قراءة في المؤتمر العام الأول لـ هيئة علماء المسلمين_عبد البديع الإبراهيمي
ليس غريبا على قوة رافضة للإحتلال مثل هيئة علماء المسلمين في العراق أن يكون لمؤتمرها صدىً مدوّياً وتأثيراً معمّقاً ، فهي التي كانت ـ ولاتزال ـ تذود عن أرض العراق ومقدساته وثرواته عبر مواقفها الداعمة لـمقاومة الإحتلال وممانعته على كافة الأصعدة ، ورفض مشاريعه التي تنخر جسد بلاد الرافدين .
إن المؤتمر الذي عقدته الهيئة نقش بصمة واضحة في تاريخ العراق على الرغم من أن البعض يحاول أن يُبدي تجاهلاً أو يلوي رأساً ، وخاصة أولئك الذين يُحرّكهم الإحتلال داخل ما يُعرف بـ (العملية السياسية) ، فهم على ظن أن تجاهلهم إعلامياً سيسهم في إحداث صمم بآذان الناس أو يُنشئ غشاوة على أبصارهم ، دون أن يكون بإعتبار هؤلاء أنهم أنفسهم أبدوا اهتماماً بهذا المؤتمر وترقبوا نتائجه وما سيؤول عنه ؛ ذلك لما تمثله الهيئة ومواقفها الوطنية من عقبة كبرى في طريق ما يريده الإحتلال وعملاؤه لهذه الأرض المباركة أرض عراق الحضارات .
القوى الرافضة للإحتلال
أثبتت هيئة علماء المسلمين في العراق من خلال مؤتمرها أن الميدان العراقي مليء بالقوى التي تمانع الإحتلال وتلفظه من حياة العراقيين ، وجاء ذلك مترجماً على ا{ض الواقع من خلال الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر ؛ إذ شارك الهيئة العديد من القوى والواجهات العراقية مختلفة الأديان والمذاهب والأعراق ، وجميعهم أجمعوا على كلمة واحدة ومبادئ مشتركة ..
فإلى جانب هيئة علماء المسلمين جاء المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني بزعامة الشيخ جواد الخالصي ، وحزب الحرية والعدالة الكردستاني من خلال أمينه العام الشيخ جوهر الهركي ، ومجلس عشائر الجنوب بقيادة رئيسه الشيخ كاظم آل عنيزان ، وعشائر الموصل من خلال الشيخ جمعة الدوار ، وحركة بابا گرگر التركمانية بتمثيل الفريق الطيار الركن نجدت مصطفى ، والجبهة الوطنية والقومية والإسلامية ، والجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية ،و الطائفة اليزيدية من خلال أميرها أنور معاوية ، والقيادة العامة للقوات المسلحة ـ الجيش العراقي ..وكلهم تحدثوا ضمن إطار واحد كانت هيئة علماء المسلمين أول من رسمه بعد إحتلال العراق في 2003 .
إن مشاركة هذه القوى لهيئة العلماء في مؤتمرها يمثل صفعة قوية في وجه الهمازين الذين ما انفكوا يتشدقون بأن الهيئة تفتقر إلى الرصيد الجماهيري .. فواقع الحال يُثبت عكس ذلك حتى قبل المؤتمر ، غير ان الأخير جاء بمثابة رسالة واضحة تُلجم أبواق الإحتلال وتقطع ألسنة العملاء .
ولعل هذه النقطة تدعونا إلى النظر في المشهد العراقي من حيث حجم القوى العاملة فيه بمختلف توجهاتها وامتدادها جماهيرياً وشعبياً لنلمس أن أصحاب (العملية السياسية) الذين يتناحرون اليوم ويتشاجرون من أجل (قضية كركوك) حطت بهم عمليتهم عند نقطة الإفلاس الجماهيري ، فلا غروَ أن نجد روح الحسد والتحامل لديهم على هيئة علماء المسلمين بإعتبارها أثبتت صواب رؤيتها زدقة تشخيصها في حين فشلوا هم في ذلك مرات ومرات على مدى السنوات الخمس الماضية .
مجلس الشورى والإنتخابات
بعد المؤتمر عقدت الهيئة اجتماعاً ضم مجلسي الشورى والأمانة العامة لتُقيّم أداءها خلال الفترة الماضية ، ولغرض إجراء انتخابات جديدة للأمانة العامة حسب ما يُشير إليه نظامها الداخلي .
إن عقد إجتماعات التقييم والمتابعة يدل على التكامل المؤسسي والتواصل والتنسيق بين مكاتب الهيئة وفروعها والتظافر الجاري بين المكونات الـمُشكّلة لهيئة علماء المسلمين ..
ومن هنا يمكن قطف دلالة تشير إلى قوة الهيئة تنظيماً ومنهجاً ، عكس ذلك مجلس الشورى الذي حضر أعضاؤه بهذا العدد الكبير ، حيث يُفهم من هذا الأمر مدى إيمان أعضاء هيئة العلماء بقضيتهم وثباتهم على منهجهم ، فضلاً عن الثقة التي منحوها لقيادة الهيئة والتي تمثلت بإعادة انتخاب الشيخ المجاهد د.حارث الضاري أميناً عامّاً ، وبإنتخاب مجلس الأمانة العامة الذي يضم الكفاءات والطاقات المؤهلة لحمل قضية العراق والدعوة إلى نصرتها .
