منذ شهور والدوائر الأمريكية وبعض العراقية تحتفل على نحو لافت بانحسار نفوذ القاعدة في العراق حتى ذهبت تقارير صحفية أمريكية إلى أن عدداً من أهم قادتها قد فروا عبر إيران إلى أفغانستان،
وأن انشقاقاً قد وقع داخل التنظيم أدى إلى بروز مجموعة أخرى تحمل اسم أبو انس الشامي الذي كان مفتي التنظيم أثناء حقبة الزرقاوي، وأعلن مقتله عام 2005.
بعيداً عما ورد في التقارير المذكورة، فإن الأكيد أن نفوذ القاعدة قد انحسر بالفعل في العراق من دون أن يعني ذلك نهاية فعلية للتنظيم الذي يقول مسلسل التفجيرات المتواصل انه ما زال موجوداً وبوسعه تنفيذ العمليات هنا وهناك.
نعم، ثمة حضور ما للتنظيم في عدد من المدن العراقية، لكنه لا يرتقي بحال إلى ما كان عليه قبل ثلاث سنوات حين كان بوسعه التحكم بمدن بأكملها وتسيير شؤونها الأمر الذي منح قادته من مشاعر القوة حد إعلان ما يسمى دولة العراق الإسلامية، ثم مطالبة العشائر وجميع قوى المقاومة بمبايعة أميرها.
والسؤال الذي يطرح نفسه بالفعل هو لماذا وقع ذلك؟، وهل هو تعبير عن نجاح الخطط الأمنية التي رسمها المحتل وحكومته التابعة أم ان لما جرى أسباب أخرى أكثر أهمية؟.
لا شك في أن للحملات الأمنية التي شنتها قوات الأمن العراقية مدعومة بالقوات الأمريكية دورها في تحجيم نفوذ القاعدة، لكن ذلك لا يشكل السبب الأكثر أهمية فيما جرى، ولو غابت الأسباب الأخرى لما كان لتلك الحملات أن تؤتي أكلها انحساراً لنفوذ التنظيم وضربا لإمكاناته.
الأكيد أن ثمة أخطاءً كبيرة وقع فيها التنظيم قد صنعت ظروفاً موضوعية جعلت من وجوده وفعاليته على النحو القديم أمراً بالغ الصعوبة، وهي ظروف ساهمت بدورها في كشف ظهر التنظيم أمام الحملات الأمنية المشار إليها معطوفة على حملات أمنية من نوع آخر تكفلت بها جهات أخرى.
لم يدرك التنظيم حساسية الوضع العراقي وتعقيداته وتناقضاته، فمال إلى استعراض للقوة حاول من خلاله السيطرة الكاملة على مناطق العرب السنة وقياداتها وعشائرها الأمر الذي أدخله في معارك مع مختلف مكونات الحالة الشعبية، وأدى إلى انقلاب الجميع عليه، وبالتالي فقدانه الحاضنة الشعبية.
هنا ينبغي القول إنه ما من تنظيم يمكنه العمل والاستمرار - فضلاً عن التطور والنمو - من دون قضية عادلة وحاضنة شعبية وقدر من الإسناد الخارجي، ويبدو أنها جميعاً قد تراجعت في حالة القاعدة في العراق.
بسعيه لفرض نموذجه المتشدد بالقوة المسلحة على المناطق التي عمل فيها دخل التنظيم في معارك مع مختلف مكونات المجتمع: العشائر وقوى المقاومة والقوى المنخرطة في العملية السياسية، فيما كانت ردود الفعل على عمليات القتل الواسعة في صفوف الشيعة - التي تحمل عبء الردود عليها المجتمع العربي السني - كانت تزيد في انفضاض الناس من حوله.
هكذا صار الجميع يتمنى التخلص منه، وعلى هذه الخلفية نشأت ظاهرة "الصحوات" التي كان الكثير من عناصرها من المتعاطفين مع نشاط التنظيم، وإذا بهم ينقلبون عليه، ويطاردون عناصره على نحو اكثر حدة من الأمريكان أنفسهم.
لم يلتفت التنظيم إلى واقع أنه يعمل في بيئة عشائرية متماسكة، وأن تورطه في قتل رموزها لا بد أن يترك ثارات مع مختلف مكونات المجتمع، وهو ما كان، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد أحجم عن قتل المنافقين في المدينة خشية الدخول في معارك جانبية، فقد كان على التنظيم أن يركز على المحتلين، بدل الانجرار إلى معارك جانبية ترتد عليه.
لا خلاف على أن بعضاً من حالة الردة على التنظيم قد وقعت لاعتبارات أخرى، لكن ذلك لا يغير في حقيقة أن الأخطاء التي وقع فيها كانت الأكثر تأثيرا.
من بين الاعتبارات المشار إليها ما يتعلق بانتباه الأمريكان إلى إمكانية شراء بعض رموز العشائر عبر الأموال والمكاسب الأخرى إضافة إلى تخويف الشارع العربي السني من إيران وتركيز همهم على مواجهة نفوذها مع إقناعهم بان ذلك لن يكون من دون التحالف مع الأمريكان، وهي النظرية التي رددها الناس في أوساط العرب السنة بما في ذلك العديد من قوى المقاومة، في وقت كان الأمريكان وحلفاؤهم يسربون معلومات عن علاقة متميزة بين القاعدة وبين إيران، وبالطبع في محاولة لفض الناس من حولها.
هناك إلى جانب ذلك كله ما يتعلق بالبعد الخارجي إذ لا شك في أن المدد القادم من دول الخليج عبر مشايخ وعلماء قد انحسر بدوره على نحو لافت، ومعه مدد الرجال أيضاً، ليس فقط بسبب حملة إعلامية شرسة ضد التنظيم والقتال في صفوفه، ولكن أيضاً بسبب انقلاب مواقف العديد من دول الخليج ضد التنظيم في ظل خوف من ردود فعل الأمريكان فضلاً عن مساهمة أخطاء التنظيم في جهر رموز المقاومة بالشكوى مما يفعله التنظيم داخل العراق بدليل موقف أسامة بن لادن الناقد للتنظيم، وإن عاد عنه، ربما إثر شعوره بغضب قيادة التنظيم من موقفه.
على أن أسوأ ما في حكاية القاعدة في العراق هو أن أخطاءها لم تؤد إلى انحسار نفوذها وحدها، بل أدت إلى انحسار المقاومة برمتها الأمر الذي ينبغي لقواها تداركه خلال المرحلة المقبلة إذا أرادت الحيلولة دون نجاح مشروع الاحتلال ومن جاءوا على ظهر دبابته.
يبقى القول إن تصحيح الموقف ما زال ممكناً، وأن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي، ومن كان لهم دور في إطلاق المقاومة لا ينبغي أن يساهموا في الإساءة إليها وانحسار حضورها.
جريدة السبيل الأردنية
لماذا انحسر نفوذ القاعدة في العراق؟!.. ياسر الزعاترة
