أن تقع أعمال دامية في العراق فهذا ليس جديدا، لكن الظاهرة التي بدأت تلفت الأنظار ازدياد العمليات \"الانتحارية\" التي تنفذها نساء عراقيات.
يوم الأحد الماضي أوردت وكالات الأنباء أن امرأة فجرت نفسها في بغداد، وجرت معها إلى الموت سبعة أشخاص بينهم فاروق العبيدي نائب جماعة "الصحوة"، وهي جماعة سنية تتعاون مع الولايات المتحدة.
الخميس الماضي فجرت امرأة نفسها في شارع يقع جنوب بغداد، وجرت معها على الأقل ثمانية عشر شخصا إلى الموت قيل إنهم من الشيعة، في حالات نادرة جدا تدخل القدر لمنع الأسوأ.
قبل مدة وجيزة تمكنت قوى الأمن "العراقية" من اعتقال ثلاث نساء في شمال جنوب بغداد خططن للقيام بعمليات "انتحارية"، وقبل ذلك تم اعتقال امرأة أخرى قبل أن تنفذ مهمتها.
والتهمة التي وجهت إليهن: التجند لحساب تنظيم القاعدة للقيام بعمليات "انتحارية".
بيد أن الجيش الأمريكي والسلطات "العراقية" يستغلون كل فرصة للتأكيد على أن الوضع الأمني تحسن كثيرا في العراق وهم على بينة من انتشار الظاهرة الجديدة، لذلك اتخذوا إجراءات أمنية لمواجهتها، لكن الأنباء الواردة من العراق تقول شيئا مغايرا إذ يزداد عدد العمليات "الانتحارية" التي تنفذها نساء.
في شهر فبراير/ شباط وحده قتل ما يزيد عن مائة من المدنيين عندما قامت امرأتان بعملية "انتحارية" في سوق بمدينة بغداد في وقت كان يغص بالناس لقضاء حاجاتهم.
وفي نهاية يوليو/ تموز الماضي جرت ثلاث نساء معهن إلى الموت ما يزيد عن ستين شخصا في عملية ببغداد تلتها عملية أخرى في كركوك.
زاد عدد العمليات "الانتحارية" التي قامت بها نساء في الأشهر القليلة المنصرمة عن أكثر من عشرين عملية.
في غضون ذلك يتحدث الإستراتيجيون عن تكتيك جديد يشكل مشكلة أمنية كبيرة وتحد كبير للجيش الأمريكي وسلطات الأمن "العراقية"، فالذين أوجدوا هذا التكتيك يعرفون تماما أن النساء يملكن خصائص تميزهن عن الرجال يمكن استغلالها لتنفيذ عمليات "انتحارية".
ويمكنهن حمل حزام من المتفجرات تحت العباءة السوداء الطويلة التقليدية إذ لا يتعرضن عند نقاط التفتيش لتفتيش مكثف مثل الرجال، لكن هذا أصبح في حكم الماضي.
بعدما زادت شكاوى أجهزة الأمن "العراقية" من قلة عدد الشرطيات اللواتي يمكن الإيعاز لهن بتفتيش النساء جرى إنشاء جهاز "بنات العراق" للقيام بتفتيش النساء، وهي محاولة يائسة لمنع العمليات "الانتحارية" التي تنفذها نساء.
وهذه الفكرة سبق أن بدأ الأمريكان يطلبون من "العراقيين" تنفيذها، وقاموا بداية بالعمل في برنامج "أبناء العراق" كما بدأت جماعة "الصحوة" تقوم بحراسة شوارع حساسة في مناطق السنة.
وقد جذب إنشاء جهاز "بنات العراق" أيضا نساء من خارج بغداد بعضهن أرامل طلبن الانخراط في صفوف الجهاز ليس بدافع وطني بقدر ما هو بدافع الفقر والحاجة وعدم وجود مصادر دخل مادي وتأمين القوت لأبنائهن.
وتعتبر هذه بمثابة ثورة؛ لأن المجتمع العراقي محافظ.
