نحو عالم متعدد الأقطاب - عيسى الشعيبي
فيما كانت الصين تدشن ، عبر افتتاحها المدهش لفعاليات أولمبياد بكين ، عصراً خاصاً بها كدولة عظمى قادمة على الطريق ، وتؤكد من مهد أقدم الحضارات ، بكل بلاغة ورصانة واقتدار ، على حضورها الكوني كقطب دولي آتْ على صهوة جواد القوة الناعمة ، كانت روسيا تشرع في اليوم ذاته عملية استرداد مكانتها السابقة كقطب دولي آخر قادم على ظهر دبابة ثقيلة ، أذهلت هي الأخرى الأبصار والعقول ، بسرعة تحركها ونجاعته في أراضي جورجيا المشاغبة ، فبدت كمن أخذت تقاسم جارتها الآسيوية دهشة وانبهار عالم كان لا يزال بعد تحت تأثير سحر انبعاث العملاق الصيني المتمادي في فضائه الشاسع ، بتؤدة ورشاقة وفعالية مذهلة بكل المعايير المعاصرة.
واذا كان قد تم استقبال أوبة الصين الى عصر الأقوياء ، ودخولها عالم الكبار ، بصمت لا يخلو من التحسب لدى العواصم الغربية ، خصوصاً لدى العاصمة الأميركية ، وبارتياح شديد بالمقابل في بلاد عديدة ، فقد كان الاستقبال الغربي لاعلان روسيا عن اقتحامها المدوي للمعادلة الدولية القائمة على أساس القطبية الواحدة ، استقبالاً موزعاً بين الخشية والارتباك وقلة الحيلة ، في مواجهة ما بدا أنه الافتتاحية الروسية الأولى من سيمفونية العودة الى شرفات الزمن السوفياتي الضائع ، في لحظة يباس عقائدي مروع قبل نحو عقدين تسيدت فيها الولايات المتحدة مشارق الأرض ومغاربها واستبدت بها دون أي منازع.
ومع أنه كان مقدراً لدى معظم المفكرين والخبراء والاستراتيجيين ، بل حتى لدى النخبة السياسية الأميركية ، حتمية انتهاء عصر القطبية الواحدة في وقت لن يكون طويلاً ، الا أن سرعة انبثاق العملاق الصيني ، وفق ما تجلت عليه عناصر قوة تنينه الأسطورية في افتتاح مهرجان أولمبياد بكين ، بالتزامن مع خروج روسيا من شرنقة ضعفها القيادي المزمن ، وهي الدولة التي كانت قد استردت مؤخراً عافيتها الاقتصادية ، نقول ان هذه العودة الباذخة من جانب كل من بكين وموسكو الى معادلة القوة الدولية المختلة ، بكل هذه الفعالية الباعثة على استحضار شتى السيناريوهات ، قد وضعت الولايات المتحدة ، باعتبارها القوة العظمى الوحيدة ، أمام حقائق صادمة لم تنجح الى الآن في كبحها أو وقف تداعياتها الواسعة على كل صعيد.
ولعل المتابعة المتأنية عن بعد ، لردود الفعل الأميركية المرتبكة والمفتقرة الى مقومات القدرة الواقعية على التأثير الحقيقي في مجرى التطورات المتسارعة على المسرح القوقازي ، فضلاً عن مسارح أخرى عديدة ، تبين بوضوح شديد أن القطب الدولي الأوحد ، الذي ملأ خشبة المسرح الكوني ، لعقدين وأكثر ، قوة لا تبارى ، ونفوذاً لا يجارى ، وسطوة لا حد لها ، قد بدأت تعتريه ، بعد طول مكابرة ، بعض علامات الشيخوخة المبكرة ، ويطفح على جلدته بعد الحرب الظالمة على العراق ، الكثير من عوارض التراجع ومظاهر الانكفاء ، ناهيك عن بدء العد العكسي لعملية هبوط متدرجة عن تلك المكانة الطاغية التي تربع عليها وحده دون شريك له ، منذ انهيار زمن القطبية الثنائية في بداية تسعينات القرن الماضي.
ذلك أن الحقائق الاقتصادية والتجارية والمالية التي واصلت الصين مراكمتها فوق قاعدة بشرية هائلة ، والمكانة العالمية الرفيعة التي ظلت بكين ترتقي الى سدتها عقداً بعد آخر ، الى أن بلغت احدى ذراها السامقات في أولمبياد بكين قبل أيام ، لم تكن يوماً محل نقاشات صاخبة ، ولا موضوع أخذ ورد عالي الوتيرة ، لدى سائر الدول المخاطبة بهذا الصعود الصيني الوطيد ، وذلك بالقياس الى هذا الصخب ، وكل هذه الحرب الكلامية وهذا الارتباك الذي أشاعه التحرك العسكري المباغت في نطاق جغرافيا سياسية تتعدى حدود جورجيا الضيقة ، أي نطاق الملعب الذي لا يملك فيه الغرب ، ولا يستطيع حياله ، مجاراة القوة الروسية الكاسحة.
