أصدر قسم حقوق الإنسان في الهيئة تقريره نصف السنوي الذي يتناول واقع حقوق الانسان في العراق خلال النصف الاول من عام 2008.
وتناول التقرير - الذي جاء بعد ستة اشهر من صدور التقرير السنوي الذي اصدره القسم عن عام 2007 - تفاصيل انتهاكات حقوق الإنسان منذ بداية العام وحتى نهاية الشهر السادس.
واشتمل التقرير على مقدمة وخاتمة وعدة أقسام تضمنت الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان، وحسب الترتيب الآتي:
1. جرائم القتل.
2. جرائم الدهم والاعتقال.
3. جرائم التهجير.
4. الجرائم ضد النساء والأطفال.
5. الجرائم ضد البنى التحتية والخدمات العامة.
وفيما يأتي نص التقرير:
بسم الله الرحمن الرحيم
العراق في النصف الأوَل من سنة 2008
هيئة علماء المسلمين في العراق
قسم حقوق الانسان
المقدمة:
مضت سنة 2007 بكل ما حملته من مآس وآلام ومعاناة عصفت – أو كادت – بالمجتمع العراقي بما يمتلك من أسس ومقومات بقائه وديمومته. وما فتأت قوى الشر وبكل ما لديها من معاول و أدوات للهدم والتفكيك تحاول ان تقضي على هذه الأسس وتلك المقومات لينفرط عقد هذا المجتمع وينفتح الطريق أمامها لتحقق أجندتها الخبيثة في تمزيق البلد وتفتيته الى دويلات وكانتونات ضعيفة متناحرة يسهل السيطرة عليها وتوجيهها لما يحقق أهدافها المشبوهة.
وجاءت سنة 2008 ومازالت تلك القوى مستمرة في محاولاتها ومازال شعبنا الصابر يقاومها ويفشلها الواحدة تلو الأخرى ليثبت للعالم اجمع انه أقوى من كل هذه المحاولات وانه شعب عريق لا تهزه الهزائز وسيخرج من محنته سالما معافى بإذن الله تعالى.
يقول تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر مؤخرا أنه بعد مضي خمس سنوات على احتلال العراق على يد القوات التي قادتها الولايات المتحدة، يظل العراق أحد أخطر البلدان في العالم بالنسبة لحقوق الإنسان، وإن الهجمات وعمليات القتل الطائفية، وممارسة التعذيب وسوء المعاملة، ومواصلة اعتقال الآلاف من المشتبه بهم على أيدي القوات الأمريكية والحكومية كان لها تأثير مدمر، حيث تسببت بنزوح أكثر من أربعة ملايين عراقي من ديارهم. وانه لازال يُحتجز الكثير من المعتقلين بدون تهمة أو محاكمة، وبعضهم منذ عدة سنوات.
وأضاف التقرير: انه قد أُنفقت ملايين الدولارات على الأمن، لكن اليوم لا يستطيع اثنين من كل ثلاثة عراقيين الحصول على الماء الصالح للشرب، ويحتاج شخص واحد من كل ثلاثة من السكان تقريباً – حوالي ثمانية ملايين شخص – إلى معونات طارئة لسد الرمق.
وفي آخر تصنيف للمؤشر العالمي للسلام صدر الثلاثاء 20/5/2008 في لندن وعلى لسان مؤسسه الناشط الانساني الاسترالي ستيف كيليليا؛ كان العراق وكما كان متوقعا أكثر الدول عنفا، حيث احتل المرتبة الأخيرة بعد الصومال والسودان وأفغانستان.
وتنشر بين الوقت والآخر دراسات جديدة عن الكارثة الانسانية المستمرة في العراق ولكن أمثال هذه الدراسات تتحول بسرعة الى "لعبة أرقام" تطمس حجم جريمة الحرب ضد الانسانية التي ترتكبها الولايات المتحدة بدل ان تسلط الأضواء عليها.
أما في ما يخص قوات الاحتلال الأمريكي؛ فقد كشفت دائرة المحاربين القدامى الأمريكية مؤخرا وفي موقعها الرسمي عن حجم الخسائر التي مني بها الجيش الأمريكي في حملته الحربية على أفغانستان والعراق يفوق الثلاثة والسبعين الفا وستمائة وخمسين قتيلا، وأكثر من نصف مليون مصاب بنيران المقاومة، وبما يكشف حجم التزييف والتضليل الذي تمارسه الادارة الأمريكية ووزارة حربها على الرأي العام الأمريكي والعالمي.
فيما أكدت دراسة أصدرها معهد الصحة النفسية في ولاية ميرلاند ان عدد الجنود الأمريكان الذين انتحروا بعد عودتهم من العراق يمكن ان يفوق عدد الجنود الذين قتلوا منذ احتلاله, وان حوالي 20% من هؤلاء الجنود يعانون من اضطرابات نفسية شديدة.
أما حال قوات الاحتلال البريطاني فليست بأحسن من حال سابقتها؛ فقد كشفت صحيفة "صنداي تليغراف" البريطانية أن ثلث المجندين الجدد الذين ينتسبون لجيش المشاة ينسحبون قبل انتهاء فترة التدريب المحددة، كما ان نصف المجندين أبدى رغبته في ترك الخدمة.
وان كان مؤشر ما يسمى بالعنف في العراق خلال هذه الفترة متذبذبا بين صعود وهبوط من شهر لآخر فان صفة الاجرام التي لازمت الجندي الأمريكي خلال الفترة السابقة لازالت مستمرة بل قد ظهرت جرائم جديدة للعلن، منها جريمة جعل كتاب الله سبحانه هدفا للرمي لجنوده، وجريمة اطلاق عدد منهم مجموعة من الكلاب البوليسية لتنهش جسد مواطن عراقي من أهالي الشرقاط وظلت تعضه حتى فارق الحياة، وجريمة ارسال أطفال عراقيين مرضى للعلاج في الكيان الصهيوني وتواطؤ حكومي فيها.
وكان للقضاء و العدالة "بمنظورهما الأمريكي" دورهما البارز في ما يجري على أرض العراق؛ فبعد ان أسقطت التهم عن النقيب راندي ستون المسؤول عن فشل التحقيق في مجزرة حديثة وكذلك عن الجندي شارت المتهم بقتل ثلاثة عراقيين أشقاء، وتبرئة الملازم أول غريسون من تهم الافادة الكاذبة والخداع؛ أسقطت أخيرا وفي يوم الثلاثاء 17-6 التهم الموجهة الى المقدم جيفري تشيساني قائد السرية الأمريكية التي أقدمت على قتل وتصفية 24 مدنيا عراقيا في مدينة حديثة عام 2005 ، ثم لتقوم تلك المحاكم "بمعاقبة" مرتكب جريمة الاعتداء على القرآن الكريم بإعادته الى أمريكا !؟ (فرغم ان الاعتداء لم يقع من جندي واحد فقط، فان قرارهم هذا يعد في حقيقته مكافأة له بإخراجه من جحيم العراق).
كما كانت المقابر الجماعية وافتضاح أمرها وصمة عار جديدة في جبين الاحتلال البغيض وأعوانه والتي خرجت الى العلن في هذه الفترة وفي اطار كشف الأوراق وظهور الخلافات، ظهرت هذه المقابر الجماعية وفي عدة مناطق، منها المحمودية جنوب بغداد والتي وصفت بأنها الأكبر في التاريخ المعاصر و بعقوبة و المقدادية في شرقها، وان من قام بهذه المقابر هي الميليشيات الطائفية بالتعاون مع القوات الحكومية وتحت غطاء القوات المحتلة؛ كما أكدت ذلك كثير من القوى المناهضة للاحتلال وفي مقدمتها هيئة علماء المسلمين التي دعت المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الانسان الى عدم التغاضي عن هذه الكارثة وضرورة فتح التحقيق فيها، وكذلك في من تتم تسميتهم ب "الجثث المجهولة" والتي هي ليست كذلك.
وفي تقريرنا هذا اتبعنا ذات النسق الذي سرنا عليه في تقريرنا السنوي السابق والذي كان عن سنة 2007، حيث رتبناه على وفق الأقسام الرئيسة التالية:
1- جرائم القتل.
2- جرائم الدهم والاعتقال.
3- جرائم التهجير الداخلي والخارجي وأحوال اللاجئين والمهجرين.
4- الجرائم والانتهاكات ضد النساء والأطفال.
5- وأخيرا الجرائم المرتكبة بخصوص الخدمات والبنى التحتية وبمختلف مجالاتها.
