منذ نحو عامين أقرّ مجلس النواب الفرنسي قانونًا يُعَاقِب بالسجن كُلَّ من يُنْكر إبادة الأرمن عام 1915 على أيدي الأتراك العثمانيين.
وقد تزامَنَ إقرارُ القانون مع بَدْء لجنةٍ مستقلةٍ من رواندا، تضم مُؤَرِّخين وخبراءَ قانونيين، جلساتِ سماعٍ علنيةٍ عن دور فرنسا في عمليات الإبادة التي تعرّض لها 800 ألف شخصٍ عام 1994.
جاك بيهو زاغارا القيادي السابق بالجبهة الوطنية قال: إنّ فرنسا كانت تسعى الى المحافظة على نفوذها في أفريقيا، وكان مسؤولوها يرون أنّ دولة فرانكفونية هُوجِمَتْ على يد دولةٍ أنجلوسكسونية، في إشارةٍ إلى قواعد التمرُّد حينها بأوغندا المجاورة.
وقال بيهوزاغارا، الذي شغل مَنْصِبَ سفير بلاده بباريس: إنّ فرنسا أرسلت جنودًا وأسلحةً، ودرّبت القتلة، وأقامت الحواجز لتسهيل مهمتهم بإبادة التوتسي، ثم سعتْ لحمايتهم فيما بعد عندما كانت تقود البعثة التي أرسلتها الأمم المتحدة. وكانت إحدى أعنف المذابح تلك التي وقعتْ بقرية بيسيسيرو حيث قُتِل خمسون ألفًا من التوتسي، واتُّهِم الجنودُ الفرنسيون بأنهم غرَّرُوا بالضحايا، وأَخْرَجُوهم من مخابئهم.
اللجنة أنجزت مُهِمَّتَها بعد أن استمعت لشهادات عديدين من باحثين ناجين من المذابح - كتاب ومراسلين صحفيين - وأصدرتْ تقريرًا في 500 صفحة اتهمت فيه فرنسا بلعب دورٍ فَعَّالٍ في الإبادة الجماعية في رواندا.
وذكر التقرير أسماء 33 شخصيةً فرنسيةً سياسيةً وعسكريةً قال إنه يجب محاكمتهم، ومن بينهم رئيس الوزراء السابق دومينيك دوفيلبان والرئيس السابق فرانسوا ميتران.
وقال التقرير: إنّ فرنسا كانت على عِلْمٍ بالاستعدادات للإبادة الجماعية، وساعدتْ على تدريب ميليشياتٍ قبيلة الهوتو التي ارتكبتْ تلك الجرائم، فيما شاركت قوات فرنسية مباشرة في أعمال القتل.
وأشار التقرير إلى ارتكاب عسكريين فرنسيين عملياتِ اغتصابٍ لناجياتٍ من التوتسي.
وزيرة الإعلام الرواندية لويز موشيكيوابو قالت في تصريح إذاعي: إن التقرير اعتمد على أقوال شهود فرنسيين، وكذلك على وثائق مكتوبة في تلك الفترة. وأضافت: ان رواندا تطمح إلى تعاونٍ جيِّدٍ من الحكومة الفرنسية ومن الأعضاء الضالعين في تلك المجزرة.
وزير الخارجية الفرنسي بيرنارد كوشنير نفى في وقت سابق من هذا العام أنْ تكون بلاده مسؤولةً عن الإبادة الجماعية، لكنه اعترف بارتكابها أخطاء سياسية، في حين أنكرت وزارة الدفاع الفرنسية أي حياد وشرعية للجنة التحقيق الرواندية في دور فرنسا في المجازر. وأشار عسكريون إلى أنّ باريس لا تعترف بأية شرعية أو صلاحية للجنة التحقيق الرواندية.
وفي شهر تموز/ يوليو من العام الماضي قالت صحيفة اللوموند الفرنسية: إنها حصلت على مستندات تُثْبِت أنّ الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران كان يدعم نظيره الرواندي جوفينال هاباريمانا؛ لأنه كان يرى أنه يُشَكِّل سدًّا منيعاً لوقف المد الأنجلو سكسوني في المنطقة، ولهذا تجاهل ميتران إشاراتِ التحذير من بدء المجازر الجماعية في العام 1990 بعد أيامٍ من إرسال فرقة المظليين الفرنسية إلى رواندا التي تزايدت بعد أيام من اغتيال هاباريمانا في العام 1994 بعدما تسلّم الحكم الرئيس بول غيغالي.