وتأتي هذه الظاهرة بعدما ضيق الجيش الأمريكي وقوى الأمن "العراقية" الخناق على الجماعات المناهضة لهم من خلال تكثيف المداهمات وزيادة عدد نقاط التفتيش في العاصمة "العراقية" حتى أصبح صعبا جدا على الرجال عبور نقاط التفتيش لتنفيذ مهامهم.
وتقول قيادة الجيش الأمريكي في العراق إن تنظيم القاعدة ابتكر هذا التكتيك الجديد ليستخدم آخر أسلحته، ويختار النساء اللواتي مستواهن التعليمي ضعيف جدا أو معوقات أو مختلات عقليا، لكن ليس هناك أدلة تثبت ما يقوله الأمريكان.
الجيش "العراقي" له وجهة نظر أخرى، ويرى أن النساء اللواتي يقمن بهذه العمليات الدامية هن أرامل أو شقيقات أو قريبات يحملن الجنود الأمريكيين وقوى الأمن "العراقية" مسؤولية مقتل أقاربهن، ولذلك يقمن بهذه العمليات الانتقامية.
وقد فكر كثيرون للتعرف على أسباب ظاهرة قيام النساء العراقيات بعمليات "انتحارية".
يقول البعض إن هناك ما يكفي من الأسباب والدوافع على ذلك منها أن العنف أصبح روتينيا في العراق وأن النساء أنفسهن عشن تجارب مريرة نتيجة العنف سواء كان من خلال العمليات التي يقوم بها الجيش الأمريكي الذي يراه غالبية العراقيين جيش احتلال أو من خلال العنف داخل الأسرة.
كما ان هناك رأيا آخر يقول إن بعض الرجال يجبرون نساءهم أو شقيقاتهم على أن يغررن بنساء من خارج العائلة للقيام بهذه العمليات مرة بدافع قومي ومرة تغريرا بالمال بعد أن يعدون بتقديمه لأسرهن الفقيرة.
وهناك نساء فقدن أزواجهن أو أبنائهن ليكن فريسة سهلة أمام القاعدة أو غيرها لإقناعهن بالانتقام لأقربائهن.
ويقوم الجيش الأمريكي بصورة خاصة في البحث عن أسباب انتشار ظاهرة العمليات "الانتحارية" التي تنفذها نساء، وإنشاء جهاز "بنات العراق" خطوة للحد منها قدر المستطاع.
وتقول الخبيرة السياسية الأمريكية لندساي أوروركي التي أجرت دراسة لمعرفة أسباب الظاهرة إنه في الغالب هناك دافع وهدف مشترك لمنفذ العملية "الانتحارية" بغض النظر عما إذا كان رجلا أم امرأة.
لا يعرف الجيش الأمريكي فيما إذا جرى تأسيس جماعة نسائية تقاوم الاحتلال، فمن بين 21 ألف سجين عراقي يحتجزهم الجيش الأمريكي "هناك خمسة عشر امرأة فقط"؟!.
وتقول الخبيرة السياسية أوروركي إن عمل "بنات العراق" لا يوفر للجيش الأمريكي حماية رادعة بنسبة مائة بالمائة.
وتضيف أن تأسيس جهاز "بنات العراق" قد يوحي أن الجيش الأمريكي يقوم بشراء ولاء النساء العراقيات حيث تحصل كل سيدة منتمية للجهاز على راتب يتراوح بين 200 و300 دولار، وهذا مبلغ كبير في بلد لا هم فيه للناس سوى الكفاح من أجل البقاء.
وتقترح أوروكي أن يجري خفض عدد الجنود الأمريكيين في الأحياء السكنية والتخلي عن مداهمة بيوت المواطنين، لكن هناك أيضا من يضيف أنه طالما هناك جو من اليأس والفقر والعنف فإن نساء العراق لا يختلفن عن الرجال في سعيهن لمقاومة الاحتلال.
العرب اونلاين
لماذا تفجر العراقيات أنفسهن؟.. سمير عواد