سائلين المولى عز وجل ان نكون قد وفقنا في عملنا المتواضع هذا في تقديم وصف لبعض ما جرى ويجري من جرائم وانتهاكات بحق بلدنا الحبيب بكل ما يحويه من انسان ونبات وحيوان وأرض، وتأريخ وحضارة ومقدرات، وأن يمن علينا وبلدنا بنعمة النصر والتحرير انه ولي كل أمر والقادر على ذلك وهو نعم المولى ونعم النصير.
القتل:
لا زال مسلسلا القتل والتدمير المنظمين الذين يحدثان يوميا في العراق مستمرين وتتواصل حلقاتهما بدرجة أصبحت أخبارهما التي تنقلها وسائل الاعلام المختلفة من الأخبار الروتينية التي تمر على مسمع ومرأى الكثير من الناس مرور الكرام، فيما يزداد المجرمون إيغالا بجرائمهم ويزداد العراقيون شقاءا وحرمانا.
و في الدراسة التي نشرتها الهيئة البريطانية "اوبنيون ريسيرتش بزنس - أو آر بي" مع شريك عراقي لها هو "المعهد المستقل للادارة ودراسات المجتمع المدني" في 28 آذار/مارس الماضي، أكدت فيها تقديراتها السابقة بان أكثر من مليون مدني عراقي قتلوا نتيجة الغزو والاحتلال.
و("ان لعبة الأرقام في العراق قد لا تنتهي لكن ما تنطوي عليه من حقيقة انسانية راسخة تظل تتحدث عن نفسها بصفة مستقلة، وبعيدا عن الجدل العلمي: ان أرواحا كثيرة تزهق في العراق دون سبب").
وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد ألبرادعي: إن الضحايا من المدنيين في العراق أصبحوا أرقاما تذكر بالكاد في وسائل الإعلام، بينما يأسى المجتمع الدولي بشكل ملموس لإزهاق أرواح الأبرياء في العالم المتقدم ويكثف الإعلام نحوهم.
وقال الخبيران في الاحصاء بجامعتي ييل وهارفارد كاثرين وجون برانشتاين لوكالة الاسوشيتدبرس في التاسع من شهر آذار الماضي، ان أي احصاء رسمي "موثوق جدا" عن خسائر العراقيين في الأرواح ، وغالبيتهم الساحقة من المدنيين ، لم يتوفر بعد وربما لن يتوفر أبدا لان كثيرا من المسوح والدراسات والاحصاءات لم يتسن لها "لأسباب أمنية" تغطية العراق بكامله ولان وفيات كثيرة لا يبلغ عنها خشية "المضاعفات الأمنية" او لأن الوقت لا يتسنى للابلاغ عنها لأن الثقافة العربية الاسلامية ترى اكرام الميت في سرعة دفنه، غير ان حصيلة جريمة الحرب ضد الانسانية التي تواصل الادارة الأميركية عبرها الولوغ في دماء العراقيين دون رادع هي حصيلة هائلة ومرعبة بكل المقاييس ، و"ضخمة".
وأكد التقرير ان زيادة بوش لعدد قواته المحتلة بموجب "استراتيجيته الجديدة" قد تحول الى سبب اضافي لقتل المزيد من المدنيين العراقيين بدل توفير الأمان لهم كما ادعى، وان الوفيات الناجمة عن الصراع المسلح تزيد على ثمانين بالمائة من الوفيات الواردة في التقرير.
أما الكريستيان ساينس مونيتور فقد اقتبست من التقرير ما مفاده ان "العمليات العسكرية الأميركية" والحرب مسئولة عن "تسعة من كل عشر وفيات تقريبا" وردت في التقرير.
وقال مالكوم سمارت، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، لقد تعرض آلاف الأشخاص للقتل أو التشويه، ودُفعت المجتمعات المحلية التي كانت في السابق تعيش في وئام نسبي إلى نزاع مكشوف. وتحمل المدنيون العبء الأكبر.
ان استعراض بعض الأرقام التي أوردتها مصادر غير الاحصاء "العراقي" - ألأممي الأخير ، الذي لم يستطع التعتيم على تفوقها عليه في المصداقية ، ليس الهدف منه ،: "اعطاء رقم مطلق دقيق للوفيات" بل الهدف هو "اعطاء احساس بحجم" جريمة الحرب الجارية منذ خمس سنوات بينما وسائل الاعلام متورطة في تسليط الأضواء على "العملية السياسية" الدائرة في "المنطقة الخضراء" المحاصرة ببحر الدماء العراقية خارجها.
ان التعتيم والتظليل والانكار الأمريكي والحكومي على ما يصدر من احصاءات من هنا وهناك تكشفه وتفضحه بعض المعطيات التي يعلن عنها بعض المسئولين و المتصدرين للشأن العراقي، فوزارة "حقوق الانسان" الحكومية قالت في تقرير لها في الرابع من شهر شباط الماضي ان ما لا يقل عن مليون ونصف المليون أرملة عراقية مسجلة لدى الحكومة معظمهن فقدن أزواجهن في الحرب التي تتصاعد منذ الغزو عام 2003.
وشمل القتل المجتمع العراقي بكل شرائحه فلم يسلم منه الطفل الصغير أو الشيخ الكبير كما لم يسلم منه العامل الكادح البسيط أو الأستاذ الجامعي والعالم الرفيع، حيث يتعرض العلماء في العراق منذ بداية الغزو الاميركي، الى نزيف متواصل افرغ بلاد الرافدين من عقولها العلمية وذلك عبر مسلسل من الاغتيالات وهجرة تزداد يوما بعد آخر ، وتشير الاحصاءات التي أجريت بهذا الخصوص – على الرغم من قلتها – الى مقتل حوالي340 أكاديميا ورجل قانون بحالات قتل عمد جرت خلال ثلاث سنوات، وأوضح الناطق الرسمي باسم وزارة حقوق الإنسان، حمزة كامل أن "عدد أساتذة الجامعات الذين قتلوا أعوام 2005 و2006 و2007 بلغ 224 أستاذا جامعيا "، فيما قتل "21 قاضيا و95 محاميا و197 صحفيا" في المدة نفسها، كما شهدت أيضا مقتل 2334 امرأة عراقية في حالات مشابهة.
وكان مرصد الحقوق والحريات المدنية قد أعلن عن احصائية لأعداد الضحايا من المدنيين في النصف الأول من هذا العام، وذكر بأنها تفوق الخمسة وعشرين ألفا بين قتيل وجريح ومعتقل ومخطوف.
أما الاحصائيات الحكومية لأعداد الضحايا من المدنيين العراقيين في النصف الأول من هذا العام فقد جاءت على النحو التالي:
كانون الثاني / يناير: 540 قتيلا
شباط / فبراير: 721 قتيلا ، بنسبة زيادة 33%
آذار / مارس : 1082 قتيلا ، بنسبة زيادة 100% عن الشهر الاول و50% عن الشهر الثاني
نيسان / أبريل: 966
أيار / مايو: 505
حزيران / يونيو: 448 قتيل
علما ان هذه الأعداد لا تشمل قتلى من يطلق عليهم (المسلحون) أو الجثث المجهولة الهوية، كما انها لا تشمل القتلى من أفراد الشرطة والجيش الحكوميين.
الاعتقال:
أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" للدفاع عن حقوق الإنسان أن الولايات المتحدة هي أكبر سجان في العالم حيث تعتقل 2ر3 ملايين شخص أي أكثر من أي بلد آخر في العالم وأكثر من أي وقت مضى في تاريخها.
وقالت المنظمة في بيان لها حول الأرقام التي نشرتها وزارة العدل الأميركية إن عدد السجناء يمثل ما نسبته 762 سجيناً لكل مئة ألف نسمة مقارنة بـ 152 سجيناً لكل مئة ألف نسمة في بريطانيا و 108 في كندا و91 في فرنسا. وإن نحو 11 بالمائة من الرجال السود في الولايات المتحدة الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و34 عاماً هم اليوم داخل السجن، وان هناك ستة سجناء سود مقابل كل سجين أبيض واحد.
ولنا ان نتصور حال أسرانا ومعتقلينا لدى هؤلاء! فالبلد الذي يظلم أبنائه هو اقدر على ظلم الآخرين وخاصة اذا كانوا ممن يسميهم بالأعداء. علما أن أكثر من نصف جنوده يؤيد استخدام التعذيب في استجواب المعتقلين في دليل واضح على مدى السقوط الأخلاقي لهذا الجيش.
فقد اتهمت منظمة (ووتش) الولايات المتحدة باستغلال قرارات مجلس الأمن التي تسمح بالاعتقال أثناء فترة الحرب لدواعي أمنية، وان آلاف المعتقلين يسجنون لفترات غير محددة دون محاكمة بينما العديد من المعتقلين يخضعون لمحاكمات لا تلبي المعايير الدولية، وشيوع تعذيب المعتقلين من قبل السلطات الحكومية.
