هيئة علماء المسلمين في العراق

روسيا وجورجيا.. حسابات المكسب والخسارة.. مصطفى عياط
روسيا وجورجيا.. حسابات المكسب والخسارة.. مصطفى عياط روسيا وجورجيا.. حسابات المكسب والخسارة.. مصطفى عياط

روسيا وجورجيا.. حسابات المكسب والخسارة.. مصطفى عياط

لا تُعَدُّ الحسابات والسياقات التي بنى عليها الرئيس الجورجي مايكل ساكاشفيلي قرارَه بإرسال قوات بلاده لإعادة السيطرة على إقليم أوسيتيا الجنوبية المنشق عن جورجيا، بأي حالٍ أفضلَ من تلك الحسابات التي على أساسها اتخذ الرئيس العراقي صدام حسين قرارَه باحتلال الكويت عام 1990!؛ فالأخير ظنّ أن العالم سيكتفي ببيانات الشجب والإدانة، وكانت النتيجة إعداد أكبرِ حشد عسكري شهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية لإخراجه من الكويت.

أما ساكاشفيلي فقد توقع أن يحتشد الأمريكيون والناتو لإنقاذه من مخالب الدب الروسي، لكنه لم يحصد سوى بيانات الشجب والإدانة، فيما يصب الروس حمم نيرانهم فوق رأسه!.

وبِغَضِّ النظر عن الاتهامات المتبادلة والمبررات التي يسوقها كل طرف، فإن قرار ساكاشفيلي المتهور مَنَحَ الروس فرصةً ذهبيةً لإعادة الاعتبار والهيبة لوجودهم في منطقة القوقاز ذات الموقع الاستراتيجي بالغ الأهمية، فقد أدّى تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلالُ كُلٍّ من جورجيا وأرمينيا وأذربيجان الى تَقَلُّصِ النفوذِ الروسي هناك لأقصى حد.


اعتصار البرتقالة!

وبالفعل فإن موسكو تبدو عازمةً على اعتصار البرتقالة حتى آخر قطرةٍ بما يؤدي في النهاية الى تفكيك القوة العسكرية لجورجيا، وإيجاد أوضاعٍ جديدةٍ على الأرض تَدْعَمُ الموقفَ التفاوضيَّ لحلفائها في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وهو ما تكشف عنه المعارك على الأرض.

فقد وسعت القوات الروسية من ميدان المعركة ليتجاوز أراضي أوسيتيا إلى العمق الجورجي، وهو ما اعتبرته مجلة التايم الأمريكية دلالةً على سَعْيِ روسيا، مستغلةً خطأ ساكاشفيلي الاستراتيجي، الى تلقين كُلِّ من يتحالف من جيرانها مع الغرب درسًا قاسيًا.

وبشكل عام فإن قراءة خريطة الصراع بين روسيا وجورجيا، وما يتفرّع عنه من تداعيات إقليمية ودولية، يحتاج إلى فكّ طلاسم شبكة العلاقات المعقدة في منطقة القوقاز التي تختلط فيها الجغرافيا بالتاريخ والسياسي بالاقتصادي.

فعلى سبيل المثال لا يمكن فهم الصراع الدائر دون معرفة التعقيدات التاريخية لعلاقة روسيا وجورجيا، كما أن هذا الفهم لا يكتمل دون الأخذ في الاعتبار مخزونات الطاقة الهائلة التي تسبح فوقها المنطقة، وما يرتبط بها من خطوط لنقل النفط والغاز إلى الأسواق الخارجية.


حروب الطاقة

وإذا كانت روسيا ترفع لافتة تأمين حقوق ومصالح الأقليات ذات الأصول الروسية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لتبرير تدخلها في جورجيا اذ نجح الدعم الروسي في تأمين استقلالٍ من طرف واحد لكلا الإقليمَيْن، إلا أنّ الكثير من التحليلات تربط هذا التدخل بالحرب غير المعلنة بين مختلف القوى الدولية للوصول إلى الاحتياطات الهائلة من النفط والغاز في بحر قزوين حيث تُعَدُّ جورجيا المخرجَ الوحيدَ لنقل النفط والغاز المستخرج من المنطقة دون المرور بروسيا أو إيران، وذلك من خلال خط أنابيب يبدأ من باكو في أذربيجان مرورًا بجورجيا، ومنها إلى ميناء جيهان التركي.

