في واقعةٍ غير مسبوقة فيما يتم تصنيفه بالعالم النامي أو في منطقة الشرق الأوسط أن يتقدم حاكمٌ باستقالته أو بالأحرى يُجْبَرُ على الاستقالة، إلا أن هذا ما حدث في باكستان عندما أعلن الرئيس برويز مشرف أخيرًا استقالته من رئاسة بلاده بعد فترة حكم استمرت تسعة أعوام وبعد مشاورات مطولة، وفي الوقت نفسه بعد اضطرابات سياسية وأزمات متفاقمة.
استقالة مشرف تطرح تساؤلا عَمّا إذا كانت إجبارًا على الاستقالة أو إقالةً من موقعه خاصة وأنه كان حليفًا قويًّا للإدارة الأمريكية في حربها على ما يسمى "الإرهاب" منذ وقوع أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، وستظل هذه الاستقالة مدار تساؤلات لا تنتهي في الساحة السياسية الباكستانية.
والواقع، فإنّ على من يذهب إلى أن خروج مشرف من الحكم كان استقالة أن ينظر إلى سياق هذه الاستقالة قُبَيْلَ أن يعلنها مشرف بأيام قليلة عندما بدأت الأزمة والضغوط السياسية عليه تتزايد، في الوقت الذي كانت تتسع ضده وتيرة الاحتجاجات البرلمانية عندما كانت تدبر له المعارضة والأحزاب المتحالفة له بإعداد لائحة اتهامات قدمها الائتلاف الحاكم للبرلمان تمهيدا لمحاكمته وعزله، وهو ما يعكس أن الجميع ضحوا به، معارضة ومؤيدين، ولذلك كانت إقالته، وإن بدت في شكل الاستقالة.
الاستقواء بأمريكا
ولم تكن أحزاب الداخل فقط هي التي ضَحّت بالرئيس مشرف، بل إن الخارج نفسه ضحى به، وَفق ما يذهب إليه المراقبون، فالولايات المتحدة التي كانت أكبر داعم لمشرف هي نفسها التي ارتضت التخلي عنه حين وجدت البديل الأكثر شعبية على المستوى الداخلي، وقد بدا هذا في التصريحات الصادرة من المتحدث باسم البيت الأبيض قبل أيام، فقد صرح بأن "الولايات المتحدة لن تُقحم نفسها في المسائل الداخلية لباكستان"، في إشارة إلى إجراءات عزل مشرف، وهي التي سبق أن تدخلت - ولا تزال - سياسيا وعسكريا في القرارات المصيرية لباكستان، الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا أنه تخلٍّ من واشنطن عن حليفها السابق.
وحسب ما حملته وكالات الأنباء، فإن الإدارة الأمريكية الحالية ستسارع إلى عرض مساعدات ضخمة، تُرَكِّزُ مبدئيا على تقديم دعم اقتصادي لمعالجة التأثيرات السلبية التي طالت باكستان من جراء الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة والمواد الغذائية، وذلك بانتظار فترة انتقالية مُريحة تضمن لأيٍّ من المتنافسين سواء نواز شريف المعروف بمساندة القطاع الرأسمالي والصناعي والاستثماري له أو حزب الشعب بقيادة أرمل بينظير بوتو الذي كان قد تلقى ترحيبا أمريكيا دافئا مؤخرا.
وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قد أعلنت أن بلادها تشجع الباكستانيين على مضاعفة الجهد لترقية مستقبلهم ومكافحة ما وصفته بـ"التطرف" ومعالجة نقص الطعام والطاقة وتحسين الوضع الاقتصادي. وقالت: إن واشنطن ستساعد باكستان من أجل تحقيق هدف "دولة إسلامية ديمقراطية حديثة تتمتع بالرخاء والاستقرار"، حسب زعمها.
وفي الوقت نفسه، أعلن البيت الأبيض باسم الرئيس جورج بوش أنه "ملتزم بالعمل مع باكستان قويةٍ تواصل جهودها لتعزيز الديمقراطية ومكافحة الإرهاب"، وأشاد بمشرف الذي كان حليفًا "جيدا"! في الحرب على ما يسمى "الإرهاب".