وأكدت جمعية أمريكية مكونة من أطباء يتابعون أوضاع حقوق الانسان حول العالم وفي تقرير أعدته من 121 صفحة وبعد فحوصات أجرتها على معتقلين سابقين في السجون التي تديرها القوات الأمريكية، تظهر أدلة حاسمة على تعرض هؤلاء المعتقلين للتعذيب.
وأضافت الجمعية التي تحمل أسم (أطباء من اجل حقوق الانسان) ان الاختبارات أظهرت تعرض المعتقلين للضرب المبرح والصعق بالتيار الكهربائي والحرمان من النوم، الى جانب الاذلال الجنسي والشذوذ.
وفي دراسة احصائية حول التعذيب في سجون الاحتلال الأمريكي والسجون الحكومية ولدى المليشيات، و نشرت في 9/5/2008؛ خلصت لجنة الأسرى والمعتقلين التابعة للمنظمة العراقية للمتابعة والرصد؛ الى ان التعذيب في هذه المعتقلات يمارس بنسبة 100%.
وخلصت هذه الدراسة واستنادا الى اجابات حصلت عليها حصرا من عدد ممن كان معتقلا وأطلق سراحه الى الآتي:
أ- تعرضوا جميعا لنوع واحد أو عدة أنواع من التعذيب.
ب- لم يقدم أي منهم لمحكمة وان تم التحقيق مع البعض منهم.
ج- ان 87 % منهم لا يعرفون سبب اعتقالهم.
د- ان مدة احتجازهم تراوحت بين 3 أشهر و4 سنوات.
ه- ان 81 % لم يحظوا بأية زيارة من أقاربهم أو ذويهم.
و- هذا ويشمل التعذيب اهانات وتهديدات لفظية، ضرب وبعضه مبرح، تعليق من الأطراف وبأشكال مختلفة، الاغتصاب، الكي، قلع الأظافر، منع الغذاء والدواء وغيرها الكثير مما لا يسع المجال لحصره.
ورصد تقرير لوزارة العدل الأمريكية يوم السبت 17/5 الماضي أساليب التعذيب التي استخدمها محققوا الجيش الأمريكي مع السجناء في المعتقلات العسكرية الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان وجوانتانامو. وقال ضباط شاركوا في عمليات تعذيب المعتقلين في مذكرة لمكتب التحقيقات الاتحادي إنهم قاموا بتقييد السجناء في وضع جنيني لمدد تصل إلى 24 ساعة متصلة.
وأشاروا إلى أنه كان يجري ترويع السجناء بالكلاب وإجبارهم على ارتداء ملابس داخلية نسائية وتعريضهم لنبضات ضوئية شديدة ودرجات حرارة شديدة البرودة وشديدة الحرارة.
ويذكر في هذا السياق ان أرقام الحكومة المعطاة لعدد المعتقلين لديها متضاربة؛ فقد اعترف موظف كبير في الحكومة الحالية بوجود أكثر من 81 ألف سجين في معتقلاتها؛ حيث أكد الناطق الرسمي باسم مجلس القضاء الأعلى عبد الستار البيرقدار في تصريح صحفي نشر في 4 / 6 الماضي، إن اللجان القضائية المشكلة بموجب قانون العفو العام أطلقت سراح (81397) معتقلا. مضيفا أن هذا العدد هو المشمول بقانون العفو العام.
ولم يذكر المسؤول عدد المعتقلين الكلي والذي يقدر بأكثر من مائة ألف معتقل، فيما كانت التصريحات الرسمية السابقة تتحدث وطوال الفترة الماضية عن أرقام هي دون العشرين ألف معتقل. كما لا توجد معلومات عن أماكن اعتقالهم حيث وردت الكثير من التقارير التي تتحدث عن سجون سرية وأخرى غير رسمية في مناطق مختلفة من البلاد، منها ما كشف عنه مؤخرا في شمال العراق، كمنشأة الكندي في الموصل؛ حيث وجدت غرف مغلقة لتعذيب أبناء الموصل، كشف عنها القائد الجديد للفرقة العسكرية الثانية أثناء زيارته لها، وكذلك في السليمانية وفي سجن (قلة جولان) وما يجري من خطف وتعذيب للمواطنين وخاصة العرب منهم ومن مختلف المدن العراقية على يد مليشيا البيشمركة والأسايش وابتزاز ذويهم بدفع فديات مالية كبيرة.
أما في سجون الاحتلال الأمريكي فهناك عشرات الآلاف من المعتقلين وبأعمار متفاوتة بشكل كبير، فهناك من هو طفل حدث لا يتجاوز عمره العشر سنوات، وهناك الشيخ الطاعن الذي تجاوز عمره الثمانين وباعتراف الأمريكان أنفسهم؛ ففي لقاء مع قناة CNN نشر في 5/5/ 2008 قال دوغلاس ستون، قائد المعتقلات الأمريكية في العراق لدى سؤاله عن أعداد المعتقلين الموجودين في السجون الأمريكية حالياً: "كان لدينا 26 ألف معتقل، ولدينا اليوم 23500 ألف معتقل، 525 معتقلاً حدثا دون سن الـ 18ولدينا 18 سيدة " وأضاف قائلا:" هناك 10 في المائة من المعتقلين يمثلون في قضايا أمام المحاكم العراقية".
ولدى سؤاله عن كيفية تقبّل المجتمع العراقي لواقع أن 90 في المائة من المعتقلين في السجون الأمريكية غير مدانين ولم يتم محاكمتهم، قال ستون: "لدينا مبرر قانوني من مجلس الأمن يسمح للحكومة العراقية باعتقال من تشتبه في تشكيله خطراً أمنياً، وقد فوضتنا الحكومة هذه الصلاحية للمساعدة على ضمان الاستقرار."
أما الوضع الصحي للمعتقلين فهو مأساوي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فالهزال وسوء التغذية وانتشار الأمراض هي السمة الملازمة لنزلاء هذه السجون . حيث يعيش آلاف السجناء العراقيين منذ احتلال البلاد عام 2003 في ظروف صحية وانسانية صعبة للغاية ، أدت إلى انتشار العديد من الأمراض في صفوفهم ، و في مقدمتها مرض الجرب الذي فتك بعدد كبير من السجناء بل امتد الى أفراد أسرهم الذين يقومون بزيارتهم بين الحين والآخر، بسبب انعدام الرعاية الصحية وعدم معالجة حالات الاصابة أو عزل المصابين عن أقرانهم من السجناء وبقاء العديد منهم لفترات طويلة داخل الزنزانات، فضلا عن عدم السماح لعوائل السجناء باحضار الأدوية لهم.
ويقول الدكتور "خوسي باستوس أميغو"، وهو طبيب في اللجنة الدولية يزور أماكن الاعتقال في العراق: "يمكن للأمراض أن تنتشر بسرعة أكبر داخل جدران السجون لأنها أماكن مغلقة ومكتظة بالنـزلاء. فيما أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الحكومية محمد جياد ان أوضاع السجناء الصحية غير معروفة تماما حيث تشير الاحصائيات الى اصابة نحو سبعة آلاف عراقي بالتدرن في العام الماضي.
التهجير:
لم تزل معاناة المهجرين والنازحين العراقيين في الداخل والخارج مستمرة على حالها بل قد زادت وتفاقمت أكثر وأكثر مع مرور الأيام والشهور والسنوات وفي ظل التجاهل الحكومي السافر والصمت الدولي المخجل، وزاد من هذه المعاناة قصر ذات اليد للمهجرين ونفاد ما كانوا يملكون ويدخرون.
فها هي الملايين من الناس المشردة المشتتة في الداخل والخارج تعيش حياة البؤس والحرمان و الابعاد عن الأرض والعائلة والمسكن، في كارثة انسانية يندر لها مثيل في التأريخ المعاصر، يقابلها تحجّر و جمود في الإحساس والضمير الرسمي العالمي ماخلا بعض التصريحات أو المساعدات الخجلة والهزيلة التي تصدر من هذا الطرف أو ذاك، وكأن ما يجري هو على أناس ليسوا كباقي البشر، أو يعيشون على أرض ليست هي ذات الأرض.
حيث كشفت منظمة الهجرة الدولية النقاب عن أن خُمس العراقيين أصبحوا لاجئين داخل بلادهم وخارجها منذ دخول جيش الاحتلال الأمريكي للبلاد في آذار/ مارس 2003، وان أزمة اللاجئين والنازحين العراقيين قد اتخذت كما أسمته منظمة العفو الدولية "أبعادا مأساوية" وإن حكومات العالم لم تفعل سوى القليل للمساعدة كما إن المجتمع الدولي تخلى عن واجبه الأخلاقي.
