بعد الإفطار لا يمكنك الرجوع الى دارك بسبب سريان حظر التجوال في شوارع بغداد ما يضطر الزائر للبقاء عند الأقارب حتى الصباح.
وجراء وجود 100 ألف معتقل او اكثر في سجون قوات الاحتلال الأمريكية او سجون وزارة الداخلية الحالية تجد إن الكثير من العوائل العراقية يختلط دمعها وألمها مع الماء الذي تفطر عليه ولذا تجد وقت الإفطار ترتفع الدعوات لرب العباد أن يفرج هذه المحنة عن المعتقلين وان يفك أسرهم وان يعودوا إلى عوائلهم وذويهم وأهلهم, ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فكثير من العراقيين وهم على مائدة الإفطار قد يتعرضون لمداهمة قوات الاحتلال ليصار بعده إلى اعتقال الرجال الموجودين في الدار سواء صاحب الدار او الضيوف الموجودين عنده في ذلك الوقت .
وبالرغم من استمرار الألم والمرارة التي تعصف بأرض السواد فان الكثير من أبناء العراق حريصين على طاعة الله والتمسك بشعائر هذا الشهر الكريم من الصيام والقيام سواء في المساجد او في البيوت كما يحرصون على الذهاب إلى المساجد لأداء صلاة التراويح رغم المخاطر الامنية .
وفي هذا الشهر المبارك يبادر الكثير من أهل الخير في العراق بشكل فردي أو بالتعاون مع بعض الجمعيات الخاصة إلى تقديم المساعدات المادية أو الغذائية أو كلاهما معا إلى العوائل المتعففة والأرامل والأيتام وعوائل المفقودين والشهداء والمعتقلين للتخفيف بعض الشئ من كاهل العائلة العراقية المنكوبة إضافة إلى إشعار تلك الأسر والأيتام أن هناك من يشاركهم آلامهم ومناسباتهم ويشعر بهم ويحاول أيضا تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي الذي هو غاية أساسية من غايات هذا الشهر الفضيل .
وخلاصة لما تقدم يمكن القول انه بالرغم من كل ما يحدث في العراق بصورة عامة وبغداد على وجه الخصوص من مأسي والام يبقى ابناء هذا البلد الجريح يرفعون اكف الضراعة وقلوبهم تلهج بالدعاء سائلة الله العلي القدير ان ترفع هذه الغمة عن هذه الامة وان ينعم الله عز وجل على العراق وعلى سائر بلاد الإسلام بالأمن والأمان وطاعة الرحمن والتزام الإيمان طريقا ومنهجا حتى تعود بغداد كما قيل عنها قديما بانها الدنيا .. وهنا نستذكر ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله يوما لاحد تلاميذه عندما سأله هل زرت بغداد ؟ فأجابه تلميذه قائلا: لا, فقال له : وكأنك لم ترى الدنيا قط .
الهيئة نت
ح
رمضان في بغداد بين الامس واليوم بعد ابتلاء العراق بالاحتلال البغيض
