وقفات مع الكبار ..الشيخ ذو النون خميس المعبر الهيتي رئيس الجمعية الخيرية للبر والإحسان في هيت
إعداد الشيخ مهند عبد العزيز الهيتي
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين... وعلى آله وصحبه أجمعين... أما بعد :
فقد أخبر الله تعالى في قرآنه المجيد أنه خلق الإنسان للعبادة والطاعة وبناء الحياة على الأخلاق الفضيلة، والنهوض بالقيم النبيلة وعلى هذا الدرب الفطري سار الأنبياء والدعاة والمصلحون والعلماء حتى زهت ألوان الحياة وتجسدت صور النبل والوفاء والصدق لمجتمعات تفخر بها الإنسانية في مراحل متعددة من تاريخ الحياة على الأرض.. وهكذا نرى كل عالم وداعية عَمِلَ وفق هذه الفطرة قد نجا وقدم خيراً لنفسه ولبقية الناس وكل من خالف وشذ عن ذلك نجد اسمه في زاوية مظلمة من زوايا التاريخ، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
حديثنا اليوم عن علم من أعلام مدينة هيت، تلكم البقعة التي خرجت كثيراً من العلماء والفهماء والخطباء والشعراء ممن يشار إليهم اليوم بالبنان.
حديثنا هذه المرة عن الشيخ الفاضل المرحوم "ذو النون خميس المعبر الهيتي" رئيس الجمعية الخيرية للبر والإحسان في هيت، وعضو الهيئة الاستشارية لهيئة علماء المسلمين.. هذا العالم الذي أُطلق عليه لقب "شيخ الفقراء" لحبه للفقراء والمساكين.. والذي قضى عمره بالبر والتقوى.
ولد الشيخ رحمه الله تعالى في مدينة هيت سنة 1937م.. ودرس في المدرسة النظامية سنة 1944م، ثم تخرج منها ليلتحق بدوحة العلماء المباركة.. ودخل المدرسة الدينية سنة 1952م، وأكمل دراسته فيها، حيث درس القران الكريم والنحو الصرف.. وتعلم الفرائض وكان مولعا بهذا العلم.
وقد تتلمذ الشيخ ذو النون "رحمه الله" على عدد من كبار المشايخ والعلماء، منهم الشيخ العلامة الشيخ طه علوان السامرائي، والشيخ ضياء الدين الخطيب، ودرس عند الشيخ إبراهيم جدي رحمهم الله جميعاً..
عيّن الشيخ ذو النون "رحمه الله" في مسجد باب الغربي، وبقي فيه مدة طويلة.. ثم نقل إلى حديثة، وبعد ذلك إلى ((أبو طيبان)) ثم إلي قرية البوحياة، وعيّن بعدها خطيباً في جامع علي الهيتي في حي البكر عبر جسر هيت، ثم عين إماماً في جامع الفاروق.. ليحال بعد ذلك إلى التقاعد..
وكان زملاؤه في الدراسة الشيخ إحسان عبد الكريم إمام وخطيب جامع علي بن أبي طالب في هيت، والشيخ زهير رشاد الخطيب خطيب جامع الفاروق في هيت.. وغيرهما
شغل عدة مناصب منها: رئيس الجمعية الخيرية للبر والإحسان في مدينة هيت، وعضو الهيئة الاستشارية لهيئة علماء المسلمين، وخطيب جامع الشيخ علي الهيتي، وأمام جامع الغربي ثم جامع الفاروق في هيت، وهو من أقدم مساجد المدينة.
كان شيخنا الراحل يمتاز بتواضعه وخلقه وزهده.. وكان أباً للفقراء.. وكان يمتاز أيضاً بإتقانه لعلم الفرائض وشرحه لعلم المواريث، الذي يعد من أول العلوم التي ترفع من الأرض كما اخبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكان شيخنا رحمه الله تعالى عالماً عاملاً، ومتواضعاً وزاهداً، لا يحب الفخر ولا التفاخر، ولا يعرف الرياء ولا السمعة ولا حب الظهور ولا التكبر ولا الغرور..
كان متأسيا بالمصطفى عليه الصلاة والسلام يقضي معظم وقته مع الفقراء والمساكين يزورهم ويواسيهم وينفق عليهم ويدفع لهم ما يحتاجونه من مال وطعام وكسوة من ماله أو من مال جمعيته الخيرية التي لها باع طويل في جانب البذل والعطاء..
وكان حريصاً رحمه الله تعالى على ضبط المواقيت لإدراكه بأنَّ الصلاة لا تصح إلا بعد دخول الوقت، فعمل جدولاً لمواقيت الصلاة على مدار السنة ولا زالت إلى يومنا هذا..
وكان رحمه الله لا يحب أن يشتكي لأحد أبداً.. وكان يقدم ويؤثر غيره ويحب الخير للآخرين، ويهتم بطلبة العلم كثيراً.. وقد دخلت عليه ذات مرة في مقر جمعية البر وقلت له يا شيخ أنا من طلاب العلم.. فقال حياك الله.. قلت له يا شيخ أريدك أن تشرح لي مسالة الغراويين في المواريث، قال نعم، فشرحها لي شرحا وافياً.
لقد أحب الشيخ ذو النون الهيتي الناس فأحبوه.. ويهتم لأمور المسلمين وما يصيبهم من محن وفتن.. وتراه يمشي في الشارع، وكأنه يحمل هموم الأمة جميعها.. وما رأينا له ابتسامة إلا قليلاً..
كان الشيخ الراحل "رحمه الله" يواكب الناس ويفرح لأفراحهم، ويواسيهم في أحزانهم ومصائبهم.. نجده يمشي بين أزقة وأروقة مدينة هيت وهو يتفقد الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام.. إنه بحق مدرسة للخلق والبر والكرم والعطف والجود..