وأضافت المنظمة في تقرير جديد -استند إلى دراسة أوضاع اللاجئين العراقيين في سوريا والأردن- أن هؤلاء اللاجئين يعيشون أوضاعا مزرية ويتهددهم مزيد من الفاقة، وأن المعاملة الدولية للاجئين العراقيين تسوء منذ صدور تقرير المنظمة العام الماضي، كما تم تشديد آليات الإكراه وارتفاع حالات العودة القسرية التي تمارسها عدة دول أوربية على هؤلاء المهجرين من قبيل الحرمان من المساعدات المالية، والترحيل الإجباري.
وجاء في التقرير أن عدد المهجرين العراقيين صار الأعلى في العالم وبما يربو على الخمسة ملايين نازح ولاجئ، حيث أرتفع عدد "النازحين داخليا" على حد تعبير الأمم المتحدة بواقع 300 ألف شخص منذ عملية الاحصاء الأخيرة في كانون الأول 2007 ليفوق العدد 2.8 مليون لاجئ داخل العراق فقط ، هرباً من الجحيم الذي خلفه الاحتلال في بلدهم، كما ان هناك مليون لاجئ يحتاجون الآن الى مراكز إيواء وطعام، استنادا الى معلومات من الأمم المتحدة وهيئات أخرى منها وزارة الهجرة والمهجرين الحكومية.
وقد دفع تقصير وتقاعس الجهات الحكومية عن القيام بمسؤوليتها المطلوبة تجاه مواطنيها النازحين واللاجئين دفع الكثير من الجهات والدول المانحة الأخرى الى الإحجام وتثبيط عزيمتها عن تقديم الدعم المادي والمعنوي لهؤلاء اللاجئين أو للدول المضيفة لهم للتخفيف من معاناتهم وحرمانهم، كما صرح بذلك جيمس فولي منسق شؤون اللاجئين في الخارجية الأمريكية، ونشر في صحيفة الواشنطن بوست في شهر أيار / مايو الماضي، والذي دعا فيه الى تسليط مزيد من الضغوط على حكومة المالكي. وأضاف أن دولا أوربية وخليجية تنتظر أن تخصص تلك الحكومة مزيدا من الأموال للاجئين قبل أن تقرر هي بدورها الإيفاء بالتزاماتها المالية.
وحذرت المفوضية العليا للاجئين يوم الجمعة 9/5 من انها قد تضطر لإيقاف بعض برامج المساعدات الإنسانية الخاصة باللاجئين العراقيين بشكل جزئي أو نهائي إذا لم تتلق الهبات التي وعدت بها الدول المانحة، وأنها تعاني من نقص حاد في التمويل قد يجبرها علي وقف بعض البرامج الخاصة بمساعدة مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين.
فيما أكد مسح أجرته الهيئة الطبية الدولية على عددٍ لم يعلن عنه من العراقيين المقيمين في عمّان: (أن أربعة بالمائة فقط من المُشاركين يستطيعون تحمل تكاليف الرعاية الصحية)، حيث يعاني المرضى وذويهم من اللاجئين من صعوبة الحصول على علاج طبي أو أي خدمات صحية في العيادات الطبية التابعة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بسبب اغلاق عدد من تلك العيادات أو تقليص ساعات عملها لوجود عجز مالي لديها، حسب قول العاملين فيها.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة الحالية عن التحسن الأمني وعن عودة أعداد كبيرة من اللاجئين؛ يشير واقع الحال الى عكس ذلك، فبالإضافة الى زيادة عدد اللاجئين والمهجرين وخاصة الداخليين منهم؛ فان عدد العائدين منهم- وبعضهم مجبرين- كان بنسب ضئيلة لا تتناسب وعددهم الكبير جدا بل ان الكثير ممن عاد- رغم حنينه وشوقه للأهل والدار- صرح بندمه على ذلك لما رأى من وضع اقتصادي وأمني لا يدعو للتفاؤل.
حيث أكدت دراسة أعدتها مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة مؤخرا أن 90 % من اللاجئين العراقيين المقيمين في سوريا لا يخططون للعودة إلى بلادهم. وان نسبة الذين قالوا إنهم يرغبون بالعودة الى العراق في هذه الدراسة لم تتجاوز الأربعة في المائة، وقال ستة في المائة إنهم لا يعرفون.
ويقول المراقبون إن ما توصلت اليه الدراسة يناقض ما صرح به مسئولون عراقيون وآخرون من الأمم المتحدة من أن آلاف اللاجئين يعودون الى العراق شهريا.
النساء والأطفال:
تستمر مأساة الأسرة العراقية ومعاناتها مع استمرار وجود قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني -ومن تحالف معهما - جاثمة على صدور العراقيين وعلى أرضه وسمائه، فيما كانت حصة المرأة والطفل هي الأكبر من هذه المعاناة وتلك المأساة.
فهما مع اشتراكهما في مصيبة احتلال البلد مع بقية شرائح المجتمع وما نتج عنها من قتل وتدمير وتشريد ولاقا من تلك المصيبة ما لاقى أهل البلد؛ زاد على ذلك تحملهما تبعات تلك الأعمال كونهما فقدا الأب أو الزوج أو الابن، وبالتالي فقدا الحامي و المعين، ومعهما العطف والحنان.
ورغم عدم وجود احصائية دقيقة عن أعداد الضحايا من النساء والأطفال سواء ممن تعرضوا للاذى بصورة مباشرة كالقتل والاصابة أو الاعتقال والتهجير، أو غير مباشرة كقتل و اعتقال ذويهم وما ينتج عنه من ترمل ويتم وتشريد! ولكن ما يعلن عنه في بعض الاحصائيات التي تصدر عن هذه الجهة أو تلك، يعطينا تصورا –رغم قصوره- عن حجم الكارثة وعظم المأساة التي أصابت وتصيب هاتين الشريحتين الرئيستين من شرائح المجتمع العراقي واللتان تمثلان ركنين أساسيين في استمرارية هذا المجتمع و حيويته وبقائه، حيث كشفت منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (اليونيسيف) مؤخرا وفي فضيحة جديدة للاحتلال أن حوالي60 % من قتلى المواجهات بين قوات الاحتلال ومليشيا "جيش المهدي" بمدينة الثورة شرق بغداد كانوا أطفالا ونساء.
من جانب آخر فقد أشارت الاحصائيات الرسمية الى وجود أكثر من مليوني أرملة و بمختلف الأعمار، كما تؤكد ذلك وزيرة المرأة في الحكومة الحالية، والتي أضافت الى أنهن يتوزعن على محافظات العراق حيث في يوجد بغداد لوحدها أكثر من 300 ألف أرملة، في حين أن 84 ألف امرأة فقط منهن إضافة للمطلقات يتقاضين معونات شهرية من هذه الحكومة، وفق تلك الاحصائيات. وتشير دراسة عراقية أخرى الى وجود أرملة واحدة بين كل 6 نساء في العراق تتراوح أعمارهن بين 15 و 50 عاما.
واذا ما أضيف الى هذا العدد الهائل للأرامل عددا آخر قد لا يقل عنه من ضحايا الطلاق والذي بدأ بالتكون كظاهرة مستشرية تنخر في المجتمع العراقي وتماسكه الأسري، و يعزوا بعض المختصين أسبابها الى ما تعانيه الأسرة من ضغوط مادية ونفسية شديدة ترافقت مع الاحتلال وديمقراطيته العتيدة! لأمكننا ذلك من تصور درجة وخطورة الوضع الكارثي الذي وصل اليه حال المرأة العراقية؛ حيث تشير بعض الدراسات الى ارتفاع غير مسبوق بنسبة حالات الطلاق، لتتراوح مابين 50-60 % من الزيجات، كما كشف عن ذلك وزير العمل والشؤون الاجتماعية في الحكومة الحالية محمود الشيخ راضي، والذي دعا الى اجراء دراسة دقيقة وعلمية لمعرفة أسباب ذلك، رغم عدم وجود الاحصائيات الدقيقة لعدد المطلقات، لعدم وجود تعداد سكاني صحيح.
في حين أكدت مديرة هيئة الطفولة ورئيسة لجنة المرأة في الوزارة نفسها الدكتورة كوثر ابراهيم ان ظاهرة التفكك الأسري أصبحت كبيرة بسبب تداعيات الحروب، والتي قادت الى انتشار ظواهر سلبية أخرى في المجتمع العراقي، تأتي على رأسها ظاهرة الطلاق.