وهكذا فان هذه الحقائق الجديدة التي باتت تملأ عين الشمس ، تشير دون أدنى ريب الى أننا نقف اليوم على أعتاب عصر جديد متعدد الأقطاب ، سوف يواصل اعادة انتاج نفسه وتعزيز ملامحه بين كل جولة وأخرى من جولات صدام الارادات في هذا الملعب الصغير أو ذاك ، ويرسخ نفسه مع كل انكفاءة تلحق باللاعب الأميركي الذي يبدو أنه قد أصيب بالاعياء أخيراً ، وافتقد مضاءه القديم على وقع خسائره المتتالية ، وذهب ببعض من شهيته المفرطة للسيطرة والتفرد والتحكم ، بل والكثير من قدراته على المماحكة ، بعد كل ما كان قد ألحقه بنفسه من فشل وتراجع واخفاق ، ظل يرافق أداءه العسكري في غير ساحة واحدة ، ويصاحب مبادراته السياسية في كل مكان على وجه التقريب.
لذلك فان علينا أن نترقب في هذه المنطقة على وجه الخصوص ، بكثير من الفضول وامعان النظر ، انعكاسات هذه التطورات الكونية عميقة الغور ، على المجريات السياسية الراهنة في الشرق الأوسط الواسع ، لنرى مدى تأثير ذلك كله على الخيارات الأميركية المتضائلة ازاء الملف النووي الايراني ، ناهيك عن الخيارات الاسرائيلية ، فضلاً عن تأثير ذلك كله على المساعي الدبلوماسية المتآكلة يوماً بعد يوم فيما يخص المبادرة الأميركية المتعلقة بحل الدولتين ، وتتبع مضاعفات هذه التبدلات على المشهد الأبعد في الباكستان والصومال ولبنان والسودان ، وغيرها من الميادين التي أخفق فيها اللاعب الأميركي ، بل وعجز تماماً عن تحقيق أي هدف كبير يمكن تسجيله في رصيد ادارة أميركية أفل نجمها في وقت أبكر من أجل تبديلها أواخر العام الحالي.
الا أن ذلك كله لا يعني التسرع في استباق النتائج والوصول الى استخلاص مفاده أننا نقف اليوم أمام انقلاب جذري في ميزان علاقات القوة الدولية الممسوكة بعد باحكام من جانب الولايات المتحدة ، ولا يشير بالضرورة الحتمية الى أننا نعيش لحظة تبدلات كونية دراماتيكية. اذ ستبقى واشنطن صاحبة القوة الأعظم والنفوذ الأوسع الى أجل متوسط غير معلوم المدى ، فيما سيؤدي تنامي الصعود المتفاوت الوتيرة لدى أقطاب دولية أخرى ، الى ارتخاء القبضة الأميركية ، وربما فكفكتها رويداً رويداً في العديد من مطارح القوة الموزعة في سائر أرجاء الكرة الأرضية ، خصوصاً في مطارح قصية متباعدة ، مثل المحور القوقازي الذي ظل يعتبر على الدوام بمثابة الفناء الخلفي تاريخياً لروسيا منذ أيام القيصرية.
وليس من شك في أن المحصلة الأولية للانبعاث الصيني غير المباغت ، والعودة الروسية المتوقعة سلفاً ، تنطوي في حد ذاتها على تطورات عميقة من شأنها أن تتيح هامش مناورة أوسع أمام الدول الصغيرة والقوى الاقليمية ، للدفاع عن مصالحها بصورة أفضل مما كان عليه الحال في زمن القطبية الأحادية ، وايجاد حلول أكثر عدالة لمشكلاتها ، التي تفاقمت حدتها مع ازدياد حدة الخلل في ميزان العلاقات الدولية ، وهو أمر سوف تنظر اليه شعوب هذه المنطقة من العالم بكثير من الارتياح ، وتعقد عليه آمالاً قد تكبر أكثر فأكثر مع ارتخاء القبضة الأميركية تدريجياً ، وبروز عالم متعدد الأقطاب وتبلور قواعد ارتكازه على نحو أوضح مع مرور مزيد من الوقت.
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
نحو عالم متعدد الأقطاب - عيسى الشعيبي
