هيئة علماء المسلمين في العراق

ساركوزي في المصيدة الأفغانية.. د. ياسر سعد
ساركوزي في المصيدة الأفغانية.. د. ياسر سعد ساركوزي في المصيدة الأفغانية.. د. ياسر سعد

ساركوزي في المصيدة الأفغانية.. د. ياسر سعد

التطورات الأفغانية المتلاحقة تكشف أن زمام المبادرة أصبح بيد مقاتلي طالبان الذين طوروا من أساليبهم القتالية التي بدا معظمها هجوميًّا خاطفًا يستهدف القوافل والقواعد العسكرية للقوات الأجنبية. ما يحدث في أفغانستان ستمتد آثاره السياسية - بلا شك - الى عواصم الدول التي تشارك قواتها في أفغانستان خصوصًا تلك التي توجد في المناطق الساخنة، كما ستكون له انعكاساته السلبية على المواجهة الغربية مع روسيا التي بدأت بوادرها في جورجيا.

فالخلافات بين أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) على الأدوار والمساهمات في أفغانستان كانت كبيرة وحادة خلال الأشهر الماضية، بل إن الانتقادات والاتهامات المتبادلة وصلت إلى وسائل الإعلام.

ففي الخريف الماضي وجه وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس انتقادًا علنيًّا قاسيًا إلى دول أوروبية؛ لأنها "لم تنفذ تعهداتها" العسكرية في أفغانستان، كما حذر في فبراير الماضي من انهيار الحلف جراء الانقسامات بشأن المساهمات العسكرية هناك.

تحذير جيتس المتعلق بمستقبل الحلف وعدم كفاءة قوات بعض الدول المرسلة إلى هناك قد يكون أحد العوامل المهمة التي شجعت روسيا على الذهاب بعيدًا في المغامرة الجورجية وإطلاق التصريحات النارية التي تضج بتحدي الغرب وحلف الناتو.

فإذا كان الحلف عاجزًا عن مواجهة طالبان ومنقسمًا بشكل كبير على أساليب التعاطي معها، فهو بالتالي سيكون أعجز عن مقابلة التحدي الروسي بخطوات جادة أو حاسمة، مع التنويه بأن تحذيرات وتصريحات قادة الناتو كانت قبل المرحلة التي شهدت تطورًا كميًّا ونوعيًّا كبيرًا في عمليات طالبان على القوات الأجنبية في أفغانستان.

مقتل عشرة جنود فرنسيين وإصابة 21 آخرين شرق كابول ستكون له تداعيات كبيرة فرنسيًّا وعلى قوات الناتو سياسيًّا ومعنويًّا وعسكريًّا.

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي - الذي عرفت عنه المبادرات السياسية باتجاهات متعاكسة ومتناقضة وبقفزات تفتقر أحيانًا إلى الاتزان والرصانة - قد يدفع ثمنًا سياسيًّا باهظًا للخسارة الفرنسية الكبيرة الأمر الذي جعله يسرع إلى أفغانستان للوقوف مع جنوده في هذا الوقت الصعب وللتقليل من الضرر السياسي الذي لحق به.

ففي محاولاته للاقتراب من بوش - في الوقت الذي هجره الكثير من مساعديه، وابتعد عنه العديد من حلفائه السابقين - أعلن ساركوزي مطلع العام أمام البرلمان البريطاني عزمه على إرسال المزيد من قواته لأفغانستان.

تصريح ساركوزي أثار عاصفة سياسية في بلاده، وشن اليسار الفرنسي هجومًا لاذعًا عليه. وقالت سيغولين رويال مرشحة الرئاسة الاشتراكية في الانتخابات الرئاسية: ما يدهشني، ويصدمني هو أن ساركوزي تحدث عن التزامات فرنسا في أفغانستان أمام البرلمانيين البريطانيين رغم عدم بحث الأمر من قريب أو بعيد مع البرلمانيين الفرنسيين.

وأضافت تقول: إنها تعارض الزيادة في إطار السياق الراهن حينما لا تُعرف المخاطر التي ستواجهها أو الضمانات التي اتُّخذت لحماية الجنود الفرنسيين.

ساركوزي عاد وأكد في مؤتمر قمة الناتو الأخيرة في بوخارست في إبريل الماضي عزمه على إرسال كتيبة فرنسية إلى أفغانستان.