ولا تقف مشكلات المرأة العراقية عند هذا الحد بل تتعداه لتشمل الأمية التي ترتفع نسبتها بين النساء، وكذلك الاختطاف والزواج القسري وغياب فرص العمل، و تخوض مئات الآلاف من الأرامل اللواتي انتزعت أعمال العنف أزواجهن وحطمت آمالهن ، معركة متواصلة من اجل تأمين البقاء لأسرهن وسط تجاهل السلطات الحكومية لمعاناتهن في بلد غارق في الدم.
أما فيما يخص وضع الأطفال والطفولة في العراق؛ فما يخرج علينا من أرقام واحصائيات أو تصريحات حكومية وغير حكومية عن هذه الشريحة - اضافة الى المشاهدة والمعايشة -، تعطينا بعض التصور عن الحالة التي وصلت اليها الطفولة في هذا البلد في ظل التحرير. حيث"إن وضع الأطفال في العراق لا يطاق."و إن نسبة الأطفال الذين يذهبون للمدارس انخفض من ثمانين في المائة عام 2005 الى 53 في المائة الآن، بينما يحرم 60 في المائة من الأطفال من المياه الصالحة للشرب مما يعرضهم للاصابة بمرض الكوليرا.
حيث حذرت منظمات غير حكومية عراقية من خطورة تأثير الوضع الأمني على أطفال العراق ، مؤكدة إن هذا الوضع أسهم في حصول ارتفاع خطير في نسبة عدد الأطفال الأيتام والمتسربين من التعليم ، إضافة إلى الأطفال الذين يتعرضون لاعتداءات جنسية. وجاء تحذير المنظمات متطابقا مع الإحصائيات الحكومية الرسمية التي تقول إن عدد الأطفال الأيتام في البلاد بلغ خمسة ملايين طفل وان هناك 500 ألف طفل مشرد في الشوارع يعيش معظمهم ظروفا اجتماعية صعبة، في حين يبلغ عدد الأطفال النازحين داخل وخارج البلاد - في سن الدراسة الابتدائية - نحو 220 إلف طفل ، لم يستطع ثلثهم مواصلة تعليمهم خلال عام 2008 فضلا عن وجود 760 إلف طفل لم يلتحقوا أصلا بالمدارس الابتدائية.
وأشارت الإحصائية الى وجود تقصير في عمل المؤسسات الحكومية المتخصصة بإيواء و رعاية الأيتام ، وقالت ان دور الأيتام التابعة للدولة تضم حاليا 459 يتيما فقط من بين هذه الملايين من اليتامى والمشردين.
وكانت منظمة أصوات الطفولة ( منظمة غير حكومية مقرها بغداد) قد كشفت عن وجود احد عشر ألف طفل مدمن على المخدرات في بغداد وحدها. وان العشرات من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن من 12 الى 16 سنة أصبحن ضحايا للاغتصاب والتحرش الجنسي. إضافة الى وجود أكثر من مليون طفل دخلوا ميادين العمل، وغالبا ما يتعرضون الى العنف والانتهاكات بمختلف أنواعها نتيجة اتساع دائرة الفقر، حيث يعيش ثلث سكان العراق حاليا تحت خط الفقر بحسب المنظمة.
وقد أصبح منظر الأطفال الذين يكدحون لكسب لقمة العيش عن طريق الخروج إلى سوق العمل مألوفا في شوارع العاصمة عبر تجميع علب الصفيح وإعادة بيعها كمصدر للحصول على المال الذي لا يتجاوز ثلاث دولارات يوميا، في وقت أبدى باحثون اجتماعيون قلقهم من الآثار السلبية الناجمة عن هذه الظاهرة غير الحضارية، والتي يرى الأخصائيون الاجتماعيون أن السببان الرئيسان لتفشيها هما الفقر والجهل النشئان عن حالة الاحتلال.
وتنجم عن هذه الظاهرة الخطيرة تأثيرات سلبية عديدة بسبب انخراط الأطفال في العمل خارج المنزل مما يؤدي الى انحراف في سلوكهم، منه ما هو مؤقت ودائم كالتدخين وما شاكله، اضافة الى تراجع قيم التربية الأسرية عندهم لتراجع تأثير الأسرة على هذا الطفل وما قد ينتج عنه من جنوح نحو العنف والجريمة وغيرهما.
ولا يستثنى شمال العراق من تلك الظاهرة، حيث تشير دراسة ميدانية أجرتها مؤسسة رعاية الأطفال بأربيل العام الماضي، إلى وجود 8246 طفلا، معدل أعمارهم بين 13و14 عام يعملون في اربيل، و4067 آخرين في مدينة السليمانية، و2565 طفلا في دهوك.
ويحصي الباحث هيوا محمد- في كتاب له صدر هذا العام 2008، عن وزارة حقوق الإنسان- ، آثاراً أخرى على الصعيد النفسي والصحي، (تنجم عن اختلاط الأطفال بأناس يمكن أن يؤثروا عليهم بسلوكهم السلبي)، ومن الناحية الصحية، يقول (يؤثر العمل الشاق بالسلب على صحة الطفل، من ناحية نموه مقارنة بغيره من الأطفال الذين لا يعملون).
كما تشير دراسة ميدانية لمؤسسة رعاية الأطفال، إلى أن 22% من الأطفال الذين يعملون في اربيل تعرضوا لإصابات عمل مختلفة، فيما يعمل أغلبهم في مهن لا تتناسب مع سنهم وقابلياتهم الجسدية، فيما تقف المؤسسات الحكومية موقف المتفرج ولا يبدو أنها تتخذ الإجراءات الكافية لرعاية الأطفال وإبعادهم عن الاستغلال.
وأعربت منظمة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة عن قلقها العميق لاحتجاز قوات الاحتلال الأمريكية لأحداث دون سن الثامنة عشرة في سجونها المنتشرة في العراق وغوانتانامو وأفغانستان وتعرض هؤلاء المعتقلين لمعاملة وحشية تحت اسم مقاتلين أعداء.
من جانبه قال المجلس الأمريكي للحريات المدنية في مذكرة موجهة الى المنظمة ان: الولايات المتحدة تخرق الاتفاقات الدولية حول حقوق الأحداث زمن الحرب وان سياساتها و ممارساتها تخرق كل المعايير الدولية الهادفة الى حماية حقوق الجنود الأحداث المشتبه فيهم من الممارسات غير القانونية.
ورغم وجود قوانين عراقية تسمح للأحداث المودعين داخل الاصلاحيات بالتعليم والتقدم لأداء الامتحانات، الا أن هذه القوانين عطلت منذ عام 2003، وحرم بالتالي هؤلاء الأحداث من اكمال دراستهم.
وفي لقاء لجريدة الشرق الأوسط مع مدير سجون الأحداث (ولي جليل الخفاجي) قال ان: " هناك ثلاث مدارس مختصة باصلاح الأحداث(الصبيان والفتيات والشباب) من المفترض احتواؤها على مدارس داخلية تجري فيها الامتحانات، وهذا ما كان معمولا به سابقا، وهو غير ما يحدث الآن، وعلى الرغم من وجود قانون مازال ساري المفعول يسمح بذلك، لكنه معطل".
الخدمات والبنى التحتية:
يعاني المواطن العراقي في أرض الوطن الأمرين ليحصل على ما يسد به رمقه من الحاجات الأساسية لاستمرارية الحياة من أكل وشرب وعلاج، فهو "يعيش منذ عام 2003 في دوامة من المشاكل الحياتية اليومية تتراوح بين احتمال الموت وسط مخاطر التفجيرات والاغتيالات وبين الموت جوعا في بلد وصلت فيه البطالة حدا لم تصله في أي بلد آخر في العالم رغم انه يملك ثروة نفطية هائلة" . حيث ان معدل البطالة بين السكان وفقا لتقارير وزارة التخطيط ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، من عمر15 عاما فأكثر يبلغ 28.1% لكلا الجنسين، وان المعدل بلغ في المناطق الحضرية 30% في مقابل 25.4% في المناطق الريفية.
فحال من بداخل الوطن ليست بأحسن من حال من هاجر خارجه وأصبح لاجئا في ديار الغربة والبعاد، فكلاهما يعاني ما يعانيه للحصول على لقمة غذاء العيش و دواء العلاج؛ في مقابل تنعم وثراء فاحش لأصحاب ما تسمى بالعملية السياسية، وبرلمان جل اهتمامه مناقشة مشاريع زيادة رواتب نوابه. حيث (يعد الفساد السياسي واحدا من أهم وجوه الفساد، وهو المدخل الرئيس لجميع تجليات هذه الظاهرة، من فساد مالي وفساد اداري) ، بل ان الفساد المالي والاداري شمل المحكمة الجنائية العليا، كما ذكر علي العلاق الأمين العام لمجلس وزراء الحكومة الحالية في تصريح صحفي.
