بقطع النظر عما صنعت إيران ودورها في إسقاط بلدين عربي هو العراق ومسلم هو أفغانستان، أقول: إذا صرفنا النظر عن هذا الموقف المتآمر لإيران، فإنها مدرسة كبرى في السياسة.
لقد استطاعت أن تلعب في ملعب الكبار، وتخرج حتى الآن سالمة مع المحافظة بثبات على الهدف الاستراتيجي، وهو الاستمرار في تخصيب اليورانيوم وصولاً إلى امتلاك السلاح النووي ومناورة في المستوى التكتيكي بغية كسب الوقت اللازم لها لتصل إلى هدفها، وهي تراوح بين قبول المبادرات التي يسميها الغرب سلة الحوافز وبين الإصرار على الهدف، وفيما بين ذلك تلعب في الوقت الضائع لتصل إلى ما تريد.
لقد حددت الثوابت، فهي لا تتنازل عنها، وفي ذات الوقت هي تناور، وتداور في المنطقة التكتيكية في مدرسة التماسيح وغابة الوحوش المسماة الساحة الدولية والشرعية الدولية.
وهي حتى الآن تلعب معهم أو تلعب بهم جميعاً.
وتأمل أصول المناورة.. هي تعلم أن أمريكا متورطة في حدودها مع كل من أفغانستان والعراق، وهي التي سعت حثيثاً بمخبريها من أمثال الجلبي وأضرابه الى تقديم المعلومات التي ورطت بها أمريكا التي كانت ترغب في التورط المتوافق مع أطماعها في وضع اليد على منابع النفط وخطوط مواصلاته، فلما انغرزت أقدام أمريكا في وحل كل من البلدين بدأت إيران تلعب مع أمريكا لعبة الاستغماية، وهي سكّتت أتباعها في كل من البلدين، بل أفتت بتجريم وتحريم الجهاد فيهما لتزداد أمريكا تورطا حتى إذا كشفت إيران عن مخططاتها كانت أمريكا في حال من الانشغال والغرق في الأوحال فلا تقدم على ضربة لإيران، وهي في الأثناء تعمل، وتواصل كلال الليل بكلال النهار دأباً وعملاً للدخول إلى نادي الكبار من ممتلكي أسلحة الدمار وتحديداً السلاح النووي، وهي في كل ذلك تمارس باطنية متقنة، وتقية تراكمت فيها خبرات القرون، وهي تحمد؛ لأنها تعمل لصالح بلدها.
لكن لننظر إلى مجمل سياسات العالم العربي: ما الاستراتيجي وما التكتيكي في السياسة العربية؟. ما الثابت وما المتغير؟. ما المناورة التي يقوم بها العالم العربي ليمضي نحو أهدافه؟. وما هي أهدافه أصلاً؟. هل نحن مع قضايانا؟. وهل لنا قضية أساساً؟.
لماذا لم يكن للعالم العربي سياسة ثابتة في امتلاك أسباب القوة؟. لماذا لم يكن لنا مبادئ ثابتة في تحقيق نوع من التقارب والتجاور والتعايش.. على الأقل؟. لماذا أغضت بلد موازٍ لإيران هو مصر عن مثل هذا الإصرار في امتلاك السلاح الذري؟. هل هي الحكمة أم الغفلة؟. ولماذا وضع العدو المحمي - بالمطلق - من أمريكا نصب عينه أن يدخل عرين الكبار النوويين منذ الخمسين؟. ولم نفكر نحن بعد خمسين سنة أن نلحق بهم؟.
لماذا تناور إيران وهي تمتلك أسباب القوة وعناصر الضغط وشروط التفاوض، ونصر نحن على الذهاب إلى التفاوض عرياً مجردين؟. سياسة عباس أنموذجاً.
إيران - على الرغم من مراراتنا منها - مدرسة في السياسة، واستطاعت في النهاية أن ترسخ نهجها، وتثبت أقدامها، وأثبتت أن الثبات يوصل إلى النتائج، وأن سياسة مواصلة التنازل لا يبوء صاحبها إلا بأشد الخسران وأسوأ النتائج.
وتأمل نهج أوسلو الذي قبل فيه قادة الثورة أن يشكل أمنون شاحاك جهاز الأمن الوقائي بقيادة دحلان في غزة والرجوب في الضفة للنيابة عن «إسرائيل» في مقاومة المقاومة، ثم حصرت قيادة المنظمة حتى الموت.
آن أن تراجع السياسة العربية نفسها ومسيرها، وإلا وصلت إلى نهايات عرفات المأساوية، فهل من مدكر؟.
جريدة السبيل الأردنية
السياسة الإيرانية.. د. أحمد نوفل
