هيئة علماء المسلمين في العراق

7 سنوات على أحداث سبتمبر.. هل تعيد روسيا التوازن؟.. عاصم السيد
7 سنوات على أحداث سبتمبر.. هل تعيد روسيا التوازن؟.. عاصم السيد 7 سنوات على أحداث سبتمبر.. هل تعيد روسيا التوازن؟.. عاصم السيد

7 سنوات على أحداث سبتمبر.. هل تعيد روسيا التوازن؟.. عاصم السيد

تحل هذه الأيام الذكرى السنوية السابعة لأحداث 11 سبتمبر 2001 التي غيرت العالم، واستفزت كوامن العدوان والغطرسة الأمريكية التي انطلقت بلا حدود تدمر دولًا ومجتمعات، وتقتل وتشرد الآمنين، مغلفةً برؤى وعقائد وتصورات وسياسات اليمين الأمريكي المتطرف بقيادة بوش وتشيني ورامسفيلد ورايس وبقية الزمرة. وإذا كانت خطط اليمين الأمريكي المتطرف قد أرادت استغلال تلك الأحداث من أجل تحقيق أحلام الامبراطورية الأمريكية، فربما تحقق بعض ذلك، ولكن المحصلة النهائية هي أن أمريكا أخافت العالم وأفزعته، ونشرت فيه الخراب والدمار والمعتقلات، وانتهكت حقوق الإنسان، بل حقوق الإنسان الأمريكي نفسه، ولم تتمكن من تحقيق الأحلام الامبراطورية.

فالواقع يؤكد فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها، وأنّ الحرب على ما يسمى "الإرهاب" قد فشلت؛ لأنها قامت على أساس وهمي غير واقعي.

وإذا كان هناك خطرٌ قد تعرضت له الدولة الأمريكية فإنه كان يمكن مواجهته بالحل السياسي وَفْقَ القانون الدولي وعن طريق المنظمات الدولية.


ظهور كوابح دولية لأمريكا

الذكرى السابعة تأتي وسط بصيص من أمل في إمكانية ظهور كوابح دولية على الإرادة الأمريكية تَحُدُّ من تسلطها وانفرادها بالعالم خاصةً بعد أن حدثت تغيراتٌ دولية كثيرة، فلا نحن - العرب والمسلمون اليوم هم أنفسهم العرب والمسلمون عام 2001 - ولا الولايات المتحدة هي الولايات المتحدة، ولا إدارة بوش هي الإدارة نفسها.

وإذا كانت الجغرافيا العربية والإسلامية التي تَحَمَّلَتْ جنون اليمين الأمريكي المتطرف قد تغيرت بقسوة، فتم احتلال بَلَدَيْنِ إسلاميين (أفغانستان والعراق) في أقلَّ من عامين، فوقعا تحت الاحتلال غير الأخلاقي، وتعَرَّضا للانتقام الأمريكي حيث ارتكب الأمريكان المخازي من مذابح أفغانستان وفضائح أبو غريب وممارسات مشينة في معسكر جوانتانامو.

إذا كان ذلك قد تحقق فإن المقاومة العراقية نجحت - وهي تخوض المعركة الأعظم على المستوى الاستراتيجي والوطني المقاوم - في جر أمريكا إلى مستنقع مُمِيت، أهم سماته الاستنزاف المستمر لقدراتها المادية والنفسية، وجعلها عاجزةً عن الانتصار أو خوض حروب جديدة، وكان ذلك النجاح هو السبب الأساسي في إيقاف تعاقب المخطط الأمريكي في الوطن العربي لتكون سوريا وبقية أقطار الوطن العربي الأهداف القادمة لحروب أمريكا.


هل تكون حرب القوقاز البداية؟

التغير الأكبر الذي حدث هو التراجع والترنح الأمريكي، وحرب القوقاز خيرُ دليل على ذلك، فلقد اصطدمت المصالح الأمريكية بالقوقاز، فمَنْ ضرب جورجيا هو مَنْ خطط للعدوان "الإسرائيلي" على لبنان منذ سنتين، وهو من كان يُدَرِّب القوات الخاصة الجورجية التي دخلت إلى أوسيتيا الجنوبية.