كما اعترفت شركة "رامان انترناشيونال" الأمريكية للخدمات الدفاعية بأنها قدمت رشى الى مسؤولين حكوميين، من أجل الحصول على تعاقدات حكومية للعمل مع القوات الأمريكية في العراق.
وفي استعراض موجز لحال الخدمات و البنى التحتية في العراق وفي مجالاتها المختلفة يمكننا ان نصل الى وصف الحالة المزرية والمتردية التي وصل اليها الناس والبلد في هذا النطاق. يصف أحد الكتاب حال البلد قائلا: "تقود الولايات المتحدة الأمريكية في العراق مسلسل تدميري تقتسم أدواره الرئيسية : مؤسساتها العسكرية -الأمبريالية المنظورة منها وغير المنظورة، تهدف أمريكا من وراء إحتلالها العراق فرض نماذج "للتعاون الأمني والأقتصادي" تضمن لها وللدول الحليفة الكبرى مصالح ستراتيجية مستدامة كل حسب قوتها وجبروتها وللدول النائمة العائمة المهمَشة التابعة المستعبدة،العيش على الكفاف بشكل مرسوم كل حسب درجة تعاونها وصمتها وعبوديتها وفقرها وغبائها".
ووفق الإحصاءات الأخيرة التي أجرتها منظمة الشفافية الدولية المعنية بمراقبة الفساد في العالم، والتي تتخذ من برلين مقراً لها، ومن بين 180 دولة على مستوى العالم فإن العراق يحتل المركز الثالث بين الدول الأكثر فساداً في العالم بعد الصومال وميانمار. وحسب تقرير لمجلة الشؤون الخارجية الأمريكية للعام 2007 فان العراق هو الدولة رقم واحد في الدول الفاشلة وذلك حسب المعايير الأربعة المعتمدة وهي 1- غير مسيطرة على أجزاء من اراضيها.2-فاشلة خدماتيا وفي صلب ذلك الأمن .3- لا تحتكر الأمن الشرعي.4-جزء من الشعب لا يؤمن بشرعية الدولة.
وكشف مصدر رفيع في هيئة النزاهة الحكومية عن أن خسائر البلد خلال السنوات الخمس التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق بلغت نحو 250 بليون دولار؛ فقد أوضح نائب رئيس هيئة النزاهة، القاضي موسى فرج، في تصريحات لصحيفة "الحياة"، في مناسبة الذكرى الخامسة للأحتلال، أن العراق "خسر خلال هذه الفترة 45 بليون دولار من تهريب النفط الخام الذي تسيطر عليه أحزاب معلومة في الجنوب، و45 بليون دولار أخرى من المشتقات النفطية، بالإضافة إلى حرق 600 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً من دون الاستفادة منها، واستغلال 441 بئراً نفطية من أصل 1041 بئراً منتجة، وطاقة تصديرية تقدر بـ4.2 مليون برميل لم يستغل منها أقل من النصف"، و"ما بقي من الـ250 بليون دولار، أهدرها الفساد في الوزارات والمؤسسات الأخرى". واعتُبرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء "البؤرة الأخطر للفساد".
فيما احتلت وزارة الدفاع المرتبة المتقدمة في الفساد المالي والإداري، خصوصاً في عقود التسليح بما فيها شراء طائرات عمودية قديمة غير صالحة للعمل، وبنادق قديمة مصبوغة رفضتها اللجنة الحكومية وفرضتها الشركة الأمريكية المصنعة، واستيراد آليات من دول أوروبا الشرقية بنوعيات رديئة"، كما وجدت اللجنة مؤشرات تثبت تورط بعض المسئولين في وزارة الدفاع بصفقات سرية لأسلحة غير صالحة أو مناشئ غير معتبرة.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قالت في تقرير نشرته مؤخرا إن صفقة سرية تمت من دون إجراء مناقصة بقيمة 833 مليون دولار بين العراق وصربيا لشراء أسلحة أظهرت تواصل مشاكل بغداد في تسليح قواتها إذ يضرب الفساد وفقدان الكفاءة أطنابهما. وغيرها الكثير من قضايا الفساد المالي و الاداري في تلك الوزارة.
اضافة الى ذلك وما خفي كان أعضم وبعد كل ما صرف في هذه الفترة الطويلة من الجهود والأموال من خزينة الشعب المسحوق يخرج علينا وزير الدفاع عبد القادر العبيدي في تصريح لراديو سوا الأمريكي في 16/2/2008 ليقول:"انه لا يمكنه الدفاع عن حدود البلاد وتنفيذ مهام الردع الاستراتيجي من دون مساعدة الجيش الأميركي، وان العراق لا يمتلك الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف". فان كان لا يستطيع ضبط الحدود، وهو في نفس الوقت لا يستطيع أن يفرض سيطرة قواته على الوضع في الداخل، بل ولا حتى على وزارته؛ اذاً أليس من حق العراقيين أن يتساءلوا، ما هو دور وزارة الدفاع التي تبلغ حصتها من ميزانية البلاد الخيالية حسب المصادر الحكومية 13%؟.
أما حال وزارة الداخلية فانه لا يختلف كثيرا عن حال سابقتها وزارة الدفاع، حيث كشفت أوساط سياسية رسمية عن وجود 66 ألف وظيفة وهمية في هاتين الوزارتين، كان حصة الداخلية منها 50 ألف وظيفة وهمية في قوات حماية المنشآت فقط ، وباتالي رواتب وهمية كلفت خزينة الدولة 5 بليون دولار سنويا، مع ثمن الأطعمة والملابس، عدا الأسلحة والعتاد. بينما تم اكتشاف 16 ألف وظيفة وهمية في أفواج حماية الأنابيب النفطية التابعة لوزارة الدفاع، كما تم سحب الرتب من 900 ضابط في وزارة الداخلية لفشلهم في اثبات الوثائق التي تؤيد تخرجهم من كليات الشرطة أو الكليات المدنية الأخرى، كما فقدت الوزارة 19 ألف قطعة سلاح، أفادت وثائق أن شركات أعادت بيعها الى أطراف بريطانية، كما أفاد القاضي موسى فرج نائب رئيس لجنة النزاهة.
وأضاف عمار طعمة عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب الحالي في تصريح نشر في صحيفة الدستور الأردنية يوم الثلاثاء 6/5/2008 ، ان القضاء على الفساد الاداري في الأجهزة الأمنية يتم من خلال تصحيح الوضع السياسي الحالي في البلاد واصدار تشريعات قانونية رادعة بحق المفسدين، اضافة الى اسناد مناصب التفتيش في الوزارات الأمنية الى أشخاص يتصفون بالنزاهة.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد اقرت في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي بسوء إدارة أموال برنامج لتدريب الشرطة الحكوميًّة بناء على عقد كانت قد وقًّعته واشنطن مع بغداد وبلغت قيمته 1.2 من مليار دولار أمريكي، وقالت الوزارة إنًّ مدقِّقي الحسابات لم يعرفوا الطريقة التي أُنفقت من خلالها الأموال.
كما أشار تقرير أميركي الى أن 30 % من منتسبي قوات الأمن العراقية مختفون ومازالوا يتقاضون رواتبهم وأوضح التقرير الذي أعده المفتش الأميركي المسؤول عن مراقبة برامج إعادة الإعمار في العراق ستيوارت بوين ونشر في 25/4 من هذا العام؛ أن جزءا لا يستهان به من المسجلين في كشوف رواتب القوات الأمنية العراقية البالغ عددهم نحو 530 ألفا، حسب السجلات الرسمية العراقية للشهر الماضي، يشمل متوفين ومصابين و مجازين، بل وحتى عناصر لم يطأوا بأقدامهم مكان العمل أبدا.
وأعلن الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية عدنان الأسدي في 17/7 لراديو سوا الأمريكي؛ "إن الوزارة طردت ومنذ بداية هذا العام أكثر من ثمانية آلاف منتسب من صفوفها " ليصل العدد ومنذ عام 2005 وحتى الآن الى أكثر من 38 ألف منتسب فُصلوا لأسباب تتعلق بالفساد والتعاون مع الجماعات المسلحة والميليشيات فضلا عن إهمال الواجب.
