هيئة علماء المسلمين في العراق

الأزمة الجورجية ما بعد الحرب.. ياسر سعد
الأزمة الجورجية ما بعد الحرب.. ياسر سعد الأزمة الجورجية ما بعد الحرب.. ياسر سعد

الأزمة الجورجية ما بعد الحرب.. ياسر سعد

(غيرت حرب القوقاز المشهد العالمي بل ونحت به منحى خطيرا بالتهديد الروسي باستخدام السلاح النووي ضد بولندا ردا على توقيعها اتفاقية نشر الدرع الصاروخي).. إعلان الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بأن قوات بلاده التي دخلت إلى جورجيا ستبدأ في الانسحاب الاثنين الماضي لا ينهي الأزمة الجورجية، ولكنه ينتقل بها إلى طور جديد.

فروسيا التي استعرضت بلا هوادة قوتها العسكرية تريد أن تقطف سياسيا ثمرة انتصارها العسكري، وأن ترسخ قواعد جديدة في السياسة الدولية.

أما الرئيس الجورجي فيحاول، اعتمادا على دعم غربي وأميركي، أن يتجاوز مرارة نتائج صراع أشعله دون أن يتوقع حجم الرد الروسي عليه، وأن ينهمك في الإعداد لحملة إعمار لبلاده التي تعاني من أزمات اقتصادية خانقة.

جورجيا حاولت من وراء التصعيد إحداث تغيير نوعي في طبيعة التعامل السياسي مع أزمة إقليمي اوسيتيا وأبخازيا الانفصاليين، وهدفت إلى تدويل مهمة حفظ السلام التي تقوم بها روسيا منفردة، وبذلك تحجم النفوذ الروسي في المنطقة لتقترب أكثر من حلمها بالالتحاق بالغرب وبحلف الناتو، وهو ما فشلت به تماما.

أما روسيا فقد انتهزت خطأ ساكشفيلي لتعزز نفوذها في المنطقة، وأرادت إن تلقن جورجيا ومن يحاول الاحتذاء بها درسا في مدى محدودية تأثير الغرب فيها، وعلى قدرتها في التغيير بالقوة إن لزم الأمر.

كما سعت لبسط سيطرتها على منابع الغاز والنفط في المنطقة، فخط الأنابيب الذي ينقل النفط من أذربيجان إلى تركيا مرورا بجورجيا، سيمكن أذربيجان من تلافي السيطرة الروسية على نفطها ونقله إلى السوق العالمية بشكل مستقل.

من هنا فإن عدم الاستقرار في جورجيا سيقلل من فاعلية هذا الخط، وبالتالي سيمنح روسيا الهيمنة على توزيع مصادر الطاقة في آسيا الوسطى وبحر قزوين.

حرب القوقاز الأخيرة كشفت انقسامات غربية في قضايا خطيرة وحاسمة، فالاتحاد الأوروبي لم يكن موحدا في تعامله مع الأزمة الجورجية.

ففي حين أرادت دول اتخاذ مواقف حاسمة من روسيا لامت أخرى القيادة الجورجية على تهورها، ورأت أنه من الصعب الاستغناء عن الشريك الروسي.

الخلافات بشأن كيفية التعامل مع التصرفات الروسية شملت أيضا حلف الناتو الذي بدا كما كان في قمته الأخيرة ببوخارست منقسما على نفسه في الملف الجورجي.

الولايات المتحدة، وإن اتخذت خطا أكثر صرامة من أوروبا تجاه روسيا، ومدت جورجيا بالمساعدات، غير أنها بدت مترددة وغير قادرة على تغيير وجهة الصراع على الأرض.

الغرب بشكل عام لم يكن يتوقع ما حصل على الإطلاق، وبدا وكأنه لا يمتلك إستراتجية واضحة للتعامل مع حرب بارد جديدة.

لقد غيرت حرب القوقاز المشهد العالمي، بل نحت به منحى خطيرا بالتهديد الروسي باستخدام السلاح النووي ضد بولندا ردا على توقيعها اتفاقية نشر الدرع الصاروخي.

إذا ما تماسك وقف إطلاق النار، وتوقف الاندفاع الروسي، فمن الممكن للغرب أن يعيد التعاون مع موسكو، وإن كان سيأخذ مصالحها وتهديداتها بشكل جدي.

أما الحكومة الجورجية فستكون الخاسر الأكبر، ولا أتوقع لها أن تصمد كثيرا، فبعد أن يتوقف هدير المدافع سيدفع ميخائيل ساكشفيلي على الأرجح ثمن تهوره وقلة خبرته وسذاجته السياسية.


ميدل ايست اونلاين

أضف تعليق