عودة المهجّرين... وَهْـمُ الإعلام الحكومي - مسلم البدري
ما فتئت الحكومة الحالية في العراق (حكومة المالكي) المسير على خطى الحكومات التي سبقتها في التضليل والتمويه ، وصناعة الوهم ومحاولة زرعه في عقول الناس عامة والعراقيين على وجه الخصوص بغية تحصيل المكاسب التي ينشدها الإحتلال والذي رسم لهذه الحكومة ومن سبقها في ظله معالم هذا المسير.
وتعد هذه المحاولات على تنوعها أوراقاً محروقة، دالة على الإفلاس الذي أحاط بالعملية السياسية والحكومات التي تشكلت نتيجة هذه العملية ؛ وذلك لتصاعد الوعي لدى العراقيين ، وتزايد قدراتهم على التمحيص بين الحق والباطل ، حق الممانعة وباطل الإحتلال ، من خلال التجارب التي مروا بها خلال السنوات الخمس والنصف الماضية ، فلم تعد المحاولات الحكومية في التضليل تنطلي على أحد سوى بضعة أنفار من السُذج أو المنتفعين من الحكومة بإعتبارهم جزءً من قاعدة الأحزاب المشكلة للعملية السياسية على صغرها .
إنّ ما روّجت له الحكومة الحالية مؤخراً من عودة المهجرين ، وتسليط الإعلام الحكومي الضوء على هذه القضية فيه من الدلالات ما يُشير إلى الإستخفاف بمشاعر العراقيين والإزدراء بهم ..! خصوصاً وأنها ـ أي الحكومة ـ ترفع شعارات مفادها أن لا نجاح لما يسمى بخطة فرض القانون إلا بعودة المهجرين .. ولعل مسرحية الطائرة (الخاصة) برئيس الحكومة المالكي والتي جاءت على متنها وجبة من العراقيين الذين كانوا في جمهورية مصر العربية ، تدعوا إلى السخرية ، والمحاولات الترقيعية للمشاكل الجمّة التي حصلت في بعض مناطق بغداد حيث تعذّر على العوائل المهجّرة ـ في الداخل ـ الرجوع إلى منازلها أمر آخر يلفت النظر ويُنبئ بكذب الحكومة ..!
إن الإستخدام المتأخر من قبل الحكومة الحالية لورقة المهجّرين بعد أن تجاهلتهم طيلة السنوات الماضية ،فضلاً عن كون الحكومة وأجهزتها الأمنية ، وميليشيات أحزابها المتنفذة تُعد اللاعب الأساس في عملية التهجير الطائفي الداخلي والخارجي ، كل ذاك يجيء ضمن إطار جني المكاسب المحصورة بالحكومة والأحزاب المكونة لها على حساب أبناء البلد الذي عانوا التشرد والهجرة وفقدان الأمن وضياع الحقوق ، ويجيء بمثابة ستار لتغطية الفشل الذي منيت به الحكومة في الجانب الأمني ، وعجزها عن ضبطه ،خصوصاً وان الاختراقات الأمنية باتت متزايدة حتى في حالات الاستنفار القصوى التي تدعيها الأجهزة الأمنية الحكومية .
وتجيء ورقة المهجرين مطروحة من قبل الحكومة لحاجة الأخيرة إلى أن تشغل أذهان الناس وتصرف أنظارهم عن إتفاقية الإذعان التي تبرمها مع الإحتلال ، حيث كان الساسة في الحكومة قبل فترة يصرّحون بأن بنود الاتفاقية معلنة وانها لن تتم بمعزل عن الشعب العراقي ، وأنها لن تمس سيادة البلد ، وان بقاء قوات الاحتلال من عدمه من أولويات تلك البنود ..! وحيث تعجز هذه الحكومة عن الوفاء بهذه التعهدات لأبناء العراق بسبب الطغيان الأمريكي على القضية حاولت إشغال العراقيين بإثارة موضوع المهجّرين وعودتهم ،متناسية أن الأرقام التي أعلنت هي عن عودتها لا تمثل عشر العدد الحقيقي للمهجرين العراقيين سواء من لجأ إلى خارج العراق أو من نزح مهاجراً في الداخل .
وأمر آخر يسعى إليه الإحتلال مستخدما الحكومة أداة لتنفيذه ، وهو سباق الانتخابات الأمريكية ، حيث يسعى الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه بوش إلى صناعة واقع ملموس على أرض العراق من أجل أن يقال إن إدارة بوش حققت في العراق تقدماً ، ولهذا فإن قضية المهجرين تعد متنفساً للإحتلال وتحصيلاً لمنجز مزعوم بأن الوضع الأمني في العراق مستقر ولهذا تمكن المهجرون من العودة إلى موطنهم ، وبالتالي فإن نجاحاً تحقق على الأرض !!
إن اللعب على وتر قضية المهجرين ـ سواء شعرت الحكومة أم غاب عنها الشعور ـ يعد سلاحاً موجها إليها ، وإن من السذاجة بمكان أن تحاول الحكومة إستمالة عواطف ابناء الشعب العراقي اليها ، فهي مفلسة بكل المقاييس ، وإن مقتلها حين تداعب مشاعر أبناء العراق في قضيتهم التي تزايد الحكومة على الظفر بمكسب من خلالها .
على الحكومة أن تعيد الحسابات ، فإن الشعب العراقي رقم صعب في المعادلة ، يرفض الرضوح وينافح من أجل الخلاص ، فكيف به وقد سُلبت منه حتى المشاعر ..؟؟!! على الحكومة أن تحذر من نفاد صبر العراقيين ، فإن أيديهم لقادرة على أن تصل إلى رقاب العملاء ، خصوصاً وأن هامات العراقيين تأبى إلا أن تكون سامقة .
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
عودة المهجّرين... وَهْـمُ الإعلام الحكومي - مسلم البدري