وأوضحت النائبة أمل القاضي عضو لجنة النزاهة في البرلمان في تصريح نشر في جريدة القدس العربي في 15/5 من هذا العام؛ ان ظاهرة الشهادات المزورة منتشرة في جميع الوزارات، آخر حالة رصدتها اللجنة كانت وجود موظفة في وزارة الخارجية مرشحة للعمل كملحق في الخارج وبعد متابعة الموضوع تبين أن شهادتها مزورة.
وفي ما يخص الشــــهادات المزورة في وزارة التربية والتعليم بينت القاضي أن هناك أعدادا هائلة فهناك في احدي المديريات لوحدها أكثر من 500 شهادة مزورة حسب احصائيات ديوان الرقابة المالية لسنة 2007.
أما وزارة النفط وبعد أن أشارت التقارير الى ان واردات العراق ستتجاوز 70 مليار دولار(على حساب سعر 100دولار للبرميل) !، وفي الوقت الذي تحاول فيه حكومة المالكي ومن خلال وزيرها للنفط تهدئة مخاوف العراقيين من سيطرة الشركات النفطية الأجنبية وبخاصة الأمريكية على نفط العراق وخروج هذه الثروة من السيطرة الوطنية؛ تم الكشف مؤخرا- حسب صحيفة نييورك تايمز- عن قيام خبراء في وزارة الخارجية الأمريكية بادارة العقود الكبيرة في وزارة النفط الحكومية، و من ثم السماح لحكومة المالكي بالتوقيع عليها، مؤكدة بذلك بقول كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن فريدريك بارتون"نحن ندعي أن النفط العراقي ليس محور اهتماماتنا لكننا لا ننفك نثبت أنه كذلك".
وذكر مسؤولون في هذه الوزارة أن أربع شركات نفط غربية على وشك الحصول على عقود نفطية في العراق دون مناقصات بعد دخولها في المرحلة الأخيرة من المفاوضات. حيث ستعود أربع شركات غربية عملاقة الى العراق، وللمرة الأولى منذ أربعة عقود من تأميم النفط العراقي؛ لاستغلال مخزون البلاد الهائل من النفط ، وان ("الجائزة الأكبر لهذه الشركات هي انتظار فرصة تطوير الحقول الجديدة العملاقة"، كما ان هذه العقود الحالية تشكل "موطئ قدم" في العراق لتلك الشركات على المدى الطويل).
هذا ومن المتوقع أن تكون الشركات هي (ايكسون موبايل) الأمريكية و(شيل) الهولندية و(بي بي-BP ) البريطانية و(توتال) الفرنسية و(شيفرون) الأمريكية.
من جهة أخرى كشف أحد أعضاء لجنة النفط والغاز في مجلس النواب الحالي؛ عن أن ما أعلن وعلى لسان وزير النفط عن عقود أبرمتها وزارته وسميت بعقود الاسناد الفني، وبمبلغ 500 مليون دولار؛ انما هي " عبارة عن عقود على الورق لا غير كما انها لم تطرح بشكل مناقصة والتي تؤكد عليها وزارة التخطيط".
وكان تقرير للأمم المتحدة أعلنه ممثل الأمين العام في المجلس الدولي للمشورة والمراقبة للعراق قد أشار الى "قصور واضح في المراقبة المالية الداخلية بما فيها عدم وجود ملفات كاملة في وزارة المالية حول عائدات النفط ، وانعدام نظام لقياسه، وبيع النفط خارج صندوق التنمية، وعدم وجود معلومات كافية حول عقود وكالات الولايات المتحدة مع المتعاقدين".
أما في مجال اعادة الاعمار فكثيرا ما دأبت الحكومة الحالية كما هي سابقاتها على الاعلان عن ارساء قواعد الاعمار ونمو البنى التحتية في محافظات البلد، لكن مابرحت المشاكل والمعوقات تطفو على السطح لتهدد هذه المشاريع وتعرقلها.
وأبرز هذه المشاكل وتلك المعوقات هي الخلافات الواضحة بين الكتل السياسية بعضها مع بعض، بل وحتى داخل الكتلة الواحدة والتي تظهر في مسألة حل احالة ميزانية ما أو مشروع ما الى البرلمان، أضافة الى الفساد الاداري المستشري بشكل مخيف في مؤسسات الدولة.
وذكر السناتور الأمريكي الديقراطي كارل ليفين انه قد يحاول مطالبة العراق بانفاق المزيد من ايراداته النفطية في اعادة البناء، وأضاف متسائلا:أي منطق هذا أن تمول اعادة اعمار العراق من المنح وأموال دافعي الضرائب الأمريكيين في حين توجه أموال مبيعات النفط العراقي بدرجة كبيرة الى بنوك أجنبية، ولا تستخدم في اعادة الاعمار.
ودائما ما يذكر المسؤولون الأمريكيون بشكل مستمر أن الحكومة في العراق من رئيس وزرائها المالكي نزولا الى الأدنى فالأدنى على هرم السلطة لم يختلسوا وحسب مليارات تفوق الحصر من الخزانة العراقية، بل وأيضا 18 مليار دولار من المساعدات الأمريكية. وصفها الرئيس السابق للجنة النزاهة العامة القاضي راضي الراضي؛ بأنها أكبر سرقة في التأريخ المعاصر.
وأشارت عدة تقارير تفصيلية أوردتها الحكومة الأمريكية ما خلاصته؛ أن أمريكا لم تقدم فقط معظم الأموال التي اختلسها مسؤولون عراقيون ، لا بل أن مسؤولين أمريكيين قد ساعدوا بالفعل وحرضوا على ارتكاب تلك السرقات.
وشكك كبير القادة الأمريكيين في الشرق الأوسط وليام فالون بقدرة الحكومة الحالية في ادارة أموال البلد في اعادة الاعمار، حيث ذكر وفي رده على سؤال ليفين له - خلال جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بشأن قوات الاحتلال في العراق- عن امكانية دفع العراق تكاليف اعادة الاعمار؛ فقال فالون: ان هناك مخاوف بشأن قدرة العراق على توزيع ايرادات نفطه بشكل فعال.
في مقابل ذلك أكد نائب رئيس لجنة النزاهة فى البرلمان الحالي لبي بي سي أنه لا سلطة للحكومة العراقية أو البرلمان على أى أموال ينفقها الجانب الأمريكى فى مشاريع إعادة إعمار العراق. لكنه قال: "اكتشفنا أن هذه الأموال تذهب إلى غير هدفها في [عملية إعادة] الإعمار، كما كانت سببا في إشاعة الفساد. إذ أصبح شعار المتعاملين هو: اصبغ واربح." أي اصبغ المباني المكلف باعمارها فقط للايهام باكتمال عملية الاعمار.
في حين أشار رئيس الحكومة الحالية نوري المالكي وفي كلمة متلفزة الى أن هناك دوافع سياسية تقف وراء التلاعب والتعطيل الحاصل في تنفيذ مشاريع الاعمار، واعدا بعدم اعطاء تنفيذ المشاريع الا للشركات والمقاولين الصادقين الذين يمتلكون الخبرة والاخلاص في عملهم !؟.
وعزا وزير التخطيط والتعاون الانمائي علي بابان، التدني في نسب انجاز المشاريع الى نقص التجربة لدى المحافظات العراقية في التخطيط والانماء، مؤكدا بان هناك الكثير من القصور والاضطراب في مايسميه ببرنامج تنمية الأقاليم.
وكشف برنامج بانوراما وفي تحقيق لهيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي، عن مدى تربح المقاولين من الصراع واعادة الاعمار، استنادا الى مصادر حكومية أمريكية وعراقية، حيث قدر التحقيق أن نحو 23 مليار دولار أما سرقت أو أهدرت أو ضاع أثرها في العراق. ولم يواجه حتى الآن أي من المقاولين الأمريكيين الكبار المحاكمة بتهمة الفساد أوسوء الادارة في العراق.
أما في قطاع الكهرباء العملة النادرة للشعب العراقي، فما تعانيه وزارته من الفساد الاداري والمالي وصل حدا لم يعد بمقدور كائنا من كان اخفائه أو التستر عليه. فقد أفاد نائب رئيس هيئة النزاهة القاضي موسى فرج أنه عشية الاحتلال "كان إنتاج العراق من الكهرباء 4 آلاف ميجاواط، وقدرت الحاجة الإضافية بـ2800 ميجاواط أخرى".
وأضاف أنه "تم إنفاق 17 بليون دولار على هذا القطاع خلال السنوات الخمس الماضية، منها 10 بلايين من موازنات السنوات الأربع الماضية، و4 بلايين من أموال العراق المجمدة في الخارج، و3 بلايين منحة أمريكية. واليوم نحن على أعتاب العام السادس ولم يرفع إنتاج الكهرباء واطًا واحداً".
