هيئة علماء المسلمين في العراق

استراتيجية أمريكا الجديدة فاشلة مسبقاً.. د. عماد الدين الجبوري*
استراتيجية أمريكا الجديدة فاشلة مسبقاً.. د. عماد الدين الجبوري* استراتيجية أمريكا الجديدة فاشلة مسبقاً.. د. عماد الدين الجبوري*

استراتيجية أمريكا الجديدة فاشلة مسبقاً.. د. عماد الدين الجبوري*

في يوم الخميس المصادف 14-8-2008 صدر تقرير من وزارة الدفاع الأمريكية يقع في 23 صفحة موسوماً: (استراتيجية الدفاع الوطني). ولقد صادق عليه وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس. يكشف التقرير عن استراتيجية عسكرية جديدة لمجابهة تهديد "الإرهاب المعقد" لا سيما تنظيم القاعدة، وكذلك لمقاتلة الفصائل العراقية المقاومة للاحتلال الأمريكي بطريقة حرب العصابات. وكانت هذه الحرب مفردة أساسية في مدارس القتال التابعة للجيش العراقي السابق الذي تحول ضباطه ومراتبه إلى الفصائل المقاومة.

وأشار الفريق الذي أعد التقرير إلى أن ربح الحرب غير النظامية في المستقبل على "الحركات المتطرفة والعنيفة" سيكون الهدف المركزي للولايات المتحدة.

وأكدوا ان على الجيش الأمريكي أن يستعد لمكافحة أكثر تنوعاً ولمدة طويلة ضد أعمال "التمرد والإرهاب" على المستوى العالمي، وهذا ما يسمونه "الحرب غير النظامية" التي تتطلب فترة زمنية طويلة.

وقال وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس أمام الصحافيين عن هذه الاستراتيجية الجديدة انها محاولة لإضفاء الصفة الرسمية على هذه الاستعدادات واستخلاص العِبر من حرب العراق وأفغانستان.

وأضاف أنه إذا كانت برامج الأسلحة التقليدية تحصل على القسم الأكبر من موازنة وزارة الدفاع المشتريات، فلا يتوفر في المقابل دعم سياسي لتأييد المطالب الجديدة التي تحتاج إليها هذه الحرب غير النظامية.

وأعلن أن الخطر لا يكمن في التضحية بالتحديث لتمويل هذا النوع من الحرب، بل يأتي من إمكانية أن نهمل هذه الحرب في المستقبل. كما أكد أن هدف بلاده يجب أن يركز على بناء علاقات شراكة وتعاون مع روسيا والصين بدل اعتبارهما عدواً.

واشار إلى أن أياً من البلدين لا يشكل ذلك الخطر الكبير على الولايات المتحدة في الوقت الحاضر. ومع ذلك فانه قد أشار إلى كليهما قائلاً: يستثمران في برامج تحديث مثيرة للقلق.

ومن بين المرتكزات الأساسية التي تعتمد عليها الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الجديدة في المرحلة المقبلة هي:

وضع الأولوية إلى "الحرب الطويلة" وجعلها متقدمة على مخاطر "الحرب التقليدية" مع الصين أو روسيا. ويرى كاتبوا التقرير أن الانتصار في الحرب الطويلة على "الحركات المتطرفة والعنيفة" سيشكل في المستقبل المنظور الهدف المحوري للولايات المتحدة. ولذلك شدد التقرير على ضرورة استثمار مبالغ كبيرة بشكل يدعم تفوقاً أمريكياً استراتيجياً مستديماً وجوهرياً.

ولقد جاء في التقرير أن "البيئة الاستراتيجية" التي تواجهها الولايات المتحدة في المستقبل القريب ستحددها مكافحة شاملة لايديولوجيا "متطرفة وعنفية" تسعى لقلب النظام العالمي.

