منذ 11 سبتمبر 2001 صار اسم مشرف رديفاً للحرب على الإرهاب، فلا غزو لأفغانستان من دون الضوء الأخضر منه، ولا نجاح للحملة العالمية على \"قوى الشر\" حسب المفهوم الأمريكي من دون مساعدته.
وبين ليلة وضحاها تحوّل من كان يتهمه الغرب قبل سنتين بأنه "انقلابي" و"سارق سلطة" و"عدو للديمقراطية" إلى "معبود" الإدارة الأمريكية و"الصديق الكبير" للغرب.
فكوفئ بمليارات الدولارات الأمريكية وشحنات المساعدات التي أنقذت اقتصاد باكستان المنهار، وجعلت السند والبنجاب وبلوشستان وباشتونستان تنسى قادتها الكبار، وتدين بالولاء لجنرال واحد، للمرة الأولى منذ ولادة هذه الدولة عام 1947 كوطن لمسلمى شبه القارة الهندية.
وفي اقل من ثماني سنوات صار جنرال باكستان القوي ورجلها الأوحد يمشي عارياً في شوارع إسلام آباد بعدما سقطت عنه أوراق التوت.
فالديمقراطية التي أرادها على قياسه ارتدّت عليه، وحملت إلى رقبته خنجرين مخضبين بالانتقام لأشد خصمين له: حزب الشعب الذي يتهم مخابرات الرئيس بقتل زعيمته بنازير بوتو، وحزب الرابطة الذي غدر الجنرال بزعيمه نواز شريف وأقاله ودفع به إلى المنفى.
والإسلاميون الذين حملوه على الأكتاف راحوا يعدون له المكامن ومخططات الاغتيال بعد ما جرى في المسجد الأحمر والمدارس الدينية وحربه على القبائل في بلوشستان.
والجيش الذي قاده سنوات طويلة، وكان بطله في مرتفعات كارغيل أثناء الحرب مع الهند، تخلى عنه في اللحظة الحاسمة، ورفض أوامره بفرض الأحكام العرفية. فبين رئيس ضعيف أفلتت الأمور من يده والخطر الهندي، اختار الجيش أن يركز على الهند لا على قائده المطوق من كل جانب.
أما واشنطن التي أغرقت مشرف بالوعود، وجعلته يصدق انه من أهل البيت الأبيض، فإذا بها في اللحظة الحرجة تسحب يدها منه، وتلقي عليه مسؤولية أخطائه، وتعتبر أن استقالته "شأن داخلي باكستاني". فمنذ متى تترك واشنطن للباكستانيين حق إدارة شؤونهم بأنفسهم ولا سيما أن الحرب انتقلت من أفغانستان إلى قلب باكستان؟!
مشرف ارتكب الأخطاء تلو الأخطاء: سخر الديمقراطية لمصالحه الشخصية، أعطى الأولوية للمساعدات الخارجية على الإنتاج المحلي، استخف بالقضاء ورجاله، وحارب الإسلاميين من دون أن يكسب إلى جانبه العلمانيين والمعتدلين، لكن خطأه الأكبر هو انه جعل نفسه أداة طيعة في يد الأمريكيين.
ببساطة، الباكستانيون ليست لديهم مشكلة مع حكم الجنرالات، فمن أصل 61 سنة هي عمر باكستان تولى العسكر السلطة فيها مدة 34 سنة. وليست لديهم أيضا مشكلة مع الفقر، فهو أصلاً متأصل في البلاد منذ قيامها، ولكن لا يمكن لباكستاني أن يقبل أن يحصل رئيس دولته على أموال من واشنطن ليقتل باكستانيين في منطقة القبائل ولاهور والمسجد الأحمر!.
سياسات واشنطن الباكستانية أغرقت الجنرال في المتاهة، فمن جهة طالبته بمكافحة "المتشددين الإسلاميين" حيثما فشلت هي، وفي الوقت نفسه فرضت عليه نزع البزة العسكرية والتزام الديمقراطية وإجراء الانتخابات التي من شأن حصولها أن تحمل إلى قبة البرلمان واحدا من اثنين: الإسلاميين الذين يحظون بالتعاطف الشعبي بسبب القمع الشديد ضدهم أو خصومه المعتدلين الذين سيستغلون أخطاءه الكبيرة في الحكم.
وهذا ما حصل فعلا في الانتخابات إذ اكتسح حزبا بوتو وشريف مقاعد البرلمان وتاليا الحكومة، وتعاظم نفوذ الإسلاميين في الشارع. واستدعى هذا التعاظم في قوة الإسلاميين محاولات المخابرات الباكستانية واحتضانها الأمر الذي زاد في غضب واشنطن وإلحاحها على القمع.
وعلى الأغلب، فان واشنطن لن تكون أكثر حنكة مع حلفاء مشرف، ولكن هذه المرة السلطة في إسلام آباد لن تكون موحدة؛ لان تحالف حزبي بوتو وشريف هو أشبه بزواج الماء والنار لما بين الاثنين من خلافات وصراعات على السلطة..
مشرف وأخطاء (الصديق الأمريكي)!.. العرب اونلاين