أما وزارة التجارة، التي تعد الجهة الأولى المسئولة عن توفير الغذاء للعراقيين "فمهمتها – والحديث لموسى فرج - الرئيسة توفير مواد البطاقة التموينية. لكنها بدلاً من الاتفاق مع جهات معروفة في توفير المواد المطلوبة اتجه المسئولون فيها إلى التعاقد مع تجار في الأسواق المحلية على صلة بهم؛ ففتحوا مكاتب لهم في الخارج وصدروا إلى العراق كل ما هو تالف وغير صالح للاستخدام الآدمي، تجاوز بعضه مدة صلاحيته".
وأكد فرج أن الهيئة اكتشفت الكثير من ملفات الفساد في وزارة التجارة تتعلق بعقد صفقات بآلاف الأطنان من الأغذية الفاسدة مما كلف الدولة عشرات البلايين من الدولارات".، إضافة الى ملف الفساد الذي يتعلق بشبكة الحماية الاجتماعية المخصصة للفقراء والمعوزين والعاطلين من العمل في وزارة العمل والتي تسلل إليها عدد كبير من التجار والموظفين وأصحاب المهن، فضلاً عن ملفات فساد كبيرة.
أما الوضع الصحي فقد شددت منظمة اطباء العالم في بيان لها في الذكرى الخامسة على بدء الحرب على الوضع الصحي المأساوي في هذا البلد واتهمت المجتمع الدولي والاتحاد الاوروبي بمواصلة التهرب من مسؤولياتهما، مؤكدة ان الضحايا الرئيسيين لهذه الازمة هم مدنيون، مشيرة الى ان 28% من الاطفال العراقيين يعانون من سوء التغذية و10% منهم من امراض مزمنة فيما تنجب 30% من النساء اولادهن في المدن و40% في الارياف، بلا عناية صحية.
وقالت المنظمة غير الحكومية العاملة في العراق منذ 1991 ان المنشآت الصحية تعاني من نقص المعدات والموظفين المؤهلين و90% من 180 مستشفى في كافة ارجاء البلاد تعاني من نقص حاد في الموارد البشرية. . ويعيش الموظفون في القطاع الصحي تهديدا دائما بسبب وضعهم الاجتماعي، فيتعرضون للضغوط او للخطف والقتل، بحسب المنظمة التي اضافت ان الجمعية الطبية العراقية تقدر ان 50 % من 34 الف طبيب عراقي مسجل عام 2003 غادروا البلاد فيما قتل الفا طبيب وخطف 250 منذ 2003.
وكان للفساد المالي والاداري المستشري في دوائر ومؤسسات الوزارة الدور الأساس في ما وصل اليه الوضع الصحي الكارثي للمواطن، لأنه يعرض حياة الناس لخطر كبير، حيث أشار القاضي موسى فرج إلى أن 90 في المائة من الأدوية المتداولة في الصيدليات لم يتم فحصها، ولا دور للوزارة في استيرادها أو توزيعها، وغالبًا ما تكون من جهات رخيصة ومتدنية النوعية".
ولفت إلى أن "إحدى كوارث هذه السياسة تسرب فيروس الإيدز من خلال أحد العقاقير في محافظة بابل قبل عامين تقريباً. وآخر ما وصلنا أن جهات صحية تستخدم المخدر الخاص بالمستوصفات البيطرية للمرضى البشر".
كما كشف حاكم الزاملي وكيل وزير الصحة، في تصريحات وجود «مافيا تتاجر بالادوية وعقود الاعمار داخل الوزارة طاولت رأس الهرم فيها». وأوضح: أن هناك «فساد اداري ومالي بأكثر من بليون دولار، منها عقود بـ300 مليون دولار تورط فيها الوزير الشمري الذي طلب اللجوء الى الولايات المتحدة.
واعترف معاون المفتش العام بوزارة الصحة بوجود 195 لجنة تحقيقية مشكلة خلال الأربعة أشهر الأولى من العام الحالي، في قضايا تزوير واختلاسات وسرقات خارجية واهمال طبي.
وآخر صور المصائب التي تنهال على رأس المواطن العراقي البسيط وبعد الشح المتواصل للماء الصالح للشرب؛ هي تلوث النزر اليسير المتوفر من هذا الماء، والذي بدل أن تعمل الحكومة على تنقيته، أوعزت لوزارة الصحة فيها لكي ترسل رسائل جوال تحذر المواطنين من تناول ماء الاسالة؛ والاستعاضة عنه بشراء الماء المعقم، لاضافة عبئ مالي جديد لا يستطيع ملايين العراقيين العاطلين عن العمل تحمله.
هذا ويعلن بين الحين والآخر عن ظهور وانتشار الكثير من الأمراض الوبائية كالكوليرا وبعض الحالات السرطانية بين صفوف المواطنين يكون سببها الأساس تلوث مياه الشرب وعدم صلاحيتها للاستخدام الآدمي، أو اختلاطها بمياه المجاري الآسنة.
وقد ذكر مسؤول صالة الطوارئ قي مستشفى الكرخ العام الكتور رعد حميد رشيد، بأن المستشفى يتلقى حالات مرضية كثيرة سببها تلوث مياه الشرب، فيما أضافت أخصائية في مختبر بمستشفى حكومي في بغداد ان أكثر الفحوصات التي تجرى على المياه المجهزة للمواطنين من خلال شبكات الاسالة تؤكد عدم صلاحيتها للشرب، كما ان الفحص الجرثومي للماء يؤكد وجود معادن ثقيلة سامة فيه تؤذي المواطن.
هذا ومما لم يعد خافيا على أحد أن الفساد المالي والاداري قد استشرى في كل مفاصل الحكومة الحالية ودوائرها كحال سابقاتها، فهو وان اختلف في سعته وتأثيره وحجم مسروقاته، من وزارة الى أخرى؛ لكن لم تسلم منه أي من هذه الوزارات، لكننا ذكرنا حال البعض منها لأنها تعتبر الأكبر حجما وتأثيرا على البلد والمواطن يمكن قياس غيرها عليها، وكذلك لتفادي الاطالة التي قد تؤدي الى الملل، والله المستعان.
الخاتمة:
كل ماجرى ويجري للعراق ولأمريكا بل وللمنطقة بأكملها من مآس وآلام وأزمات كان بسبب قرار طائش لبوش وادارته بغزو بلد آمن مستقر، ولأسباب وذرائع أثبت الواقع بطلانها وكذبها ليس من قبل العراقيين بل من قبل الامريكيين انفسهم، ففي تقرير مستقل أصدره مركز الأمانة العامة وهو هيئة غير حزبية؛ اتهم مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي الجمهوري جورج بوش بالإدلاء بما يصل الى 935 تصريحا كاذبا عن العراق بهدف غزوه، كان حصة وزيرة خارجيته الحالية منها بما يصل إلى 65 تصريحا كاذبا للشعب الأمريكي مكررة الترويج لقضية امتلاك العراق أسلحة دمار شامل.
وبين هذا وذاك يبقى المواطن الضحية الأولى والأخيرة لسلسلة طويلة من الفشل الحكومي على مدار خمسة أعوام في تأمين الخدمات الأساسية من غذاء ودواء وماء صالح للشرب؛ بينما يسمع هذا المواطن المغلوب على أمره تصريحات من وزير النفط عن عائدات نفط بلده تقول انها بلغت أكثر من 70 مليار دولار، يجد نفسه يتصارع من أجل البقاء مع القتل والاعتقال والتشريد، ومع صيف لاهب لا كهرباء فيه ولاماء ، فيما يرى من تسلقوا على أكتافه الى المناصب بشعارات الظلم والحرمان منشغلين بتبادل الاتهامات والدعوة لاقالة هذا الوزير أو ذاك وعقد الاجتماعات والمؤتمرات داخل العراق وخارجه.
كما ان الاجرام الاميركي المستمر ضد المدنيين العراقيين لن تقل بشاعته ان قلت او زادت أعداد ضحاياه بضعة آلاف هنا او هناك ولن يعفى الصامتون عنه حد التواطؤ لا من المسؤولية التاريخية ولا من المضاعفات المحتملة له خصوصا في الاطار الاقليمي . لقد بلغ حجم هذا الاجرام حدا يجعل من المستحيل على أي عنوان او اسم من العناوين والأسماء التي ترتكب جريمته تحتها ان يفلت من مساءلة الشعب العراقي ، سواء أمريكيا كان أم "عراقيا".
يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل
قسم حقوق الإنسان في الهيئة يصدر تقريره نصف السنوي