الاستخبارات المركزية الأمريكية زودت الجورجيين بأخبار مزيفة مثلما قالوا عن الأسلحة النووية في العراق!، ودفعوا الجيش الجورجي إلى غزو أوسيتيا؛ لأن روسيا أحبطت المشروع الأمريكي لانضمام جورجيا إلى حلف الأطلسي بسرعة وإنشاء محطات مراقبة الصواريخ.

بدأت أمريكا حربها على روسيا بتطويق روسيا بحلف الناتو وإدخال دول الكتلة الشرقية السابقة إلى الاتحاد الأوروبي ثم تمزيق يوغسلافيا، فهذه الحرب كانت حربًا حقيقية على روسيا ولا سيما مع بدء العمل لضم أوكرانيا وجورجيا إلى حلف الأطلسي، وهو حلف عسكري.

وكان العدوان الأمريكي الأكبر هو زرع الصواريخ والرادارات، وكان هذا مُوَجَّهًا ضد روسيا أيضًا؛ لأن أمريكا قد اتخذت القرار بنقل المعركة إلى أوروبا.

وقد وضعت روسيا أمريكا أمام خيارين: فإما أن تُقِرَّ أمريكا بأن روسيا عادت دولةً كبرى لها حدودها وخطوطها الحمراء، وتتفاهم معها على هذا الأساس أو تحاول لَيّ ذراعها، وتبدأ بالتأزيم معها، وواشنطن من الناحية العسكرية غير قادرة على التأزيم مع روسيا، فالتأزيم لن يحل مشكلة الأساطيل المتواجهة في البحر الأسود.

لقد بدأت روسيا تستفيق من صدمة انهيار الاتحاد السوفييتي، وتتعافى من الشعور بالهزيمة القاسية في الحرب الباردة أمام الولايات المتحدة ومعسكرها الغربي. وأشعل هذه الاستفاقة الاندفاع الأمريكي الشَّرِه للإطباق على ما تبقى من مركزِ نفوذٍ لروسيا في العالم، بل إلى مَدِّ اليد إلى الفناء الخلفي الأقرب للروس وتهديد أمنهم القومي من أقرب نقطة جغرافية على الحدود.


أسباب الاستفاقة الروسية

وإذا كانت روسيا قد خسرت نفوذها العالمي وهيبتها الاستراتيجية في عهد جورباتشوف، فانسحبت كسيرةً من شرق أوروبا إلى حدودها القومية، وخسرت استقلال قرارها القومي وكرامتها السياسية في عهد بوريس يلتسين، وباتت تحت رحمة إملاءات الغرب وشروطه التعجيزية، فإنها استفاقت حينما شاهدت منطقة نفوذها السابق في شَرْقِ أوروبا تنتقل اقتصاديًّا إلى غرب أوروبا، وعسكريًّا إلى النفوذ الأمريكي، وحينما شاهدت تمدد حلف شمال الأطلسي شرقًا ليقضم دُوَلًا على حدودها، ويدمجها في منظومته، ويسعى إلى استكمال التمدد في أوكرانيا وجورجيا، وتكرس هذا الوضع بقيام سلطة موالية لواشنطن في البلدين، وها هو نشر الدرع الصاروخية في بولندا - وغدًا في تشيكيا - يمعن في التطويق والتهديد بإطاحة روسيا، كل ذلك دفع روسيا إلى الانتقال من التردد إلى الرَّدّ!.

صحوة روسيا السياسية في مواجهة السياسة الأمريكية استفادت أيضًا من ارتفاع أسعار الطاقة في السوق العالمية اذ إن روسيا من المنتجين الكبار لها وخصوصًا الغاز، وما دَرَّه عليها ذلك الارتفاع من موارد مالية ضخمة ساعدتها على تخطي حالة الانهيار الاقتصادي والإفلاس التام التي أوجدتها حقبة يلتسين.


الفضل لتعافي الاقتصاد الروسي

كما أنه لولا تعافي الاقتصاد الروسي لما كان في وُسْعِ روسيا أن تتحرر من القيود والابتزازات والإملاءات السياسية الغربية المهينة لكرامتها القومية والعابثة بقرارها السياسي.

الاقتصاد الروسي تغير من الاعتماد على بيع السلاح فقط إلى اقتصاد النفط، وهو ما عمل على رفع مكانة روسيا دوليًّا، وأصبح لديها الآن اقتصاد قوي تستطيع الاعتماد عليه إضافة إلى أنها استطاعت أن توجد لنفسها مؤيدين على مستوى العالم.