ولعل أبرز ما سيحفظه التاريخ من سيرة مشرف في علاقته بالولايات المتحدة موافقته على مطالب أمريكا بالسماح لها باستخدام الأراضي الباكستانية لضرب حركة طالبان التي رفضت تسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بعد اتهام أمريكا له بتفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001، وإعلان مشرف حالة الطوارئ في البلاد 2 نوفمبر 2007 بعد الانتخابات الرئاسية، وقبل يومين من قرار المحكمة الدستورية العليا في البلاد للبتّ في شرعية الانتخابات، وبعد تدهور الوضع الأمني في البلاد بسبب قتال الجيش مع الإسلاميين شرق البلاد .
وعلى الرغم من فض الحلف بين مشرف والإدارة الأمريكية، بعد سنوات طوال، فإنه قد ساهم بتقاربه معها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر في تراجع شعبيته بعدما اعتبرته الأوساط الباكستانية المختلفة دكتاتورا عسكريا بينما كان ينظر إليه على أنه نوع آخر من الجنرالات وقتما تولى السلطة لأول مرة في البلاد.
فرحة باكستانية
ولذلك، فقد رحب الباكستانيون باستقالته أو بالأحرى إقالته بعدما اعتبره كثيرون مصابًا بـ"عقدة المنقذ" على الرغم من مطالباته بإعادة باكستان إلى مسار الديمقراطية، في الوقت الذي خالف هو نفسه هذا المسار بالجَور على الحريات السياسية عندما اعتُبرت الانتخابات العامة التي جرت عام 2002 انتخاباتٍ غير نزيهة، وهي التي جرى فيها انتخاب مشرف رئيسا لباكستان، في الوقت الذي سبق فيه أيضا لجوئه إلى "البرلمان" ثانية لإعادة انتخابه نهاية عام 2007 قبل انتهاء مدة رئاسته.
ومع تزايد التحديات لجأ مشرف الى طرق استبدادية، وكان يوم التاسع من مارس عام 2007 بوابة السقوط الأخير لمشرف عندما حاول إجبار كبير قضاة المحكمة العليا افتخار تشودري على الاستقالة.
ونتيجة لتحدي تشودري تحرك المحامون للدفاع عن الهيئة القضائية، كما اشتدت المعارضة ضده بطرق غير مباشرةٍ كان الائتلاف الحاكم أيضًا له بالمرصاد.
وقد أصاب مشرف الكثيرين بخيبة أمل بعد أن كانوا يشعرون بأمل في أن يقود باكستان بعيدا عن المستنقع السياسي إلا أن نزعاته الليبرالية كانت وبالا عليه، فقد اكتسب حنق المسلمين في باكستان وغيرها لقيامه بعملية ضرب المسجد الأحمر في إسلام آباد واقتحامه له بطريقة بشعة، فأودى بحياة المئات من الباكستانيين ومن بينهم نساء الأمر الذي أدى إلى تصاعد الهجمات الثأرية التي حوّلت باكستان إلى مجتمع غير مستقر.
كل هذه المعطيات جعلت الجميع يضحون بالرئيس المستقيل بما في ذلك الجيش نفسه الذي سبق أن لوح بأنه سينأى بنفسه عن مساندة الرئيس حتى افتقر مشرف الى مساندة الجيش والائتلاف الحاكم فضلا عن المعارضة والشارع العادي، وبعدما جمع في يده كل السلطات، وقصرها عليه شخصيًّا، واحتفظ بسلطة إقالة البرلمان وتعيين كبار المسؤولين في الجيش والهيئة القضائية.
وفي النهاية بقي مشرف وحيدًا، فلم يجد بُدًّا من تقديم استقالةٍ تحفظ له بعض ماء الوجه قبل أن تعصف به أمواج الجماهير الغاضبة.
الاسلام اليوم
مشرف.. وفشل الاستقواء بأمريكا.. طه عبد الرحمن
