بعد ان بقيت قضية كركوك تمور تحت وسادة السياسين الجدد في العراق طيلة سنوات الاحتلال الخمسة الماضية، قفزت الى الواجهة مع الاعلانات المتكررة من قبل الادارة الاميركية عن احتمالات الانسحاب من العراق، مما اثار قلق ومخاوف هؤلاء السياسيين،
وبرزت معضلة الحصول على اكبر قدر ممكن من الدعاية السريعة، فالساسة الاكراد يريدون القول، انهم حققوا اهدافهم بضم كركوك الى المنطقة الشمالية من العراق، عسى ان يخفف ذلك من النقمة المتزايدة في الشارع الكردي، على هؤلاء السياسيين، بسبب ارتباطهم بمشروع اميركا في احتلال العراق، وعدم قدرتهم على تحقيق اي تقدم في الميدان الخدمي والتعليمي والسياسي، وبقاء البلد في حالة من التدهور والخراب، والسياسيون الاخرون لا يريدون الظهور بصورة من باع جزءا من العراق، ضمن صفقات سياسية مفضوحة امام الجميع، وبسبب ادراك اطراف العملية السياسية دخول هذه العملية في مرحلة قلقة ومضطربة نتيجة لصياغتها على اسس طائفية وعرقية، وبما يخدم المشروع الاميركي في العراق، ومع شروع اميركا في عملية ترتيب انسحابها، ازداد الارتباك والوهن في مرتكزات العملية السياسية الحالية، وبصورة عامة هناك ثلاثة عوامل تشترك في اعطاء اهمية استثنائية لمدينة كركوك العراقية، هي وجود الثروة النفطية فيها، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين المنطقة الكردية والمناطق العربية، وتنوع القوميات والطوائف في مدينة كركوك، ومن المعروف ان اوضاع المدينة ومايطلق عليه بتقرير مصيرها، قد احتلت حيزا كبيرا من الاوضاع السياسية في العراق خلال السنوات الخمس المنصرمة.
وبدلا من ان ينعم الجميع بخيرات هذه المدينة، يرى البعض ان نفط كركوك، وهو جوهر الصراع، والمحفز الاساسي للنزاع، قد يتسبب بحرق هذه المدينة، وهو مايخشاه الكثيرون، ويحاول تجاهل هذا الخطر السياسيون الطامعون بتحقيق اي منجز لسد عورات ما عملوا في حيزه طيلة سنوات الاحتلال، رغم الاخطار الجمة التي تكتنف ذلك، .
ولاعطاء التصور الدقيق، عن واقع ومستقبل مدينة كركوك، لابد من التوقف عند العوامل الثلاثة، التي ذكرناها، والتي نعتقد انها اساسية، ولا بد من التوقف عندها، لمن يريد رؤية الصورة بجميع تفاصيلها .
اتجهت الانظار الى المدينة، التي ظهرت فيها النار الازلية، قبل اكتشاف النفط عام 1927، أي بعد سنوات سبع من تاسيس الدولة العراقية، وحرص البريطانيون على استثمار ابار النفط، التي تم اكتشافها هناك، واعطتها الحكومات العراقية في العهد الملكي الذي انتهى عام 1958، والحكومات اللاحقة اهتماما خاصا، نظرا لاهمية الثروة النفطية في دعم الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بصورة رئيسية على صادراته من النفط، وبينما حرصت الحكومات المركزية في بغداد علىاستثمار الثروة والاستفادة منها في التنمية ، فقد سعت الاحزاب الكردية العراقية لربط مدينة كركوك بالمناطق الكردية، وبذلت جهودا كبيرة لاضافتها الى المحافظات الثلاث(السليمانية، اربيل، دهوك)ذات الغالبية الكردية، وتم تاطير هذه المحاولات بشعارات سياسية، ومشاريع تتحدث عن اقليم كردي، يمهد للانفصال، وتشكيل كيان كردي مستقل في شمال العراق، ولهذا يرفع الاكراد شعارا يقول(كركوك قلب كردستان)، وضعون هذا الشعار باماكن كثيرة، على هضاب الجبال في اربيل والسليمانية ودهوك.
راقبت القوى السياسية الكردية ومعها قوات البيشمركة الاوضاع في العراق، وسارعت الى استثمار التخلخل الامني، الذي حصل عقب انتهاء حرب الخليج الاولى عام 1991، لتدفع بالكثير من قواتها الى مدينة كركوك، في محاولة لضمها الى المناطق الشمالية ذات الغالبية الكردية، لكن حكومة بغداد حينذاك، لم تقبل بالتخلي عن كركوك، في حين حصلت المحافظات الشمالية الاخرى على حماية من قبل الطيران الاميركي، الذي واصل التحليق بما اسموه بـ(الملاذ الآمن).