ولا يرتبط سَعْيُ موسكو للسيطرة على أنابيب النفط بالعائدات المادية الهائلة التي سوف تجنيها من جراء مرور هذه الأنابيب في أراضيها وحسب، ولكنّ الأمر يمتدُّ ليشملَ أهدافًا استراتيجيةً تتعلق برغبة روسيا في تعميق دورها كموردٍ أساسيٍّ للنفط والغاز إلى أوروبا، وهو ما يَجْعَلُهَا بمثابة الصنبور الذي يتحَكّم في كميات النفط والغاز التي يجري ضَخُّهَا في شرايين الاقتصاد الأوروبي.

ولهذا الدور أبعادٌ سياسية دَفَعَتْ أمريكا لاتهام موسكو باستخدام النفط كأداة لتحقيق أهداف سياسية بما يتجاوز كَوْنَهُ سلعةً اقتصاديةً تخضع لقانون العرض والطلب.

وإضافة إلى النفط وأنابيبه فإن التمسك الروسي بموطئ قدمٍ في منطقة القوقاز يرتبط بخطوط التجارة العالمية، فقد أدى تفكك الاتحاد السوفيتي الى حرمان روسيا من العديد من منافذ الوصول إلى البحار المفتوحة، ولذا فإنّ موسكو تسعى للعب دورٍ مِحوريٍّ في حركة التجارة بين أوروبا والهند، وذلك في إطار مساعيها لاستعادة دورها على الساحة الدولية.


فرصة ذهبية

وفيما يتعلق بالنزاع الحالي، الذي أطلقت جورجيا شرارته الأولى، فإنّ بعض المحللين يرون أن الرئيس الجورجي مايكل ساكاشفيلي، وإن كان قراره الأخير قد منح الروس فرصةً ذهبية لاستعراض قوتهم دون أن يتهمهم أحد بإطلاق الرصاصة الأولى، لكنه لم يكن يملك خيارات أخرى، فالانفصاليون في أبخاريا وأوسيتيا الجنوبية عزَّزُوا في السنوات الأخيرة من أوضاعهم، وكاد الاستقلال أحادي الجانب الذي منحوه لأنفسهم، اعتمادًا على دعم موسكو، أن يصبح حقيقة نهائية.

ولهذا فإنه انتقل لموقع المبادر بالهجوم باعتبار أن المواجهة ستكون محتومةً عاجلا أم آجلا لا سيما وأن روسيا سعت خلال الأشهر الأخيرة الى تهيئة الأجواء الدولية لِتَقَبُّل الأمر الواقع في أبخاريا وأوسيتيا الجنوبية أُسْوَةً بما أقره المجتمع الدولي في إقليم كوسوفو حيث استندت الأمم المتحدة على رغبة سكان كوسوفو في الانفصال عن صربيا كسببٍ رئيسٍ لمنح الإقليم حقَّ إنشاء دولة مستقلة، وهو ما ينطبق على سكان الإقليمين الذين صَوَّتُوا بأغلبية كاسحة في استفتاء داخلي على الاستقلال عن جورجيا.


تقديرات خاطئة

ويبدو أن التقديرات التي بنى عليها ساكاشفيلي قراره بشن الحرب اعتمدت على أن المبادرة بالهجوم سوف تمنحه الفرصة للسيطرة سريعًا على الأوضاع في أوسيتيا، ثم يمكن بعد ذلك الدخول في مفاوضات مع الانفصاليين في ظِلّ أوضاع ومعطيات جديدة على الأرض.

كما أنه راهن على أن الروس لن يُغَامروا بتدخلٍ عسكريٍّ مباشرٍ في الصراع تجنبًا لاتساع رقعة المواجهة في الإقليم لتشمل أمريكا والناتو، ولو من وراء ستار!.

