إنها تحاول العودة إلى واجهة النظام السياسي العالمي.. بوتين يحاول استعادة الأمجاد الروسية عبر الحرب مع جورجيا..
هكذا فَسَّر بعض المحللين إقدام روسيا على غزو جورجيا، فيما اعتبر البعض الآخر أنها محاولة منها لتأديب جورجيا التي أرادت أن ترتمي في حضن الغرب، وخاصة أمريكا، مما يعني أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أية محاولات أمريكية لاختراقٍ جديدٍ لمنطقة القوقاز، وهو ما يُعَجِّل بعودة ما كان يسمى بالحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، مما يرجح أن العالم ربما يكون مقبلا على انقسام جديد يعيد هيكلة نظام القطب الواحد ليكون هنالك قطبان من جديد، واحدٌ في الغرب وتمثله واشنطن، وآخر في الشرق وتمثله موسكو.
لم تنس موسكو توجيه رسالةِ تحذير غير مباشرة إلى الولايات المتحدة التي حصلت على موافقة من بولندا لِنَشْرِ دِرْعٍ صاروخي بها، ومحاولتها ضمَّ جورجيا لحلف الناتو لتكون بذلك قد طَوَّقَتْ روسيا تمامًا من كل جانب.
فقد أرادت بدخولها جورجيا أن تقول لواشنطن: إنها لا يعنيها قوتها، وإنها قادرةٌ على ردع كُلِّ من تسول له نفسه، من دول القوقاز، الخروجَ عن التقاليد الروسية.
نوايا قديمة
يُرَجِّح الخبراء أن الغزو الروسي لجورجيا بدأ التخطيط له منذ زمن؛ لأن روسيا تفهم جيدًا في لغة السلاح، بل وتُعد الموازيَ القوي لأمريكا في هذا المجال، وهي القوة التي اعتمد عليها الرئيس السابق فلاديمير بوتين فورَ توليه السلطة عام ٢٠٠٠، في مجموعةٍ من الإجراءات الهادفة لاستعادة قدر من الهيبة السوفيتية السابقة من خلال تطوير برامج الحفاظ على الترسانة النووية الروسية التي يعتبرها الخبراء الاستراتيجيون الْمُوَازِنَ الوحيد عالَمِيًّا للقوة النووية الأمريكية، نظرًا لتفوق الصواريخ الروسية التي تحمل الرؤوس النووية، هذا فضلا عن قدرة موسكو على تنويع وسائل الإطلاق، ما بين الغواصات، والطائرات، ومنصات الصواريخ الأرضية.
ولعلَّ أبرز ما يدعم موسكو لتفعيل أداتها العسكرية، على الرغم من محاذير استخدام تلك الأداة، ومحدودية تأثيرها في بعض الأحيان، هو انسحابُ موسكو من اتفاقية القوات التقليدية في أوروبا، التي كانت تهدف إلى تقييد القدرة على شَنِّ هجومٍ مفاجئٍ داخلَ القارَّةِ العجوز، فضلا عن تجنب شنِّ هجوم واسع بداخلها، وهو ما يُعَدُّ إشارةً واضحة إلى رغبة موسكو في التلويح بقدرتها على استخدام الأداة العسكرية، لا سيما في مواجهة التحركات الأمريكية الهادفة إلى نشر الدرع الصاروخية، وهو ما ترفضه روسيا رفضًا قاطعًا.
ولعل ما شجع موسكو على زيادة الاتجاه لاستخدام القوة العسكرية، أو حتى التلويح بها، هو التراجع الأمريكي الملموس في العراق وأفغانستان، وهو ما يجعل الولايات المتحدة غير قادرة على زيادة وجودها العسكري المباشر في المناطق المحيطة بروسيا، نظرًا لاستبعاد أمريكا خيار المواجهة المباشرة معها، واكتفائها بوضع بعض القوات على الحدود تحول بين موسكو والهجوم على تلك الدول.
وعلى الرغم من تحسُّنِ مقومات القوة الروسية بصفةٍ عامةٍ عنها منذ بضعة أعوام، فإنّ ذلك جاء مع تراجع ملموس في علاقة روسيا مع جيرانها، لا سيما ألمانيا وفرنسا اللتين شَكَّلَتا مع موسكو في وقت من الأوقات ما يمكن تسميته بـ"جبهة" ضد التدخل الأمريكي في العراق، إلا أنَّ تَغَيُّرَ القيادات السياسية في الدولتين الأوربيتين، وتولي قيادات أقرب للولايات المتحدة، أدى لتراجع العلاقات الروسية الأوروبية بشكل عام.
الوهن الأمريكي
أراد الدب الروسي أن يثبت من حربه في القوقاز أن أنيابه لا زالت حادة، وقد نجح في ذلك، كما نجح في إثبات مدى محدودية القدرة الأمريكية على المواجهة في مرحلة ما بعد العراق، وظهر هذا في ردود فعل الرئيس الأمريكي، الذي أدلى بتصريحات ضعيفة حملت الإدانة خلال الأسبوع الذي شارك فيه في افتتاح الدورة الأوليمبية ببكين، بينما بقيت وزيرة خارجيته رايس في إجازة، وامتنعت عن التدخل القوي في المسألة الروسية التي بنتْ مجدَها عليها، بينما تعامل المرشحان للرئاسة الأمريكية مع الموقف على أنه فرصةٌ في إطار السباق نحو البيت الأبيض، أكثرَ من بحثهما الحقيقي عن حل!.