خلال عقد التسعينات والسنوات التي سبقت الغزو الاميركي للعراق، حرص السياسيون الاكراد من الحزبين الرئيسيين، اللذان عملا مع المعارضين لنظام صدام حسين، على زج موضوع كركوك في جميع الاجتماعات والمؤتمرات والنقاشات، التي تتناول مستقبل الاوضاع في العراق، وتحرص قيادات الحزبين الكرديين (الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يراسه مسعود البارزاني) على تغليف موضوع كركوك بالحديث عن الغالبية الكردية في هذه المدينة، للاستحواذ عليها ، واحتياز نفطها، ضمن المشروع السياسي، الذي خططوا له قبل غزو العراق، بتقسيم العراق الى اقاليم، ومايتضمنه ذلك من تقاسم للثروات، وهنا نلامس جوهر القضية وحقيقة الصراع على كركوك، وهو النفط.
اما السنوات الاربع الماضية، أي بعد الاحتلال الأميركي للعراق في ربيع عام 2003، فقد تصدر موضوع مدينة كركوك النفطية الواجهة، وبذل السياسيون الاكراد كل ما وسعهم لحسم موضوع كركوك، وانصبت جهودهم على مرحلتين، الاولى تتمثل باعلانها مدينة كردية، وضمها الى المناطق الكردية بصورة رسمية، وبعد ذلك تطبيق الفقرة الخاصة بالفدرالية، التي حرص السياسيون الجدد في العراق، على تثبيتها وعملوا على تقسيم العراق الى فيدراليات، وبذلك يتحقق مايهدف اليه الداعون الى الفدرالية، والقصد منها تقسيم العراق على اساس وجود الثروة النفطية، ولهذا فان التسمية الاكثر دقة هي الفدرالية النفطية.
ان كل من يدقق بالنوايا والجهود المبذولة لتطبيع الاوضاع في كركوك، يكتشف بسهولة، ان الدوافع هو الاستحواذ على الثروة النفطية الموجودة في هذه المدينة، وان الشعارات والاحاديث الاخرى، ليست سوى الغطاء الذي تتحرك تحته تلك النوايا، ولتحقيق هذا الهدف، تتواصل النشاطات والنقاشات والاتفاقات، للحصول على الثروة النفطية والاستحواذ عليها بصورة كاملة.
تحتل مدينة كركوك موقعا جغرافيا في غاية الاهمية، فهي نقطة الاتصال المركزية بين المدن الكردية الرئيسية(السليمانية واربيل)والعاصمة العراقية بغداد، في حين تتصل مناطق دهوك بالموصل، وتتماس كركوك بصورة مباشرة مع الاجزاء الشمالية من محافظة صلاح الدين، وترتبط بحدود واسعة مع مناطق ديالى، وعلى الجهة الاخرى، فان الطرق الرئيسية، التي تريط مع المحافظات الشمالية تتوزع من مفصل مدينة كركوك، وهناك طريقان رئيسيان يربطان بين بغداد واربيل والسليمانية، الاول، الذي يمر عبر منطقة ديالى صعودا الى كركوك، وهناك طريق رئيسي اخر هو طريق دهوك-الموصل-كركوك، ومن هناك يتفرع الى المناطق الشمالية، وينزل جنوبا الى مدينة بغداد.
ان السيطرة على كركوك من قبل سلطة اقليم الشمال، الذي يجري العمل على تاسيسة تمهيدا للانفصال عن العراق، يوفر مناطق تماس مع ثلاثة محاور رئيسية، الاول باتجاه العاصمة بغداد، والثاني باتجاه الغرب صوب الحدود السورية باتجاه الموصل، والثالث باتجاه الشرق صوب الحدود الايرانية، عن طريق النقاط الحدودية في منطقة ديالى، وتحديدا عن المعبر الرئيسي (المنذرية) وهي منفذ مهم مع ايران.
اما اذا تحقق مايخطط له السياسيون الجدد (الذين امسكوا بمفاصل السلطة في ظل الاحتلال الاميركي) من تقسيم العراق الى اقاليم، فان مدينة كركوك، تحقق الاتصال بالاقليمين الرئيسيين وهما، اقليم المنطقة الغربية، عن طريق مناطق صلاح الدين المحاذية لكركوك من الجنوب الغربي، واقليم بغداد من خلال مناطق ديالى، ويوفر ذلك فرصة للانفتاح مستقبلا مع هذين الاقليمين، ولن تكن هناك اية صعوباتن في التواصل مع اقليم الجنوب، عن طريق مناطق ديالى المحاذية لعدة مناطق تابعة لمدينة كركوك.
لكن اذا فشل الاكراد في ضم مدينة كركوك الى الاقليم الذين يعملون على تشكيله، فان المناطق ذات الغالبية الكردية (اربيل، السليمانية، دهوك) تصبح في عزلة شبه تامة، ولن يتحقق غرض السياسيين الاساسي من الفدرالية، وهو الاستخواذ على الثروة النفطية الهائلة في مدينة كركوك ، ووجود مناطق تماس عديدة مع مناطق العراق (الفيدرالية).
