أبى الرئيس الأمريكي بوش - التلمودي المعتقدات المغادر كرسي الرئاسة غير مأسوف عليه، بل ملاحقاً باللعنات - أبى إلا أن يضع العالم قبل مغادرته في أجواء الحرب الباردة من جديد، بل على شفير حرب عالمية جديدة.
ولا أدري هل بوش يمثل حقيقة أمريكا أم انه لعنة صُبّت على أمريكا، ولا يمثل جوهرها وحقيقتها، وهو في كل الأحوال يترجم نظرته التوراتية وعقيدته الصهيونية وولاءه المطلق لهذه الحركة العدوانية المهيمنة على العالم.
لم يمر على أمريكا رئيس مثل هذا الرئيس، لقد حشد العالم كله في مواجهة أمريكا، وجعل صورتها شوهاء قبيحة بغيضة كما لم تكن في عهد سابق قط.
إنه شخصية استفزازية عدوانية مأزومة تحتاج إلى درس وتحليل، أضف إليه أنه أكثر رئيس مسلوب الإرادة تابع لدولة البغي «إسرائيل»، وهي لا تبالي - إن تحققت مصالحها - أن تدمر كل مصالح أمريكا، بل لو دمر العالم كله.
وآخر إنجازات هذا الرئيس بعد الاشتباك المستمر الممتد طيلة رئاسته مع العالم الإسلامي، أقول إنه فوق ذلك قد توج ذلك بفتح جبهة جديدة، ليست في تخلف العالم الإسلامي، إنها روسيا، دولة الاتحاد السوفييتي السابقة!.
لقدر رفع بوش فوق رأسه شعاراً يمثل قناعته وسياسته، فعاد هذا الشعار: "إذا اشتريت زعيماً فقد ضمنت تبعية أمته لبلادك".. من هذا المنطلق بدأ بوش وسياسته وصناع سياسته ومستشاروه الصهاينة، بدأوا يشترون زعماء دول الاتحاد السوفييتي، ويفرضون الديمقراطية التي تأتي بعملائهم فرضاً بقوة القانون الدولي، ومن بين هؤلاء رئيس جورجيا: ساكشفيلي، وجعلت أمريكا و«إسرائيل» من جورجيا ترسانة أسلحة، وحرضوه حتى تطاول على دولة كانت قبل قليل دولة عظمى تضاهي أمريكا.. فكان الرد الروسي غير المتوقع بعد أن استعيدت المشاعر القومية الروسية التي أماتها زعماء مثل: جورباتشوف عميل الغرب ويالتسين الأسوأ.
وشعرت أمريكا أنها وسياستها وعملاءها قد تلقت صفعة قوية جداً، مما صعد من الوتيرة بين أمريكا وروسيا، وذكر بأجواء الحرب الباردة التي انتهت منذ عقد ونصف العقد تقريباً، بل إن أجواء التوتر زادت إلى درجة أن روسيا باتت تهدد باستخدام السلاح الذري ان زرعت الصواريخ الأمريكية ورادارات الاستطلاع وأجهزة الإنذار والصواريخ المضادة للصواريخ على الأراضي البولندية.
وهذا الحدث يعيد إلى الأذهان معاني عديدة مهمة:
أولها: رسالة إلى الذين ارتهنوا للتبعية لأمريكا، وظنوها وسياستها ثابتاً من ثوابت الكون.. ولا شيء في أحوال البشر باق، فكل حال إلى تغيير، ولو كان للأمة العربية والإسلامية سياسة مرتبطة بمصالح هذين العالمين لعملوا على رصد المتغيرات، ولعبوا في منطقة الخلافات، ولكنهم رهنوا أنفسهم، وراهنوا على التبعية المطلقة لأمريكا مهما فعلت بنا، ودمرت من مصالحنا.. وهذا الذي أضعفنا أكثر مما دمرت فينا أمريكا.
والأمر الثاني: تأكيد أهمية دور الزعماء في الأمم، فهذا بوتين نهض بروسيا نفسياً وفكراً وسياسة واقتصاداً وعسكرياً، وهذا «ساكشفيلي العربي» رهن بلده واستقلالها في تبعيته وعمالته لأمريكا من حيث يتظاهر بمراعاة وحدة جورجيا.
وثالثاً: طغيان أمريكا كان ينبغي أن يوضع له حد، وتفردها بقطبية العالم كان يقتضي بروز قوة منافسة، وثنائية القطبية فيها قطر مهم من كبح الجنون الأمريكي وضبط الثور الأمريكي الهائج ولجم الجموح والشطط الذي مثله بوش إلى حد الهوس، بل انقلاب الصورة إلى نقيض المقاصد الأمريكية.
ورابعاً: هذه فرصة أفغانستان لتصعيد مقاومتها والتفاوض مع الروس ليضخوا الأسلحة لتكون أفغانستان مستنقع أمريكا مثلما صنعت أمريكا من أفغانستان مستنقع روسيا، وما يدريك فلعل في هذا البلد الأشد فقراً وتخلفاً سراً يجعله مقبرة حضارتين ضخمتين ودولتين عظيمتين في عقدين أو ثلاثة عقود.
وتكون بلاد الأفغان ترجمة للمقولة: سر القوة كامن في الضعف.. وشكراً لبوش على تدمير بلده وتكثير أعدائها، فعسى أن يبكي هو وبلده كثيراً.
جريدة السبيل الاردنية
عودة الحرب الباردة.. د. أحمد نوفل