وكافحت الإدارة الأمريكية لبحث رَدٍّ على الأزمة منذ بدايتها، وأخبر مسؤولٌ كبيرٌ في الإدارة الأمريكية مجلة التايم بأنّه دعا وزير الخارجية الجورجي يوم ٧ أغسطس الماضي إلى عدم التَّوَرُّط في مواجهةٍ مع الروس، مشيرًا إلى أن الروس يرغبون في قتل الجورجيين، ولكن يبدو أن التحذير أتى متأخرًا، فقد هاجمت جورجيا أوسيتيا الجنوبية يوم ٦ أغسطس، ردًّا على هجماتٍ قام بها مواطنو الإقليم الموالون لموسكو، وفي اليوم التالي مباشرةً تحرك الروس.
وتحدث بوش بعدها بيومٍ واحدٍ مع رئيس الوزراء الروسي بشكلٍ حَذِر، وطالَبَهُ بعودة القوات الروسية إلى وضعها قبل المعارك، ولكنه لم يعلن ما هي عواقب التصعيد الروسي!.
وأيًّا كان الذي يقوله بوش أو رايس، فإنّ ثمرة الصراع في جورجيا تمثلت في إعادة تقييم القوة الأوروبية والأمريكية في العالم أجمع، لا سيما في المنطقة الاستراتيجية المهمة في القوقاز وآسيا الوسطى.
وقد اتضحت هشاشة الموقف الغربي والأمريكي في مقابلةِ الهجوم الروسي من خلال الردود الدبلوماسية الواهية، وعدم ظهور تداعيات سلبية في العلاقات، وهو ما قد يجعل الهجوم بمثابة بداية لعودة موسكو لعصر "القهر العسكري" الذي مارسته إبّان الحقبة السوفيتية.
الحرب الباردة
مع اعتراف العديد من المحللين بأن انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 أدى إلى خَلَلٍ خطير في التوازن الدولي، فإن الحرب الجورجية وانتعاش الدب الروسي مرة أخرى، ربما يكونان السبب في ضبط الصراعات الدولية، بحكم توازن الرعب النووي الذي ساد طوال الحرب الباردة، وأدى إلى لجم الاندفاعات العنيفة في الصراع بين الدول.
ومؤخرًا، ومع ظهور نوايا بوتين باستعادة الأمجاد الروسية، أرادت الولايات المتحدة أن تحاصر روسيا تحسبًا لخطرها في المستقبل، فابتدعت مشروعًا لنشر الصواريخ في الدول المحيطة بها، وعلى الرغم من اعتراض روسيا على هذا المشروع صممت واشنطن على المضي فيه، وضم عددٍ من الدول المشاركة في هذا المشروع إلى حلف شمال الأطلسي، وبدا الأمر كأنه حصار استراتيجي لروسيا من شأنه أن يمنعها من الحركة.
وهنا ظهر دور بوتين الذي استطاع أن يصحح الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها يلتسين، فاعتنى بالاقتصاد، وبذل فيه همته حتى عاد مزدهرًا من جديد، وأعاد إلى الجيش نظامه وهيبته، ورتب أوراق روسيا الداخلية والإقليمية من جديد، وعادت روسيا على يديه ندًّا قويًّا يتحدى الهيمنة الأمريكية المطلقة التي سادت حقبة ما بعد الحرب الباردة.
لقد أرادت جورجيا بِدَعْمٍ من أمريكا، وبتسليح "إسرائيلي"، الانطلاقَ لضم أوسيتيا بالقوة المسلحة إلا أنها فوجئت برد عسكري روسي عنيف، تمثل في هجوم كاسح لا يتوقف، اجتاز حدود جورجيا.. مما أصاب جورجيا وحلفاءها بالصدمة!.
كل هذه التطورات تؤكد أن الحرب الباردة (أو الساخنة) قادِمَةٌ لا محالة، لا سيما وأن روسيا ربما تحاول تطوير درعها الصاروخي في كوبا، وفي هذا تهديد مباشر للولايات المتحدة، كما أن سوريا عرضت عليها إنشاء درع صاروخي على أراضيها، مع تحالف الصين، ودعم إيران، مما يعني أن المنطقة على شفا حرب ستكون نهايتها زوال (روسيا أو أمريكا)، أو عودة العالم لقطبين، مثلما كان عقب الحرب العالمية الثانية.
ولا زالت أمريكا واقفةً ترقب الأمر، وتدرس تبعاته، قبل أن تتخذ قرارا هاهنا أو هاهنا، خاصةً وأن لها مصالح كبرى مع الدب الروسي، صَعْبٌ أن تتخلى عنها من أجل طموحات سكاشفيلي!.
ورغم كل مساوئ الحرب الباردة وقسوتها، والآثار التي تجرعتها شعوب كثيرة جرّاء قوانين تلك الحرب، لكنها ما زالت حاضرة، نراها الآن في القوقاز، ونراها دائمًا في الشرق الأوسط، ونراها في أسعار النفط التي ارتفعت سريعًا وتراجعت سريعًا، وأسعار المواد الغذائية التي جعلت الفقراء يستعصي عليهم الحصول على الخبز.
إنها الحرب الباردة.. تتراجع قليلا لالتقاط الأنفاس، ثم تعود إلى الميدان من جديد، ولا يقع ضحيةً سوى أولئك الذين يبنون قصورًا فوق الرمال اعتمادًا على وعود غيرهم، وما هو إلا أن تنقلب الوعود، وتنهار قصور الوهم، ولا يبقى سوى الحقائق المؤلمة!.
الاسلام اليوم
روسيا.. والعودة للواجهة الدولية!.. أسامة نبيل