كان أهل منطقته يحبونه كثيراً لما رأوا فيه من خصال حميدة وصفات كريمة.. ويثقون به ثقة مطلقة.. وقد كان له تأثير واضح فيهم..
امتاز الشيخ الراحل بتمسكه بطريق الدعوة إلى الله، ومارس عدداً من الوظائف الدعوية ما بين إمام أو خطيب أو واعظ أو أستاذ.. وكان يذهب للقرى يخطب ويرجع من ماله الخاص.. وقد قضى حياته كلها بالعلم والتعليم والزهد والتقوى.. وكان يجلس في جامع الفاروق والمسجد الغربي يطالع الكتب القديمة التي أحبها كثيراً..
يروي الشيخ عبد الغفور فواز الهيتي "رحمه الله" في مذكراته: بني المسجد الغربي لأداء الصلوات الخمسة في اليوم والليلة وأكثر ما تُصلى فيه صلاة المغرب وصلاة الفجر؛ لأنَّ أغلب العمال يذهبون وقت الفجر إلى أعمالهم ويتواجد أهل المحلة في وقت الغروب فيؤدون الصلاة فيه، وكان يؤمهم الشيخ المرحوم الملا ذو النون خميس.. ومساحة المسجد خمسون مترا تقريباً، يقف المصلون في صفين والإمام يقف في المحراب.. ويبعد عن نهر الفرات أكثر من سبعين متراً.
وكان الشيخ ذو النون يحب مجالسة العلماء وعوام الناس، وخاصة الفقراء، ولا تكاد ترى احتفالاً أو تجمعاً أو تشييعاً في مدينة هيت إلا والشيخ ذو النون ومعه المشايخ الكبار من أمثال الشيخ صبحي الهيتي والشيخ عبد الغفور الهيتي والشيخ بهجت أبو مجتمعون والناس ملتفة حولهم تسألهم وتستأنس بمجلسهم.
كان الناس يذهبون إلى "جامع علي الهيتي" الذي يخطب فيه للاستماع إلى خطبته والانتفاع بها؛ لان خطبته كانت موجزة ومفهومة ونافعة "رحمه الله" اقتداءً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في حثه على الإفهام والإيجاز.
وقد أصابه المرض في أيامه الأخيرة وكان الناس يعودونه في بيته حتى فجعت المدينة بانتقاله إلى رحمة الله تعالى في يوم الثلاثاء 13/9/2005م..
لقد كان الشيخ مثالا للعلم والتقوى والزهد والأخلاق.. وقد بكى على رحيله الصغار والكبار والشباب والأغنياء والفقراء والمساكين.. واجتمع الناس لتشييعه من كل حدب وصوب.. وشيّع تشييعاً مهيباً وقد صلى عليه الشيخ الراحل صبحي الهيتي رحمه الله تعالى.. وحمل على الأكتاف وطيف بالجثمان في أرجاء المدينة.. وقد دفن في مقبرة الشيخ احمد في مدينة.
وقد أقيم له حفلُ تأبيني برعاية هيئة علماء المسلمين في جامع هيت الشرقي حضرة كوكبة من العلماء وطلبة العلم وشيوخ العشائر ووجهاء المدينة..
وقد قال في حقه الشاعر الدكتور ليث قهير هذا الأبيات :
نجمٌ هوى في لجة الأقدار وتخافتت انوار ليل بافتقار
نجم هوى حيث الخطوب تزاحمت فوق الربى متناثر الأسرار
ما كان للعلم الزوال ببغتةٍ من بيننا بل بتقارب الأعمار
وكذلك رثاه الشاعر صلاح محيسن بقصيدة.. قال فيها :
بدهري عجيبات وإحدى عجائبه لهيتي بمأساة ودمعٍ يساكبه
قرات بوجه القوم قلت احبةٍ فحَيات من اهوى تضيء كواكبه
كأني بذاك اليوم طارت سعادتي سهرنا لساعاتٍ تُعَدّ مناقبه
نعم . تخرب الدنيا بموتٍ لعالمٍ وتملأ دار العز فيها عناكبه
فلا هي بالأعمار طول حياتنا ولكن باعمال ونفسٍ تحاسبه
فشيخ بنا يقوى ثمانين حجّةً ويَخطِفُ عزرائيل طفلاً تلاعبه
بفقدك يا شيخي فقدنا ثلاثة حسابا . مواريثاً. فقيرا تداعبه
ويسال دوما عن صيام مطالعٍ فيُجلي بإمساكيةٍ لي غياهبه
وحتى بدار العدل أضحت مناحةً لقد قُد للميراث فيها جوانبه
فيا بنتَ مسكينٍ وبنت َ أراملٍ فمن بعد ذنونٍ شغولٍ مَلاعِبُه
مثنى . تقاسيمٌ يكون عزاؤنا فنحن محبوه وأنتم أقاربه
فخذ أنت بُستاناً وداراً بما حوت ودع لي فتاويه وذكرى تجاوبه
خذوا من حياة الشيخ خير نصائحٍ فكلٌ لباب القبر حطت مراكبه
رحم الله الشيخ ذو النون صاحب الزهد الذي تربى على يد العلماء أصحاب المناهج الصافية الصادقة مع الله تعالى غالبا ما يثيرون في النفوس ابتهار انكشف عن جوهر الصدق والإخلاص في العمل ومعنى الثبات على خطى السلف الصالح.. ولا يسعنا في هذه المناسبة إلا أن نتضرع إلى الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين... وإنا لله وإنا إليه راجعون .
وقفات مع الكبار ..الشيخ ذو النون خميس المعبر الهيتي
