هيئة علماء المسلمين في العراق

عودة التقاطب العالمي!.. عبد الفتاح العربي
عودة التقاطب العالمي!.. عبد الفتاح العربي عودة التقاطب العالمي!.. عبد الفتاح العربي

عودة التقاطب العالمي!.. عبد الفتاح العربي

الحرب الأخيرة في القوقاز التي امتدت على مدار خمسة أيام، وانتهت بأمر الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف بوقف العمليات العسكرية على جورجيا، أثارت لدى جل السياسيين سؤالا ملحا يتمثل في: هل عاد الدب الروسي ليعيد زمن التقاطب إلى المسرح العالمي، ويقضى بذلك على محاولة الولايات المتحدة الانفراد بالقرار الدولي أم ان العلمية بأكملها لم تكن إلا محاولة روسية للمحافظة على ما تبقى لها من مصالح تريد واشنطن أن تنتزعها منها بطرق مختلفة؟.

الحقيقة أن روسيا أبدت في العديد من المواقف السياسية التي اتخذتها حرصها الكبير على المحافظة على هيبتها العالمية والإبقاء على نفوذها الاقتصادي خاصة في العديد من المناطق التي لها علاقات متينة معها.

ولعل أهم علاقة تريد روسيا أن تكون ورقة ضاغطة في يدها هي علاقتها مع الاتحاد الأوروبي الذي تسعى واشنطن إلى إخضاعه إلى مقاربتها الإستراتيجية في المنطقة والضغط عليه حتى يقبل بالرؤية الأمريكية ووجهة النظر التي تنتهجها في علاقاتها الخارجية.

ولا غرابة في ذلك؛ لأن أسس هذه العلاقة المتينة مبنية على مصالح اقتصادية كبيرة إذ ان روسيا تعد المزودة لأوروبا بمواد الطاقة من النفط والغاز عبر الأراضي الجورجية، فربع احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز تؤمنه روسيا.

وإذا كانت طبيعة العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي مبنية على أساس اقتصادي متين فإن واشنطن تسعى أولا إلى فك الارتباط بينهما من خلال إيجاد مصادر للطاقة تعيد الاطمئنان لدول الاتحاد الأوروبي، وتجعلها لا تفكر في الضرر الاقتصادي الذي قد يلحق بها لو توقف الإمداد الروسي لها.

إن سياسة عزل روسيا اقتصاديا التي تنتهجها واشنطن لم تنجح حتى الآن في جعل روسيا ترضخ للمطالب الأمريكية، وما استخدام التوتر الهائل والمفرط في ردع التحرك الجورجي نحو استعادة أوسيتيا الجنوبية بالقوة إلا دليل على أن القرار الروسي ما زال له وزنه دوليا، وما زالت روسيا قادرة على اتباع السبل التي تراها قادرة على المحافظة على أمنها الداخلي والخارجي وعلى مصالحها الاقتصادية والتعبير عن رفضها لما يحاك ضدها وضد مصالحها.

وإن كانت جورجيا قد انصاعت لأوامر واشنطن باجتياح أوسيتيا الجنوبية استرجاعا منها للحكم الضائع دون أن تقدم لها أية ضمانات ودون أن تقرأ حسابا لردة الفعل الروسية، فإن ذلك لم يكن كافيا ليحميها من ضربات عسكرية موجعة تمكنت خلالها روسيا في ظرف خمسة أيام من الاستيلاء على 18 بالمائة من الأراضي الجورجية وتمكنها من السيطرة على إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا المنشقين عن جورجيا بمساحة بلغت 4800 ميل مربع.

الحرب في القوقاز أعطت العديد من الرسائل المختلفة وفي العديد من الاتجاهات: الرسالة الأولى إلى واشنطن، وهي أن الدب الروسي ما زال يمتلك مخالب قادرة على الفتك بكل من يحاول المساس بالمصالح الحيوية لروسيا، لذلك فعلى الولايات المتحدة أن تفكر مليا قبل اتخاذ أي إجراء يهدد الأمن الاقتصادي لموسكو.

الرسالة الثانية للاتحاد الأوروبي مفادها أن عليه أن يعرف كيف يحافظ على مصالحه الاقتصادية مع روسيا، ولا ينساق كليا وراء السياسة الأمريكية؛ لأنها لا تلزمها، وحتى التطمينات التي تقدمها له لا يمكن أخذها بجدية؛ لأن الموازين الاقتصادية متغيرة، وليست ثابتة، وإن وعدت أمريكا دول الاتحاد الأوروبي بنفط العراق فإن ذلك لا يمكن أن يكون مطمئنا لها؛ لأن المشهد العراقي ما زال لم يعرف الأمن بعد، وذلك ما يجعل تغير الأمور فيه ممكنا بين لحظة وأخرى.

أما الرسالة الثالثة فإنها موجهة إلى جورجيا، ومفادها أن ما قامت به مثل انتهاكا للسيادة الروسية، وما ردة الفعل التي أبدتها روسيا إلا درس للرئيس الجورجي ساكاشفيلي حتى لا يتجرأ مرة أخرى، ويفكر في استعادة أوسيتيا الجنوبية بالقوة.

إن ما أقدمت عليه موسكو مثّل لدى أغلب المتابعين للمسرح السياسي العالمي حدثا مهما في قراءة التوازن الدولي من جديد، فقد أعاد الموقف الروسي للأذهان زمن التقاطب الثنائي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي سابقا.

كما مثّل الموقف الروسي خروجا عن الإملاءات الأمريكية التي تسعى إلى قيادة العالم من خلال جعل نفسها القطب الأوحد الذي يحرك كل دواليبه، لكن الحقيقة الميدانية أثبتت أن هذا الحلم الأمريكي ما زال لم يتحقق بعد إذ ان هناك في العالم من يرفض هذا المنطق، ويعده ضربا لسيادة الدول وهيبتها.

وإن استطاعت العولمة الأمريكية أن تنمط العالم ثقافيا فإنها لا تقدر على تنميطه اقتصاديا وسياسيا، وذلك؛ لأنه ما زال هناك من يقف بقوة بوجه الهيمنة الاقتصادية الأمريكية على مقدرات العالم الطاقية، وما التحرك الروسي الأخير إلا دليل على ذاك الرفض.


العرب اونلاين

أضف تعليق