تعاني مؤسسات القضاء العراقي، سواء كانت محاكم جنائية أو محاكم للأحوال المدنية، من عزوف المواطنين في محافظة الأنبار غرب البلاد عن الاحتكام إليها فيما ينشب بينهم من نزاعات،
مُفَضِّلين بدلا من ذلك اللجوء إلى الزعماء العشائريين لحل مشاكلهم التي غالبًا ما تتعلق بنزاعات على الأراضي الزراعية والري والديون، وكذلك عقود النكاح والطلاق والإرث ومكاتبات البيع والشراء وغيرها.
تفضيل أهالي محافظة الأنبار، التي تمثل 33% من إجمالي مساحة العراق، لحل مشاكلهم من خلال مجلس العشائر أرجعه القاضي الأول في محكمة الرمادي الدكتور عبد الله أحمد الراوي إلى ضَعْفِ القضاء وعدم فاعليته وتأخره في إعادة الحقوق إلى أصحابها.
وأوضح الراوي، في تصريحاتٍ لمراسل الإسلام اليوم، أن 10% فقط من المواطنين لا يزالون يختصمون أمام القضاء الرسمي، في حين أن 90% منهم يفضل اللجوء إلى قيادات عشائرية بارزة لحل مشاكلهم.
ولفت إلى أنّ مَنْ يحتكمون إلى العرف والعادات والتقاليد العشائرية غالبًا ما يحصلون على حقوقهم بصورةٍ أسرع من هؤلاء الذين يلتجئون إلى المحاكم الرسمية.
ضعف الدولة
ورأى الراوي في تفضيل القضاء العشائري على القضاء الرسمي أمرًا طبيعيًّا في ضوء حالة الضعف التي تعاني منها الدولة العراقية، ما سَمَحَ ببروز سلطة عشائرية تمكنت من بسط الأمن في تلك المنطقة بعدما عجزت عن ذلك القوات الحكومية مُمَثَّلةً بالجيش والشرطة.
ويشير الشيخ عبد الستار جاسم السويداوي شيخ عشيرة البو سودة وأحد الزعماء القبليين في مدينة الرمادي إلى أن العشرات من المواطنين باتوا يلجئون لمجالس العشائر لاستعادة حقوقهم المسلوبة أو إطفاء مشاكل اجتماعية كثيرة فضلا عن فَضِّ خلافات الأسواق كالبيع والشراء.
ويوضح السويداوي، في اتصال هاتفي مع مراسل الإسلام اليوم، أنّ مجلس العشائر تمَكَّن من حل 242 مشكلة وخصومةً خلال شهر واحد أغلبها يتعلق بعمليات الثأر العشائري والديون المتراكمة والعِراك والسرقة، مُشَدِّدًا على استحالة الوصول لهذه النتيجة عن طريق قضاء غير مسنود بدولةٍ قويةٍ، فالنظام الحالي ليس له أية هيبة أو سطوة في الشارع العراقي.
بطالة المحامين
هذا الوضع كان له تأثيرُهُ القوي على أوضاع المشتغلين بمهنة المحاماة، فقد خلتْ مكاتبهم من المتقاضين، الأمر الذي دفع البعض منهم للبحث عن وظائف أخرى تُمَكِّنهم من كسب قوت يومهم.
يقول المحامي علي محمد (30 عامًا): نمارس اليوم وظيفة كاتب عرائض، وتُعْرَف في العراق باسم (العرضحالجي)، وهي كلمة عثمانية قديمة تعني كاتب الشكاوي اذ نقوم بطباعة شكاوى المواطنين وترتيب فكرة الشكوى لتقديمها إلى شيخ العشيرة الذي يقوم بحكم سلطته الاجتماعية باستدعاء المُدَّعِي والْمُدَّعَى عليه وحل الخلاف بينهما.
ويُرْجِع زكي القيسي موظف (43 عاما) عزوفَ المواطنين عن اللجوء للقضاء الرسمي إلى انتشار الفساد في جهاز الشرطة ووصول الرشى إلى أعلى مستويات القضاء فضلا عن ضَعْفِ هيبة السلطة الحالية.
شريعة الغابة أفضل!
ومن بين 12 محكمة عراقية رسمية في محافظة الأنبار تمارس خمسٌ فقط أعمالها على استحياء ومن وراء أسوار أسمنتية عالية تحيط بها خوفًا من عملياتِ استهدافٍ من تنظيم القاعدة بدعوى أنها تحكم بغير ما أنزل الله.
وقد هدد التنظيمُ بمهاجمة المحاكم أكثر من مرة، الأمر الذي أضاف سببًا آخر لعزوف المواطنين عن التوجه إلى القضاء.
ويرد محمد ناصر أحد العاملين في ديوان شيوخ عشائر الأنبار على مَنْ يُشَبِّهون الوضع في المحافظة بشريعة الغاب حيث تسود العشيرة الأكثر عددًا والأقوى تسلحًا ومالا، قائلا: شريعةُ غابةٍ أفضلُ من فوضى مدينة لا يحكمها إلا القتلُ والدمار، فنحن نقوم بواجبنا قدر المستطاع، ونحاول أن ننصر المظلوم وَفْقَ القيم العربية التي جُبِلْنَا عليها، كما أننا أسقطنا مقولة: القانون لا يحمي المغفلين، فقد أرجعنا حقوق مواطنين وقَعُوا في شباك نصابين سلبوهم أموالهم، مستغلين حالة الفلتان الأمني، على حَدِّ وصفه.
نفوذ تاريخي
وعلى الرغم من أن نفوذ القبائل والعشائر غالبًا ما يقتصر على المناطق البدوية إلا أنّ عشائر العراق نجحت في الحفاظ على دورها حتى في ظل الدولة المدنية، وكلما ضعفت سلطة الدولة في الأزمات والتوترات السياسية ازداد نفوذ العشيرة وقوتها.
وفي ظل حالة الضعف والتفكك التي أصابت الدولةَ العراقيةَ عَقِب الاحتلال الأمريكي اضطر معظم العراقيين للعودة إلى عشائرهم طلبًا للأمن وحفاظًا على حياتهم وممتلكاتهم وبغرض التقاضي، وأصبح رؤساء العشائر هم ذوي النفوذ والقرار.
والعشيرة العراقية ما زالت وحدة قائمة بذاتها، لها شخصيتها المعنوية والاجتماعية سواء في الريف أو حتى في المدينة، وعلى الدولة العراقية أن تتعامل مع هذا الواقع بشكل براجماتي لا سيما إزاء تنامي نفوذ العشائر الاجتماعي وازدياد ثقلها السياسي في ظل وجود اتحادات ولجان لرؤساء العشائر تنضوي تحت تنظيمات المجتمع المدني التي تأسست حديثًا.
الاسلام اليوم
قوانين العشائر تحكم العراق!.. عثمان المختار
