ديك تشيني ... مُسعرُ حربٍ، وسارقُ ثروةٍ - حسين الرشيد
يُعدُّ "ديك تشيني" نائب الرئيس الأمريكي الحالي -الذي لم يبق على ولايته سوى بضعة شهور معدودة- من صقور البيت الأبيض، الذين جمعوا بين التجارة والسياسة، والذين أسهموا بشكل كبير وخطير في دفع عجلة الحرب، فأُسعرت بين عشية وضحاها في بلاد الرافدين التي وقعت ضحية المغامرات الحاقدة، التي كانت تركزُ أكثر ما تركز على نهب ثروات هذا البلد الجريح، الذي لم يذق أهله طعم العافية منذ سنين طوال.
وفي الوقت الذي يعلم فيه جميع خبراء النفط والاقتصاد أن ثروة العراق النفطية تعتبر "كنـز القرن الحادي والعشرين"، وأنه الأطول عمرًا بين خزين النفط العالمي؛ تتوالى فضائح كبار ساسة الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال مؤامراتهم الخبيثة تجاه تلك الثروة التي حبا الله بلاد الرافدين؛ لتؤكد حقيقة ناصعة لم تعد تخفى على متابع، بأنَّ الثروة النفطية واحدة من أهم أسباب غزو العراق واحتلاله من قبل حلفاء الشر والرذيلة!!
الفضيحة الجديدة لم تنشرها مؤسسة عربية، ولا شركة شرق أوسطية، وإنما أفصحت عنها مؤسسة أمريكية لها ثقلها في الساحة الأمريكية، حيث نشر سلاح الهندسة الأمريكي على موقعه الإلكتروني وثائق تفضح نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، في تلقِّيه رِشَى من إحدى كبريات شركات النفط الأمريكية "هاليبرتون"، مقابل إنقاذها من الإفلاس، من خلال ما سمي "بصفقة سرية" قبيل غزو العراق واحتلاله عام 2003م، تهيمن بمقتضاها على حقول نفط البلد المحتل.
وذكرت تقارير إعلامية: أن وزارة الدفاع الأمريكية كانت تعمل سرًّا، قبل أربعة شهور من غزو العراق مع شركة "هاليبرتون" ـ التي كان يرأسها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني قبل تسلمه مناصبه الحكومية ـ على "صفقة سرية" تعطي ثاني أكبر شركة لخدمات النفط في العالم السيطرة الكاملة على حقول نفط العراق، طبقًا لمقابلات أجريت مع كبار المديرين التنفيذيين في شركة "هاليبرتون".
وكشف المحلل السياسي الأمريكي "جيسون ليبولد" أن وثائق "هاليبرتون" غير المعلنة والمحفوظة في السجل العام، تؤكد أن السيطرة على ثاني احتياطيات النفط في العالم، كانت على قمة الأولويات بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، فضلًا عن أن الصفقة الخاصة بين وزارة الدفاع ووحدة كالوك في شركة "براون أند روت" المتعاقدة مع مؤسسة "هاليبرتون" لتشغيلِ صناعة النفط في العراق، كفيلة بإنقاذ "هاليبرتون" من إفلاسٍ وشيك.
ويؤكد سلاح الهندسة العسكرية الأمريكي على أن الحقيقة التي تقول إن وزارة الدفاع كانت تخطط لاحتمالية أن تحتاج إلى عمليات إصلاح وتجهيز، لضمان استمرارية تشغيل البنية التحتية لنفط العراق، ظلت سرية حتى مارس/ آذار من عام 2003م.
وفي رسالة داخلية مؤرخة في 6 مارس/آذار 2003م خاصة بوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" كتب مسئول سلاح الهندسة العسكرية كلمة (action) على عقد لمؤسسة "هاليبرتون" بمليارات عدة من الدولارات، والذي تم التنسيق بشأنه في إطار مكتب ديك تشيني، وبعد يومين من توجيه الرسالة البريدية منح سلاح الهندسة العسكرية الأمريكي العقد رسميًّا لشركة "هاليبرتون" من دون أية مراجعة لعروض الشركات الأخرى، واعتبر "بانيتين جرينهاوس" كبير خبراء التعاقد المدني في الفيالق العسكرية الأمريكية، أن صفقة "هاليبرتون" تلك تمثل العقد الأكثر فضائحية في سوء الاستعمال والخطأ، الذي شهدته خلال مسار حياتي المهنية!!
