في منتصف أبريل من عام 1992 قامت القوات الصربية تساندها العصابات الصربية الدموية الملقبة \"بالتشيتنك\" بحملات إبادة وقتل واغتصاب وهدم وتشريد لمسلمي البوسنة والهرسك بحجة مساهمة البوسنيين باستقلالهم في انفراط العقد اليوغسلافي.
وقد أُصيب العالم يومها بالذهول نتيجة الممارسات الدموية المفزعة التي حدثت في أيام قليلة ضد مسلمي البوسنة، وتم تصنيفها على أنها الأكثر دمويةً منذ الحرب العالمية الثانية، ويمكن أيضا وصفها بأنها من أسوأ المجازر الوحشية في تاريخ البشرية.
نشأة غير طبيعية
ومن المقطوع به أن هنالك مجرمين وراء هذه المجازر، ومن أبرزهم على الإطلاق رادوفان كراديتش أحد أبرز زعماء صرب البوسنة، وقد نشأ هؤلاء في بيئةٍ تساعدهم على الفساد والإجرام، وهو ما كان واضحًا في تنشئة كراديتش حيث كان والد رادوفان كراديتش الملقب بـ"فوك كراديتش" ينتمي إلى عصابات "التشيتنك"، وقد سُجِن فوك كراديتش طوال فترة طفولة ابنه رادوفان!.
وقد نشأ رادوفان كراديتش وتربى على يد هذا الأب الذي قضى معظم حياته في السجون بسبب آرائه المتطرفة، وفي عام 1960 انتقل كراديتش إلى ساراييفو، والتقى بعدها بزوجته ليليانا، وتخرّج طبيبًا، وأصبح بعد ذلك مُعَالِجًا نَفْسِيًّا (!) في إحدى مستشفيات المدينة.
ثم انتقل بعد ذلك بكل هذا الموروث التربوي والنفسي انتقالًا دراماتيكيا إلى العمل السياسي، وساهم في تأسيس حزب الخضر، كما ساعد في تأسيس الحزب الديمقراطي الصربي عام 1990 الذي جاء كردة فعل على صعود الأحزاب القومية الكرواتية والبوسنية.
سجل الإجرام
بعد الاعتراف بالبوسنة والهرسك كدولة مستقلة عندما انهارت يوغسلافيا في عام 1992 أعلن سلوبودان ميلوسيفيتش جمهورية الصرب البوسنية المستقلة وعاصمتها ساراييفو، ونَصَبَ نفسه رئيسًا لها، وقاد مع قائده الدموي رداوفان كراديتش حرب إبادة ضارية مجرمة ضد مسلمي البوسنة والهرسك، كان من نتائجها المزعجة سقوط 200 ألف شهيد ونصف مليون جريح واغتصاب 50 ألف امرأة مسلمة وهجرة أكثر من مليون بوسني إلى البلدان المجاورة إلى جانب تدمير البنية الرئيسية من مصانع ومدارس وجامعات كل ما هو إنساني!!.
ونتيجةً لهذه الأعمال الإجرامية وغيرها أُدِين رادوفان كراديتش عام 1995 والقائد العسكري الصربي راتكو ميلاديتش لارتكابهما جرائم حرب خلال النزاع الذي امتد ما ين 15 أبريل 1992 حتى 10 نوفمبر 1995 في اق دايتون للسلام حتى ان الأمم المتحدة وجهت اتهامًا إلى المليشيات التي كان يتزعمها كراديتش وراتكو ميلاديتش بأنها قتلت ما لا يقل عن (8000) مسلم، كلهم من الشبان والرجال في سريبرينيتسا في 15 يوليو عام 1995!.
وتشير محكمة جرائم الحرب الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة ومركزها لاهاي الى أن ما نفذته قوات كراديتش كان جزءًا من حملة تخويفٍ تَهْدِفُ إلى زرع الذعر في نفوس البوسنيين المسلمين والبوسنيين الكروات، لذلك قام أنصار كراديتش بتدمير بلدة فوكوفار الكرواتية في مشهد مأساويٍّ دامٍ.
كما يأتي في لائحة اتهامات رادوفان كراديتش السوداء قَصْفُ مدينة ساراييفو مستعملًا ما لا يقل عن 280 من عناصر "حفظ السلام" التابعين للأمم المتحدة كدروع بشرية!.
ومنذ اتفاقية دايتون التي أنهت حرب البوسنة التي وُقِّعَتْ في فرنسا وبعدها في الولايات المتحدة عام 1995 فر كراديتش بعيدًا عن المشهد السياسي والإعلامي، ويُعْتَقَد أنه اختبأ في منطقة جبلية جنوبَ شرق البوسنة في حماية بعض الميليشيات المناصرة له.
مجرم منبوذ!
تصاعد الضغط الدولي من أجل إلقاء القبض على كراديتش منذ عام 2005، وهو تاريخ استسلام بعض الجنرالات الذين رافقوه، وبعد أنْ بثّ التلفزيون المحلي شريطًا مُصَوَّرًا يُظهر جنود كراديتش يطلقون النار على معتقلين خلال الحرب.
وقد تمت عملية اعتقال كاراجيتش في إحدى ضواحي بلجراد بعد رَفْعِ الحماية عنه من أجهزة الأمن الصربية التي يبدو أنها كانت على عِلْمٍ بتحركاته منذ فترة طويلة وهو مُتَخَفٍّ في دور متخصص في الطب البديل.
وتزايدت وتيرة الضغوط على كراديتش منذ عامين بعد أنْ أصبح عبئًا على الجميع حتى ان زوجته ليليانا وجّهتْ له عدة نداءات بضرورة تسليم نفسه، وتم احتجاز ابنه لمدة عشرة أيام في مرحلة سابقة.
والناظر في مجريات الأحداث الدولية يعلم أن كراديتش لم يَعُدْ عبئًا فقط على عائلته، وإنما أصبح عبئًا أيضًا على دولة صربيا نفسها التي تُمَنِّي نفسها بالانضمام للاتحاد الأوربي، وتعلم علم اليقين أنه لا بد من تقديم كراديتش قربانًا إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي لترضى عنها الدول الأوربية، وتحظى بفرصة الانضمام للاتحاد الأوربي.
فيا ليت المجرمين يتذكرون هذا المشهد، ويعرفون أن الغرب حينما يساندهم ويمنحهم غطاءه، فإنما يساندهم في مرحلةٍ ما إلى أن تتكشف الأمور والحقائق، وعندها سيكون الغرب هو أول مَنْ ينفض يده من حلفاء الأمس، وأولَ صارخٍ بإدانة هذه الممارسات!.
ولكن.. هل وعى كراديتش الدرس بأن كلّ من ساندوه وصفّقوا له أثناء ممارسته إجرامَه المروع هم أنفسهم من طالبوه بالاستسلام اليوم من أجل البشرية المعذبة؟!.
وقد تناقلت وكالات الأنباء مؤخرا أن أمريكا نفسها!! كانت تقوم بحماية رادوفان كراديتش حتى العام 2000 ثم لما فقد قيمته، وصار عبئًا على المجتمع الدولي رفعت عنه الحراسة، وتركته في عراء القصاص!!.
لقد أحس كراديتش بأنه وحده لا سيما بعد أن قالت زوجته في لهجة مرة: خيرٌ لنا أن نزوره في السجن من أن نتعرض للمضايقات بسببه!.
الاسلام اليوم
كراديتش.. المجرم حين يصبح عبئاً.. هشام الهلالي
