لم يكن الكاتب الأمريكي توماس فريدمان يهزل عندما كتب يقول إن السؤال الذي كان يشغله بعيد وقوع أحداث11 سبتمبر في عام2001 كان هو التالي: لماذا يكره العالم الإسلامي أمريكا؟
أما اليوم فالسؤال أصبح أكثر اتساعا وشمولا وهو: لماذا يكره العالم أمريكا؟ والحق أن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش استطاع ـ بسياساته التي جلبت الخراب والدمار في أماكن كثيرة في العالم ـ أن يجعل كلمة( كريه) مرادفا للشخص الأمريكي, فإذا قيل إن شخصا ما( كريه) فالمعني المقصود هو الشخص الأمريكي وبالعكس.. وللانصاف سوف يذكر تاريخ أمريكا أن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش هي أكثر الادارات الأمريكية فشلا وجلبا للعار لأمريكا وشعبها.. فاستراتيجية مكافحة الإرهاب التي بني عليها كل سياساته داخل أمريكا وخارجها وكانت الموتور الذي يتحكم في توجهاته تجاه هذه المنطقة أو تلك في العالم, فتحت باب جهنم, علي حد تعبير الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك, ولم تجعل العالم أكثر أمانا كما كان يزعم,
وانما أطلقت( العنف) من عقاله, وامتلأ العالم بأحداث القتل, والارهاب.. وسقط الضحايا بالآلاف من العراق وفلسطين ولبنان وباكستان وأفغانستان واندونيسيا والقوقاز..
وأصبحت الفوضي هي عنوان مرحلته بغض النظر عن كونها بناءة أو هدامة فما تلك المسميات سوي محاولة لتجميل القبيح..
واذا تذكرنا أن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش قد برعت في أحاديث( الإفك) لأدركنا علي الفور أننا أمام( عصابة) خطفت السياسة الأمريكية لنحو ثماني سنوات لحسابها الخاص, واشاعت الخوف والفزع في أركان الدنيا الأربعة.. واعتمدت علي الأكاذيب التي تروجها الميديا الأمريكية( والمتأمركة) علي السواء.. لكن خانها ذكاؤها, لأن الأسئلة ظلت تدور في ضمير الشعوب تبحث عن أسلحة الدمار الشامل التي( قيل) إن العراق كان يمتلكها, وعن المفاعل النووي الذي قيل إن سوريا قد اخفته في صحرائها, وعن الديمقراطية التي زعموا أنها ستجعل من العراق( والمشرق العربي) واحة غناء تصدح فيها الحرية بكل اللغات..
وتبحث أيضا عن( الشراكات) التجارية( الثرية) التي ستملأ العالم العربي( عدلا) بعد أن كان امتلأ( جورا وظلما), وعن البطالة التي ستنحسر, والجهالة التي تنخر كالسوس في عظام شعوبنا, وسوف تتبخر أمام المنح والهبات والاعانات الأمريكية.
.وعن حقوق الإنسان التي تنتهكها جيوش أمريكا( عيانا جهارا) في افغانستان, وباكستان وجوانتانامو, وسجن أبوغريب.. ثم تدعي الإدارة الأمريكية بأنها حامية حمي الشعوب, وراعية حقوق الإنسان, ورافعة شعارات الحرية, والإخاء, والمساواة بين البشر.. لقد افتضح أمر كل هذا الزيف الذي كان أشبه بالضجيج الذي تصم به أمريكا الآذان وتجعل الألسن تلهج به وكأنه التعويذات..
ثم كانت الفضيحة الكبري عندما اعترف الأمريكان بقتل عشرات من المدنيين في أفغانستان, وقررت أن تدفع تعويضا قيمته مائتا دولار عن كل شخص, بينما فرضت علي ليبيا أن تدفع عشرة ملايين دولار عن كل شخص أمريكي راح ضحية عملية لوكيربي..
بهذا المعيار المزدوج والفاضح حكمت أمريكا العالم طوال ثماني سنوات تربع فيها جورج دبليو بوش علي المقعد الوثير في البيت الأبيض.. وغاب عن باله أن الحكام في العالم, وإن اضطرتهم أوضاعهم غير المريحة في أحايين كثيرة الي السكوت علي مضض, فإن ذاكرة الشعوب لن تنسي ولن تصمت وسوف تأتي لحظة المحاكمة بالقطع, وها هو مدع عام أمريكي سابق يدعي فنسنت بوجليوس يقدم الأدلة الدامغة التي يمكن علي أساسها تقديم جورج دبليو بوش للمحاكمة كمجرم حرب في كتاب ـ صدر حديثا ـ بعنوان: الادعاء علي جورج دبليو بوش بتهمة القتل حصر فيه جرائمه وكشف تورط رفاقه من المحافظين الجدد الذين يصفهم بالعصابة, ويطالب أن( يتحد) ذوو الضحايا لرفع دعاوي أمام القضاء الأمريكي في واشنطن( العاصمة) حيث تم التخطيط لمؤامرة القتل.. وهناك من يطالب بأن يمثل أمام محكمة جرائم الحرب الدولية.. وهذا معناه أن القرائن والأدلة محفورة في ذاكرة الشعوب, وأن محاولات الطمس وشراء ذمم الكتاب والمؤرخين من خلال ادارة الدبلوماسية العامة, التي تصل ميزانيتها الي مئات الملايين من الدولارات, لم تفلح في عمليات التزييف وخلط الأوراق, وإظهار بوش ورفاقه في أبهي حلة..
بكلمة أخري إن عنوان أمريكا في مرحلة جورج دبليو بوش هو الانتحار, خصوصا بعد أن فقدت مصداقيتها وحنثت في وعودها, وافتضح أمر أكاذيبها ودعاويها الباطلة, فالسلام في الشرق الأوسط أصبح أشبه بالعنقاء التي نسمع عنها ولا نراها.. والاستقرار في العالم أصبح سلعة نادرة, نبحث عنها ولا نجدها, ولم تنتعش في هذه المرحلة سوي تجارة الحروب, والمخدرات والهجرة غير الشرعية, وسوف يذكر التاريخ أن أمريكا المتسبب الأول في ظاهرة الاحتباس الحراري, هي التي دفعت الثمن مرتين باعصار كاترينا واعصار كريستوف الأخير الذي راح ضحيته الآلاف بين موتي ومشردين.
صحيفة الاهرام
أ
في ذكري11 سبتمبر: انتحار السياسة الأمريكية..سعيد اللاوندي