إنني أرغب في هذه العجالة في الإفصاح عن الدور الذي لعبه "ديك تشيني" فيما يتعلق بنظرته تجاه الثروة النفطية العراقية، من خلال ذكر بعض ما امتاز به التاريخ الأسود لهذا الرجل في إسعار الحروب، ونهب خيرات الشعوب، أقول: لقد برز هذا الرجل في المراحل الأولى التي سبقت غزو العراق ليقنن سياسة مشبوهة، تتعلق بنفط العراق الذي يوشك أن يقع في فخ الاحتلال، في الوقت الذي سال فيه لعاب سادة البيت الأبيض على ثروة العراق النفطية منذ زمن بعيد!!
ففي عام 1999م ألقى "ديك تشيني" الذي يرأس "شركة هاليبرتن" النفطية الشهيرة، محاضرة في "معهد النفط" في واشنطن، بيَّن فيها حاجة الولايات المتحدة في عام 2010م إلى خمسين مليون برميل من النفط يوميًّا، وتساءل: كيف لهم أن يحصلوا عليه إذا كانت الحكومات تسيطر على 90% من احتياطي العالم؟ ثم ذهب إلى القول بأن الشرق الأوسط فيه ثلثا نفط الكرة الأرضية، وبكلفة إنتاج منخفضة، لذا فهو "موطن الجائزة".
وبعد دخول "تشيني" البيت الأبيض نائبًا للرئيس، وضع في آذار 2001م "السياسة الوطنية للطاقة" مع مجموعة التطوير، التي شكَّلها سابقًا من كبريات شركات الطاقة الأجنبية، وورد في مقدمة توصيات هذه المجموعة: (ضرورة أن يضغط البيت الأبيض على حكومات الشرق الأوسط بفتح أسواقها للاستثمارات الأجنبية)، وقد سمَّت "السنداي ستار تايمز" نفط العراق وثرواته بأنه: ((الجوهرة غير الممسك بها في تاج الشرق الأوسط)).
إنَّ مخططي السياسة استقروا على أنَّ غزو العراق هو الحل الذي يمكن من خلاله الهيمنة على الثروة النفطية التي يتمتع بها هذا البلد، بما يمكِّنها من التحكم في حجم الإنتاج العالمي من النفط، من خلال مضاعفة الإنتاج النفطي العراقي، وخفض أسعاره بشكل كبير، بما يحقق مصلحة الولايات المتحدة كأكبر دولة مستهلكة ومستوردة للنفط في العالم.
ويجب العلم بأنَّ أسبابًا إستراتيجية تقف وراء اهتمام ساسة أمريكا بالثروة النفطية، بل خوض الحروب بسببها، منها: أنَّ النفط أصبح مجالًا واسعًا لمافيا نفطية عالمية، تضمُ بين أفرادها رموزًا سياسية في أمريكا، ومن بينهم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب، وديك تشيني، وجيمس بيكر، وغيرهم، فهؤلاء يهمهم بشكل شخصي استمرار السياسة النفطية التي تضمن ضخ أكبر الكميات النفطية بأسعارٍ متدنية، لكسب موارد مالية كبيرة، ونظرًا لموقع هؤلاء في صنع القرار السياسي والعسكري على المستوى الدولي؛ أصبحت الحروب تخاض أحيانًا بمنطلق نفطي بحت.
إنَّ الثروة النفطية العراقية تتعرض لمستقبل خطير في ظل التدخل الأمريكي الذي اتضحت معالمه وآثاره، في وقت يجب علينا إدراك حقيقة مهمة لا يمكن غض الطرف عنها بحال من الأحوال، مفادها: أنَّ أمريكا لا يمكن لها أن تفرط بثروة العراق النفطية، مهما كلفها ذلك من تضحيات؛ لأنَّ المحافظة على تلك الثروة تحقق لأمريكا جملة من المكاسب والمنافع الإستراتيجية التي تتدخل بشكل مباشر في صدارتها، وتحكمها بمصير العالم ومستقبله.
ومن هنا فيحقُ " لديك تشيني" وغيره من الحكام الحاليين في البيت الأبيض أن يعملوا كل ما بوسعهم من أجل أن يحققوا أمنية غالية، طالما حلموا بها وتمنوا تحقيقها، وذلك بالاستيلاء والتحكم بأغلى ثروة نفطية عرفها تاريخ البشرية جمعاء، ألا وهي ثروة العراق الغالية.
ولكنَّ أبناء البلد يعون كل مخططات الأعداء، وجدير بهم المحافظة على ثروتهم في أن يتلاعب بها هؤلاء الصغار الذين سيغادرون سدة الحكم إلى غير رجعة، بعد أن أثخنوا الجراح في العالم بأسره في الشرق والغرب، وعملوا في سكانه قتلًا وتحطيمًا لمستقبلهم ومقدراتهم، هذا ما نأمله، وما ذلك على الله بعزيز، وإلى الملتقى بعون الله تعالى.
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
ص
ديك تشيني ... مُسعرُ حربٍ، وسارقُ ثروةٍ - حسين الرشيد