وكانت تقارير صحفية فرنسية قد أشارت إلى عدم رضا القيادة العسكرية عن قرار ساركوزي، وذكرت أن رئيس الأركان الفرنسي جان لوي جورجيلن يعارض إرسال المزيد من القوات الفرنسية إلى أفغانستان. ونوهت بأنه يتخوف من وقوع الوحدات الفرنسية في أفغانستان في فخ التصعيد العسكري، غير أنه في نهاية المطاف مضطر لتنفيذ قرارات الرئيس الفرنسي.

الخسارة الفرنسية الكبيرة في أفغانستان تشكل حرجًا كبيرًا لساركوزي خصوصًا وأنها جاءت بعد شهور من قراره - الذي لقي معارضة كبيرة في بلاده - بزيادة القوات الفرنسية هناك، وتشكل ذخيرة سياسية لمعارضي ساركوزي للنيل منه ومن قراراته.

فالأمين العام للحزب الاشتراكي الفرنسي تساءل عن الهدف من هذه الحرب، فيما قال الزعيم اليميني الفرنسي جون ماري لوبان: ما كان لجنودنا أن يموتوا في سبيل العم سام.. هؤلاء الجنود يقومون بواجبهم، ولكنهم لم يموتوا من أجل فرنسا، بل ماتوا في حرب تشنها الولايات المتحدة الأمريكية في هذا البلد من أجل مصالحها الخاصة.

أما الرابطة الشيوعية فاعتبرت أن زيارة ساركوزي لأفغانستان تعبر عن حجم الفاجعة والصدمة التي حلت بالفرنسيين.

الصحف الفرنسية عكست الصدمة التي عاشها الرأي العام الفرنسي بعد الضربة الموجعة للجيش الفرنسي، فقد تساءلت افتتاحية جريدة ليبراسيون عن عدد الجنود الفرنسيين الذين من المفترض أن يسقطوا قبل مراجعة السياسة الفرنسية في أفغانستان، أما جريدة اللومند فكتبت في افتتاحيتها تقول: ما حدث يؤكد مرة أخرى أن الحرب تدور على عدو شبح، لا يمكن أن يتم الحسم معه عسكريًّا.

التيارات السياسية الفرنسية من أقصى اليمين واليسار طالبت بإعادة النظر بالمهمة الفرنسية في أفغانستان، فالأمين العام للحزب الاشتراكي الفرنسي المعارض فرنسوا هولندا دعا إلى اجتماع عاجل للجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ لبحث جدوى الحرب التي تخوضها فرنسا في أفغانستان.

وأصدر الحزب بيانًا يدين فيه السياسة المتهورة والخطيرة التي أوقعت فرنسا في مستنقع أفغانستان، في حين قال جون ماري لوبان زعيم حزب الجبهة الوطنية اليمينية: إن هذه المأساة وقعت بسبب محاولة ساركوزي إرضاء الإملاءات الأمريكية.

ومما سيزيد من حرج موقف ساركوزي ما جاء في إفادات جنود فرنسيين قالوا إن رفاقهم الذين وقعوا في كمين طالبان أصيبوا أيضًا بنيران قوة دعم أرسلها حلف الأطلسي.

فقد نقلت جريدة لوموند عن جنود ناجين قولهم: إن الدعم تأخر أربع ساعات، وأخطأت طائرات الناتو أهدافها، وقصفت جنودًا فرنسيين وأفغانًا، وذكر أحدهم أن ذخيرة الدورية نفدت، وبقي عناصرها ببنادقهم الهجومية فقط.

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خاطب جنود بلاده بعد وصوله أفغانستان قائلاً: إن دورهم حيوي للحرب على "الإرهاب" ولـ"حرية العالم"، متعهدًا باستمرار الوجود العسكري هناك.

عبارات ساركوزي تكرار لكلمات بوش، وبالتالي فقد ترتد عليه سلبًا.

من الصعب على العواصم الغربية أن تتحمل وتتقبل خسائر بشرية كبيرة في حرب غامضة الأهداف.

ستزداد أصوات الداعين للانسحاب من أفغانستان واللائمين لقادتهم على تحالفهم مع بوش الذي يغادر البيت الأبيض والفشل يلاحقه في أكثر من موقع وميدان.


الاسلام اليوم

أضف تعليق