يسكن مدينة كركوك خليط من القوميات الرئيسية الثلاث في العراق وهم التركمان، العرب والاكراد، كما يسكن فيها المسيحيون، وقطنها اليهود ايضا حتى بداية خمسينيات القرن العشرين، عندما تم تهجير غالبية اليهود العراقيين الى فلسطين خلال الفترة من 1949 الى 1951، ويتوزع السكان على الكثير من القبائل والعشائر الكردية العراقية، كما يسكن في كركوك مايزيد على اربعين عشيرة وقبيلة عربية، ولم تسجل اية نزاعات اوخلافات بين ابناء مدينة كركوك، الا ان السنوات الاربعة الماضية، وبعد احتلال العراق، حصلت الكثير من التوترات، بسبب ممارسات الاحزاب السياسية، التي تعمل على تنفيذ اجندة خاصة بها، وبالاتجاه الذي يخدم مشاريعها الرامية الى السيطرة على كركوكن والاستحواذ على ثروتها النفطية، والاستفادة من موقعها الجغرافي، وعلى الطرف الاخر، فان هناك الكثير من المخاوف والسعي لتغيير هوية مدينة كركوك، بهدف ضمها للاقليم الكردي، ويتم ذلك على حساب ابناء المدينة، الذين عاشوا فيها خلال مئات السنين، وتحاول العديد من القوى السياسية، اثارة الحساسيات بين المكونات الاجتماعية والعرقية في مدينة كركوك، ضمن برنامج مخطط له بدقة، ويهدف الى اشعال الفتنة بين مكونات المجتمع العراقي، الا ان العديد من القوى والشخصيات الوطنية، تبذل جهودا مضنية للمحافظة على العلاقات بين ابناء كركوك، بعيدا عن مشاريع السياسيين العراقيين الجدد ومخططاتهم، التي تهدف الى تقسيم العراق الى اقاليم، على طريق تمزيقه وتفتيته. تطفو مناطق كركوك على خزين هائل من النفط، وتتجه انظار السياسيين العراقين الجدد الى هذه الثروة، فالبعض يريدها حصريا لهذه الفئة او تلك، كما تتجه انظار البعض الآخر الى نفط البصرة، ويحاول طرف ثالث الحديث عن ثروات مناطقية، وبما يؤسس لتقسيم العراق وتخريب بنيته الاجتماعية المتماسكة، وبدلا من ان تصل خيرات النفط الى العراقيين جميعا، ودخول ذلك في برامج تنموية شاملة، تجد هناك من يعمل على اشعال نار النفط فوق الارض، وبما يضعها في بؤرة التوتر على طريق اشعال الفتن، وبسبب الطمع بهذه الثروة والتفكير الضيق ذي التوجهات الفئوية، الذي يزخر بالانانية، ولا علاقة له بالمشروع الوطني العراقي، فإن المحاولات جارية لاشعال النفط، على اوسع نطاق فوق ارض كركوك، ومن المعروف ان البحث عن فرص لتحقيق اهداف خاصة، لم تخفه العديد من الاطراف السياسية الحالية، لان جوهر العملية السياسية التي بدأت مع الاحتلال، انما وضعت اسسها على طريق التنافس الطائفي والعرقي، ومن اهم تلك الاسس هو تقاسم الوزارات والحصول على الثروات، ما جعل اللهاث وراء المكاسب هو الاساس، بعيدا عن التفكير بمصلحة المواطن، ولهذا خصص السياسيون الجدد في العراق مادة في قانون ادارة الدولة الذي وضعه حاكم الاحتلال الاميركي بول بريمر، هي المادة 58 لمدينة كركوك، وخصصوا المادة (140) من الدستور لمدينة كركوك ايضا، وتشهد الاجتماعات والنقاشات وتقاسم المناصب والسلطات، حوارات طويلة، حول مستقبل مدينة كركوك، حرصا من اصحاب هذا التوجه للاستحواذ على ثروة المدينة النفطية، رغم وجود احتمالات قوية لاشتعال المدينة، بسبب طمع هؤلاء بنفط كركوك، الذي قد يتسبب بحرقها بالكامل، وانعكس الارتباك والتخبط بين اطراف العملية السياسية حول كركوك بالانتقال الى وضع المادة 24 الخاصة بتقاسم سلطة المجلس المحلي، ورفضها من هذا الطرف وقبولها من اطراف اخرى، ثم تتوج كل ذلك بفشل البرلمان في التوصل الى صيغة توافقية، ما يؤكد وجود خلل هائل في البنية الاساسية للعملية السياسية، التي بناها الاحتلال الاميركي في العراق، ابتداء من قانون ادارة الدولة، الذي وضعه بول بريمر عام 2003 وصولا الى الوقت الحالي.
ان خلاصة ما دار ويدور حول مدينة كركوك، يؤكد ان العملية السياسية مهترئة وانها مصممة على اساس هيمنة المحتل الاميركي، إلا ان فشل المشروع الاميركي سرعان ما انعكس على هذه العملية التي اخرجت جميع سيئاتها مرة واحدة، وانفضحت ألاعيب السياسيين، لانهم ارتضوا الخوض في مياه المحتل الآسنة.
كركوك ومحرقة العملية السياسية... وليد الزبيدي
