(متى كنا نحن العرب نبحث عن انتصارات لكي نغضب ونشمئز ونزعل ونحترق على هزائم رياضينا في الأولمبياد؟!. ومنذ متى نحن نقارع العالم في تقدمه وتطوره سواء علمياً أو سياسياً أو اقتصادياً؟!)..
الشارع العربي مصدوم صدمة كبيرة في هذه الأيام، وكلٌ يضرب كفا بكف، ويصاب بالغثيان والاشمئزاز والضيق، وآخرون ينتظرون عودة البعثات الرياضية من بكين ليكيل لها السب والشتائم، ويحملها السبب في خيبة أمل الشعوب وشعورها بالمرارة والهزيمة.
العديد من أيام أولمبياد بكين مرت ولم يعانق الذهب أي عنق من أعناق رياضيينا العرب (باستثناء عنق السباح التونسي أسامة الملولي)، فاغضب ذلك الشارع العربي عامة.
وحين أفكر بالسبب لا أجد سبباً واحداً لهذا الغضب والحنق والمرارة التي علقت بحلق هذه الأمة. فماذا نريد بميدالية ذهبية ونحن نمتلك جبالا من الذهب، ونمتلك ثروات هائلة جداً؟!.
فأحد مليونيرات العرب يستطيع شراء كل ميداليات بكين الذهبية ويوزعها كيفما يشاء، ولو امتلكت المال لفعلتها، وأسعدت العرب الذين صدمتهم مرارة الهزيمة التي لم يتعودوا عليها منذ زمن بعيد، ولم يغضبوا أو يشعروا بالمرارة إلا في هذه الأولمبياد الصينية!!.
لم يسأل أحد من شعوبنا العربية الغاضبة والثائرة نفسه كم يكلف البطل الأوليمبي أو بالأحرى الميدالية الذهبية؟!.
فهناك من قدرها بمليون أو مليوني دولار أميركي، أي - وحسب هذا التقدير - لو حصدنا عشرين ميدالية ذهبية مثلاً نحتاج لأربعين مليون دولار، وهذا المبلغ في عرف المسؤولين عنا وقادتنا لا نستفيد منه شيئا سوى رقصة لاعب في حلبة انتصاره لمدة دقائق، وينتهي المولد.
وهو تصور صريح من حكماء العرب وقادتهم، فكيف نهدر طاقات وثروات البلد على ميدالية ذهبية لا يستفيد منها أحد سوى اللاعب لبرهة من الزمن وتذهب أدراج الهواء، ونحن في أمس الحاجة لكل دولار لتحقيق المزيد من الانجازات التنموية والعلمية والثقافية ولمزيد من الانتصارات في حلبات أخرى؟!.
ولكن الطمع والجشع العربي - الذي اصبح سمة من عظمة الانتصارات اليومية - جعلنا نريد تحقيق كل شيء، ونتفوق على كل العالم بكل شيء، وعليه جاءت هزائم بكين خيبة أمل وصدمة للشارع العربي المنتشي بالانتصارات والانجازات والمكلل بذهب نفيس في ميادين أخرى!. فلنترك للعالم إذن فرحتهم بالرياضة.
بالعربي "جتنا خيبة". فمنذ متى كنا نحن العرب نبحث عن انتصارات لكي نغضب ونشمئز ونزعل ونحترق على هزائم رياضينا في الأولمبياد؟!. ومنذ متى ونحن نقارع العالم في تقدمه وتطوره سواء علمياً أو سياسياً أو اقتصادياً؟!. ومتى يكون لنا حضور في التظاهرات الكبرى؟!.
فالمهزوم حياتياً ونفسياً كيف سينتصر رياضياً؟ إنها السخرية التي ما بعدها سخرية، وأنت تجلس ساعات منفعلاً تراقب أحد الأبطال العرب وهو ينهزم، ويحتل ذيل القائمة، ولا تجني سوى خيبة الأمل التي تعودنا عليها، وأصبحت عنوانا عريضا مدونا خصيصاً باسم العربي.
ومنذ أن تنظر إليه، وتشاهد ملامحه العربية تدرك أنه مهزوم مسبقاً. فإن كانت اقسى أمنية البطل المصري هشام مصباح صاحب ميدالية البرونز بالأولمبياد الحصول على وظيفة تستر حياته، هذا البطل استغل حصوله على ميدالية برونزية (أولمبية) ليطلب تحقيق أمنية حياته بوظيفة، لكم أن تتصورا وتتخيلوا أن دافع هذا البطل لتحقيق انجاز هو أن يُشتهر، ويحقق شهرة تمكنه من طلب وظيفة، فهل تتمنوا أبطالا؟!.
إن كان هشام مصباح قد أجاب عن أسباب هزائمنا الرياضية، واستطاع أن يوصل صوته لقادته لكي يستطيع الحصول على وظيفة، فماذا سيفعل جيش الشباب المهزوم الذين لن يستطيعوا الوصول إلى بكين أو غيرها؟؟!.
من يستمع للبطل المصري الذي أصبح حصوله على ميدالية فضيحة عبر عنها بأمنيته بوظيفة بعدما كانت شرفا، فهل تريدون ذهبا بعد هذا؟!.
لقد أكلتنا الهزائم، وحولتنا لشعوب... وكفى بالله شاهداَ.
ميدل ايست اونلاين
أعناقنا وذهب بكين!.. سامي الأخرس