ودعا التقرير إلى اكتساب تفوق في الحرب غير التقليدية مماثل للتفوق الذي تمتلكه الولايات المتحدة في الحرب التقليدية. كما دعا إلى التعاون مع الدول الحليفة والشريكة من أجل المساعدة على تقليص المناطق الخارجة عن السيطرة في العالم، وبالتالي حرمان "المتطرفين" من معاقلهم.


إستراتيجية فاشلة مسبقاً

من خلال السياق الموجز للتقرير الصادر من وزارة الدفاع الأمريكية ندرك أن هذه الاستراتيجية هي مجرد بحث آخر في رؤية تفتش عن وسائل وطرق جديدة تنقذ فيها أمريكا نفسها من الفشل الذريع الذي تلاقيه في حروبها التي شنتها باندفاع سريع دون أن تمتلك لها استراتيجية مستقبلية أصلاً، وهو ما جعلتها عاجزة عن حسمها عسكرياً بسبب حقائق الواقع الميداني والاجتماعي المتمثلة بفصائل المقاومة الرافضة للاحتلال الأمريكي سواء في العراق أو أفغانستان. كما أن المضي فيها قد كلفتها - وما زالت تكلفها - أثمانا باهظة بشرياً ومالياً وسياسياً ومعنوياً.

ومع ذلك فبدلاً من أن يحل هذا التقرير المعضلة التي تعانيها أمريكا نراه قد عمقها أكثر، وذلك بالتخطيط في زج الجيش النظامي بحرب غير نظامية من جهة ثم ربطها بأفق زمني طويل المدى من جهة أخرى وكأن أمريكا لم تتأثر بشيء طيلة السنوات الثمانية الماضية.

وهذا تخبط واضح يخالف ويجافي الحقيقة التي تعانيها الولايات المتحدة الأمريكية بسبب سوء قيادة بوش في سلسلة حروبه.

فالحرب على "الإرهاب" قد خلط فيها الحابل بالنابل دون دراسة وتمحيص لأصل المشكلة ومسبباتها لكي يتمكن من حلها بشكل حقيقي وصادق. كما أن بوش استغل التعاطف والتأييد الشعبي والدولي الرافض للإرهاب بحيث وظفها لمآرب وتطلعات المحافظين الجدد، وذلك بشن الحرب على العراق عام 2003 بعد أن مهد لها بحملة من الكذب والتضليل والتزييف التي صارت معروفة لدى الجميع من أسلحة الدمار الشامل إلى العلاقة بين تنظيم القاعدة والنظام العراقي السابق وغيرها.

وإذا سقطت مجموعة المحافظين الجدد، وخرجت من صنع القرار السياسي الأمريكي فإن بوش ما زال مستمراَ على نهجه حتى اليوم.

ان الاستراتيجية الجديدة هي ليست أكثر من نقلة أخرى من بين التنقلات الكثيرة التي اتبعتها وزارة الدفاع الأمريكية، كما تنقل وزيرها من رجل أكاديمي إلى أمني ثم عسكري إذ انه في كل مرحلة عسكرية - تنتهي نتائجها بإخفاق مرير - تظهر استراتيجية جديدة لتلافي الخيبة السابقة عليها، وهكذا دون الاعتراف الرسمي بفشل الحل العسكري الذي هو إرهاب أيضاً.

ولذلك كان الأجدر بالتقرير أن يتطرق إلى الخلل الذي مارسه بوش باستخدام القوة العسكرية لا للدفاع عن الأمن القومي الأمريكي كما يزعم، بل كأداة يستخدمها وفق منهجه السياسي والفلسفي في تغيير الأنظمة الحاكمة الرافضة للنهج الأمريكي وفي فرض سياسة أمريكية مطلقة وغيرها من الممارسات التي ورطت الجيش الأمريكي بقتال وحروب أنهكت طاقاته البشرية والمعنوية والنفسية.