وفي مقابل ذلك فإن القرار الروسي بالرد العسكري المباشر كان سريعًا وحازمًا، فقد أظهر رئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين أنه ما زال الرجلَ القَوِيَّ حتى ولو كان قد أصبح رسميًّا الرجل الثاني في البلاد، ولذا فإنه بادر، من بكين الموجود فيها لحضور افتتاح دورة الألعاب الأولمبية، بالتأكيد على أن ما فعلته جورجيا يستوجب ردًّا عسكريًّا انتقاميًّا، وهو الموقف ذاته الذي تبناه الرئيس دميتري ميدفيديف، مُشَدِّدًا على أن روسيا سوف تدافع عن مواطنيها بكل الأشكال، في إشارةٍ إلى الجنسية الروسية التي يحملها شطرٌ كبيرٌ من سكان أوسيتيا.

وفي ذات السياق سارعت أبخازيا وأوسيتيا الشمالية الى إرسال مئات المتطوعين عبر الحدود للقتال بجوار الانفصاليين في أوسيتيا الجنوبية، وذلك لحين وصول المدد العسكري من موسكو.


معطيات روسية

هذا الموقف الروسي الحازم اعتمد على عدة معطيات، أولها: أنّ جورجيا هي التي بادرت بالهجوم، وبالتالي فإن موسكو في موضع الدفاع عن النفس ورَدِّ العدوان، وهو وَضْعٌ تُقِرُّه كل المواثيق الدولية خاصةً وأن العديد من سكان أوسيتيا يُعَدُّون رعايا روسًا في ضوء حَمْلِهِمْ للجنسية الروسية، كما أن الهجوم الجورجي تَسَبَّبَ في وقوع قتلى وجرحى في صفوف قوات حفظ السلام الروسية المنتشرة في أوسيتيا، وفقًا لاتفاقٍ رسميٍّ وقَّعَتْ عليه جورجيا، وهو ما يُمَثِّلُ عدوانًا مباشرًا على روسيا، يمنحها حقَّ الرد.

وفي ضوء هذه المعطيات فإنّ روسيا أرادت، من خلال ردها العسكري العنيف، توجيهَ رسالةٍ قويةٍ إلى الرئيس ساكاشفيلي ومن ورائه حلف الناتو، مفادها: أنّ مساعيَه لمنح الحلف موطئَ قَدَمٍ على التخوم الجنوبية لروسيا لن تَمُرَّ دون عقاب، كما يبدو أن بوتين أرادَ البرهنة عمليًّا لساكاشفيلي على أن الناتو وأمريكا لن يُغَامِرَا بالتضحية بمصالحهم مع موسكو أو بِخَوْضِ مواجهةٍ عسكريَّةٍ معها دفاعًا عن جورجيا، وأنّ غاية الأمر هو مَنْحُهُ دعمًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا، وحتى هذا سيبقى محدودًا بسقف الفيتو الروسي في مجلس الأمن.


كوسوفو مقابل أوسيتيا

الموقف الروسي في الصراع الحالي صاغته صحيفة الأوبزرفر البريطانية بشكلٍ موجز اذ اعتبرتْ أن روسيا استخدمت غلطة جورجيا كذريعة لإذلالها ورَدْعِها عن تحدي سلطة موسكو ثانية، مستلهمةً درس استقلال كوسوفو، وكأنها تقول: إذا كان حلف الناتو قد سَهَّلَ استقلال كوسوفو عن صربيا حليفةِ روسيا فبإمكان الأخيرة انتزاعُ أوسيتيا الجنوبية من جورجيا حليفة الناتو.

وإجمالا فإن روسيا وحدها، وليس أمريكا أو الناتو أو جورجيا، هي من يملك توقيتَ الطلقةِ الأخيرة في الحرب الحالية، وهذا التوقيت يتوقف على المدى الذي تنوي موسكو الذهاب إليه في تأديبها لجورجيا وعلى مضمون الرسائل التي تستهدفها من وراء ذلك.

أما جورجيا فإنها لا تَمْلِكُ سوى الاستمرار في المراهنة على الدعم الغربي وإنْ تأَخّر، فيما يُرَاهِنُ الغَرْبُ نفسه على ارتكاب الروس خطأ يعادل الخطأ الذي ارتكبته جورجيا بما يعيد لِكِفَّتَي الصراع توازنهما أو على الأقل يُعِيدُ الأمور لِوَضْعِهَا السابق قبل اندلاع القتال.


الاسلام اليوم

أضف تعليق