الاتهامات الرواندية لفرنسا جِدِّيَّة وخطيرة، ومع التقدير بأنّ التقرير قد لا يخلو من أهداف سياسية أو حتى مبالغات إلا أنّ ما فيه - مجملا - يجب أن يستوقف المجتمع الدولي خصوصًا مع الزعم بأنّ ذلك المجتمع مُهْتَمٌّ بحقوق الإنسان إلى الحدِّ الذي يَسْمَحُ بانتهاك سيادة الدول - وهو المبدأ الذي يدعو اليه وزير الخارجية الفرنسية كوشنير - كما حصل في العراق!.
أليس من الْمَعيب ألا تتوقف الجهات الغربية - التي تزعم الاهتمام البالغ بحقوق الإنسان - بجديةٍ عند التقرير؟!.
فرنسا التي نشطت تمامًا في قضية دارفور، وأيَّدَت طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو باعتقال الرئيس عمر البشير حتى ان رئيسها نيكولا ساركوزي دعا البشير إلى الإصغاء إلى المحكمة الدولية، وطالَبَه باتخاذ إجراءات تُثْبِتُ أنّه "فهم الرسالة" التي وُجِّهَتْ له من المحكمة!.
إنّ فرنسا مُطَالَبَةٌ بأكثر من التشكيك بمصداقيةِ اللجنة وحيادِيّتها خصوصًا وأنّ هناك أصواتٍ فيها تؤيد بعض ما جاء في استنتاجاتها من تورطٍ فرنسيٍّ رَسْمِيّ.
فهل يمتلك أوكامبو القدرة أو الإرادة على أَنْ يُحَقِّق في التورط الفرنسي في جرائم الإبادة في رواندا؟.
في تشرين الاول/ أكتوبر الماضي تفَجَّرَت في تشاد فضيحة محاولة خَطْفِ أكثر من مئة طفل تشادي وشحنهم إلى فرنسا على يد الجمعية الفرنسية "الخيرية" آرش دو زوي، الامر الذي أدّى إلى سفر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى تشاد لاحتواء القضية الخطيرة، مُصَرِّحًا بأنه يسعى لحلٍّ يحفظُ ماءَ الوجه، ومُنَدِّدًا بالعملية، وواصفًا إياها بـ"غير القانونية وغير المقبولة"؟!!.
الرئيس التشادي إدريس ديبي ردد اتهامات خطيرة للخاطفين بالسعي لاستغلال الأطفال جنسيًّا ولبيعهم كقطع غيار بشرية.
أمّا أخطر ما في الموضوع فهو اتهام المعارضة الفرنسية لحكومة بلادها بأنها كانت على عِلْمٍ بخطة نقل الأطفال، ولم تفعل ما هو كافٍ للحيلولة دون ذلك!.
وفي السياق نفسه قال رئيس الوزراء الاشتراكي السابق لوران فابيوس: إننا وَضَعْنَا أنفسنا في موقف صعب، ونحن نُريد معرفة دور السلطات الفرنسية في هذه القضية.
إنّ القضية على خطورتها - واحتمالية أن تكون رأسَ جبل الجليد الظاهرة - منتشرةٌ تحت ستار العمل الخيري والإنساني، وهناك اتهامات متكاثرة بتغطية فرنسية رسمية للخاطفين، وكان المقابل لتلك الحماية التي قدمتها القوات الفرنسية للرئيس التشادي في مواجهة الانقلابيين في بداية العام الجاري العفو عن الخاطفين وإطلاق سراحهم لِيُسْدَل الستار على تفاصيل جريمة فظيعة، وتُدفن أسرار كثيرة عن انتهاكات مُرَوِّعة لحقوق الأطفال والإنسان.
من التاريخ الاستعماري في الجزائر وغيرها إلى خطف الأطفال إلى اتهامات رواندة وكوانتناموا وأبو غريب وفيتنام وغيرهاالكثير شواهِدُ صارخة على تَوَرُّطِ الغرب تاريخيًّا وحاليًّا بانتهاكاتٍ لحقوقِ الإنسان، وأنّه يستخدم شعاراتِ الحقوق والحريات أدواتٍ للابتزاز السياسي ووسائلَ للهيمنة والاستحواذ.
الاسلام اليوم
مجازر رواندا.. والدور الفرنسي.. د. ياسر سعد