وهذا الإنهاك الذي يعانيه الجيش الأمريكي - في العراق خصوصاً وفي أفغانستان عموماً - نرى انعكاساته في التقارير الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية، وكذلك الصادرة من وزارة الخارجية الأمريكية أيضاً، تلك التقارير التي تتحدث عن ظاهرة تصاعد الانتحار بين الجنود الأمريكان أو التي تشير إلى تفشي تعاطي المسكرات والمخدرات أو التقهقر النفسي والأمراض النفسية وغيرها من التقارير.

ثم ان أقوال وزير الدفاع روبرت غيتس عن هذه الاستراتيجية الجديدة التي صادق عليها يشوبها بعض الغموض والتناقض، ويمكننا توضيحها وفق النقاط التالية: 

أولاً: تأكيده على أن هذه الاستراتيجية الجديدة هي محاولة لإضفاء الصفة الرسمية على هذه الاستعدادات واستخلاص العِبر من حرب العراق وأفغانستان، ولكن الحرب في أفغانستان جارية منذ عام 2001، وفي العراق من العام 2003، وقد ظهرت أكثر من استراتيجية عسكرية أمريكية باءت كلها بالفشل. فما هو الضامن من نجاح هذه الاستراتيجية الجديدة لا سيما وأنها تبحث عن حل عسكري وليس سياسيا؟!.

ثانياً: قال انه إذا كانت برامج الأسلحة التقليدية تحصل على القسم الأكبر من موازنة وزارة الدفاع فلا يتوفر في المقابل دعم سياسي لتأييد المطالب الجديدة التي تحتاج إليها هذه الحرب غير النظامية.

وهذا يعني أن هذه الاستراتيجية الجديدة عرضة لعدم التطبيق إن لم تجد دعماً سياسياً كافياً لها. ونظراً الى حقائق الواقع الميداني في العراق وفي أفغانستان وما تعانيه القوات الأمريكية من خسائر جسيمة، وما يعلنه مرشح الرئاسة الأمريكي باراك أوباما من سحب القوات من العراق، والمعارضة الشعبية الأمريكية المتنامية لهذه الحرب، والتأثير الاقتصادي السلبي المتصاعد.. فإنه من المستبعد مستقبلاً أن يدعم مجلس النواب الأمريكي هذه الاستراتيجية الجديدة. 

ثالثاً: ان غيتس يعلم أن التقرير العسكري الذي صادق عليه لن ينجح دون الدعم السياسي، ولكنه أيضاً يدرك في قرارة نفسه أن هذا لن يكون. وبدلا من الاعتراف بهذه الحقيقة الناجمة بسبب إخفاقات وفشل الحلول العسكرية نجده يلويها بالقول: ان الخطر لا يكمن في التضحية بالتحديث لتمويل هذا النوع من الحرب، بل يأتي من إمكانية أن نهمل هذه الحرب في المستقبل.

رابعاً: أكد أن هدف بلاده يجب أن يركز على بناء علاقات شراكة وتعاون مع روسيا والصين بدل اعتبارهما عدواً، ولكن الفلسفة السياسية الأمريكية لا يمكن لها أن تستمر بدون وجود عدو يحفزها للوثوب عليه. كما أن هذه الفلسفة السياسية وثيقة الصلة بفلسفة الاقتصاد الأمريكي التي تشغل فيه الصناعة الحربية حيزاً مهماً وخطيراً، ولذلك فلا غرابة أن أردف غيتس كلامه بجملة تنم عما أشرنا إليه بقوله عن الصين وروسيا بأنهما يستثمران في برامج تحديث مثيرة للقلق. فإذا كان الأمر هكذا فعلام القول بأن كلا من البلدين لا يشكل ذلك الخطر الكبير على الولايات المتحدة في الوقت الحاضر.

أليس هذا تناقضا بغية تمرير ورقة التقرير لاستراتيجية عسكرية جديدة فاشلة مسبقاً.


* كاتب وأكاديمي عراقي


وكالة انباء يقين

أضف تعليق