هذا بالطبع غير موقف أقاليم أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المتضامنين معها، وما يصحب ذلك من تراجع الدور الأمريكي بعد حربي العراق وأفغانستان، والضرر البالغ الواقع على الاقتصاد الأمريكي.

كل هذه أمورٌ تقول: إن روسيا - إن ساعدتها الظروف - ستعود للواجهة الدولية بقوة، وتستطيع حينئذ أن تنافس الولايات المتحدة اقتصاديًّا وسياسيًّا.

ميدفيديف وبوتين أدركا أن الولايات المتحدة لا تقوى على الرد على ما سيفعلانه في جورجيا، بل هي أعجز حتى عن التفكير في الرد، وأدركا أنه كلما أمكن فَضْح عجزها أمام العالم كان ذلك مفيدًا في تشجيع المتضررين منها على الرد.

فقد خرجت مهزومةً من لبنان مرتين: في صيف العام 2006 ثم في ربيع العام 2008 حين فرضت المعارضة اللبنانية وسوريا شروطَهما في اتفاق الدوحة، وطُوِيَتْ حقبة الإدارة الأمريكية للشأن اللبناني، ثم إن أمريكا غارقة في مستنقع العراق وأفغانستان، وتتعرض فيهما لنزيف بشري واقتصادي غير مسبوق منذ حربها في فيتنام، وهي تقف عاجزةً أمام إيران وبرنامجها النووي، فلا تستطيع الرد.

كما أن روسيا بمقدورها أن تقوم بالرد على أمريكا عن طريق تقديم الدعم لحركة طالبان، وهو ما يمكن أن يكون له بصمة على عمليات المقاومة في أفغانستان في الفترة المقبلة لا سيما وأن الولايات المتحدة سبق ان دعمت المقاومة الشيشانية والأفغانية نكايةً في الاتحاد السوفييتي مما كان له دور في إسقاط الاتحاد السوفييتي السابق.


أمريكا اللاتينية المناوئة

مواقف دول أمريكا اللاتينية تستحق التوقف، فنيكارغوا أعلن رئيسها دانيال أورتيغا اعتراف بلاده باستقلال أوسيتيا الجنوبية.

وأعلن راؤول كاسترو رئيس كوبا موقِفَهُ المؤيد للموقف الروسي، وقال: إن الحديث عن أن جورجيا تدافع عن سيادتها الوطنية هو تأكيد عارٍ عن الصحة، وأنها دولة معتدية، مضيفًا أن مطالبة الغزاة الجورجيين بالانسحاب المسبق هو مَطْلَبٌ محق.

وذهبت فنزويلا إلى أبعد من ذلك، فأعلنت أن عدة سفن روسية وألف جندي سيشاركون في مناورات بحرية مشتركة مع روسيا في بحر الكاريبي.

والرئيس البوليفي إيفو موراليس هو الآخر قام بزيارة وجولة في دولٍ كلها تُسَبِّبُ نوعًا من الصداع للولايات المتحدة من إيران إلى ليبيا في هذا الوقت بالذات.

ولربما تتلاقى أوروبا مع المطلب الروسي الداعي إلى ضرورة إقامة نظام أمني يَضَعُ حَدًّا لمركزية حلف الأطلسي، وهذا في حد ذاته قد يُبْطِلُ الهيمنة الأمريكية على الحلف الذي يشارك القوات الأمريكية حربَها على "الإرهاب" في أفغانستان، وهي حربٌ فاشلة لم تنجح واشنطن في تحقيق مراميها حتى الآن.

لقد أرسلت روسيا في أزمة القوقاز رسالة مهمة إلى كُلٍّ من أوروبا والمجتمع الدولي مفادها أنه ليس معقولًا أن يدار العالم بالطريقة التي تراها الولايات المتحدة.

أمريكا وأوروبا معًا لا يستطيعان الانفصال عن روسيا وقطع العلاقات معها، فموسكو تُمَثِّل ورقة قوية للغاية لا يُسْتَغْنَى عنها في مسألة الملف النووي الإيراني، أما إذا جاء الدور على النفط فستكون أوروبا بالتأكيد هي الخاسرة في ضوء تهديد فلاديمير بوتين رئيس الوزراء الروسي بأن بلاده تعتزم الاتجاه بنفطها وغازها إلى الشرق الأقصى.


الاسلام اليوم

أضف تعليق