لقد قطع أعضاء مجلس شورى الهيئة الطريق على المتربصين الذين يبتغون تشويه الحقائق الجلية الناصعة في مسيرة هيئة علماء المسلمين خلال الأعوام الماضية من خلال بث الإفتراءات واعتماد الأهواء في النظر إلى الميدان العراقي محاولين إبعاد الهيئة عن مكانها العليّ وإطلاق الألسنة الحداد التي سلقوها على رجال هيئة العلماء لمحاولة تشكيك الناس وإيهامهم .. قطع أعضاء مجلس الشورى الطريق على هؤلاء وأثبتوا لأهل العراق أن هيئة علماء المسلمين منظومة متكاملة ، وأنها دعوة وفكرة ، قضية ومبدأ ،منهاج وتربية، قيادة وجهاد ، تعمل على اساس مبدأ الشورى في اتخاذ القرارات والمواقف ، وعلى تكامل الرؤى وتمازج الأفكار اللتي تصنع واقعاً رافضاً للإحتلالناشداً للحياة الحرة الكريمة التي تضفي على أبناء العراق أمناً واستقلالاً وحرية ..ثم أعلنوا وبصوت عالٍ تجديد ثقتهم بأمينهم العام الذي قاد الهيئة في هذا المسار وضمن هذا الإطار من الثوابت الشرعية والوطنية التي تحفظ لبلاد العراق كرامتها والكبرياء.
إن إعادة انتخاب الشيخ المجاهد د. حارث الضاري أميناً عاماً لهيئة العلماء يمثل صفعة أخرى لكل الوجوه المأجورة التي جنّدت ألسنتها وهيّأت سمعها لمشاريع الإحتلال واستخدمت عينه لتبصر بها ، فكانت أدوات طيّعة لتنفيذ أجنداته وتحقيق مآربه فترجمت هذه التبعية للمحتل من خلال أقلامها ووسائل إعلامها التي حاولت مراراً الإساءة إلى الهيئة وشخص أمينها العام سعياً منها للفصل بينهما أو صناعة مساحات تظن من خلالها أنها ستعمل على فك الأواصر المتينة بين مكونات هيئة علماء المسلمين ، فجاءت هذه المرحلة لتبين للناس أن الهيئة بناء صلب ، وأن الشيخ الضاري عموده الأساس ، وهو أهل لأن يكون في قمة صرح هيئة العلماء مكانة وشرفاً .
شبهة ..وّ رد
ولعل تسليط الضوء على مؤتمر الهيئة يُعد مناسبة للرد على بعض الشبهات التي ما انفك بعض المفلسين إيرادها كلما سنحت لهم فرصة للحديث .
فالبعض يقول إن اتخاذ القرار داخل الهيئة محصور بعدد من قادتها !!
وهنا اقول: إن ما جاء في مؤتمر الهيئة بكل جزئياته لهو خير ردٍ على هذه الشبهة ، إيتداءً من الجلسة الإفتتاحية التي شاركت فيها العديد من القوى العاملة في الساحة العراقية رفضاً للإحتلال ، وانتهاءً بالبيان الختامي للمؤتمر .
فالهيئة حين تتخذ قراراً فإنها تنظر بعين الإعتبار إلى حجم القوى المساندة لها في الميدان بحيث تعمل على ان لايكون في قرارها ما يفسح المجال للمتربصين أن يصنعوا منه ثغرة بينها وبين هذه القوى التي تشارك الهيئة توجُهها وتتفق معها في أهدافها ، ودليل ذلك أنها ـ أي الهيئة ـ لم تغفل عن دعوة هذه القوى لمؤتمرها على الرغم من أنه خاص بها ، وبالتالي فإن مثل هكذا قرارات تكون منبثقة عن مبدأ شوري يعتمد على تبادل الاراء ومناقشتها ثم إقرار ما هو مناسب وفق المرحلة وضمن إطار الثوابت ..
ثم جاء بيان الهيئة الختامي ليضع جملة من المقررات والتوصيات التي لم تخرج عن ما كانت الهيئة ـ ولازالت ـ تنادي به ، وعنده وضعت أسسها، أي لم تخرج عن الإجماع المتفق عليه منذ تشكيل الهيئة والذي يعد نابعاً عن الشورى التي اعتمدتها هيئة علماء المسلمين منذ يومها الأول .
كلمة حق
كلمة حق ينبغي أن تقال ..
إن مؤتمر هيئة علماء المسلمين حين بلغ صداه ما بلغ ، وعلق عليه جملة من الأكاديميين والمثقفين والسياسيين وغيرهم في العراق وخارجه يعكس دلالة على أن رصيد الهيئة وثقلها لهما تأثير محلي واقليمي ودولي ..وبلا مبالغة فهي تستحق ذلك ..
فرغم كل المصاعب والمشاق ، وكثرة العوائق التي واجهتها الهيئة من اغتيالات لأعضائها وإعتقالات لهم ولمناصريها وسلب مقرها وإذاعتها ؛أبت إلا أن تُعلن للعالم أنها في ثبات على الحق ، واستعلاء على الألم ، وتجاهل لعظائم المحن ، فانبرت لتجمع أعضاءها وتقيم أداءها راغبة بتقديم كل ما فيه فضل وزيادة يصب في مصلحة بلدها العراق ، ولتجدد طرح مشاريعها المتضمنة خلاص البلد ووحدة مكوناته وحفظ ثرواته ، وطرد الإحتلال من أراضيه ..
فهي حقاً إبنة سنوات العطاء والرباط.
7/8/2008م
قراءة في المؤتمر العام الأول لـ هيئة علماء المسلمين_عبد البديع الإبراهيمي
