هيئة علماء المسلمين في العراق

التقارب الأمريكي الإيراني!.. د. أسامة عثمان
التقارب الأمريكي الإيراني!.. د. أسامة عثمان التقارب الأمريكي الإيراني!.. د. أسامة عثمان

التقارب الأمريكي الإيراني!.. د. أسامة عثمان

الأمر المؤكد الذي تُتَابِعُ التصريحات والمواقف الأمريكية توضيحَه هو: استبعاد خيار الضربة العسكرية على إيران وإيثار الديبلوماسية والحوار. ولعل آخر تلك المؤشرات مشاركةُ مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية وليام بيرنز المسؤول الثالث في الخارجية الأمريكية في مباحثات جنيف التي تشارك فيها إيران والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا لبحث ملف إيران النووي، وهي مشاركةٌ مباشرة، وتُعَدُّ خطوة متقدمة على المواقف الأمريكية السابقة التي كانت فيها أمريكا رافضةً للحوار المباشر مع إيران حول هذا الملف.

ومن أجل تلطيف الأجواء وتأكيد استبعاد الحرب جاءتِ التصريحات الإيجابية المتبادلة من الطَّرَفَيْنِ عن فتح مكتب أمريكي في طهران لرعاية المصالح الأمريكية والتحدث عن فتح سفارة أمريكية بعد ذلك.

وفي إطار التسويغ لهذه السياسة تقول مؤسسة راند الأمريكية للأبحاث في تحليلٍ نُشِرَ مُؤَخَّرًا: إنها توصي بانتهاج سياساتٍ طويلة الأجل في التعامل مع إيران؛ لأنّ توجيه ضربة عسكرية إلى طهران لن يجبرها على الأرجح على تغيير سياستها النووية.

وخَلَصَ تقرير منظمة راند إلى أنه إذا قصفت المنشآت الإيرانية فإن تأييد الرأي العام لأي إجراء انتقامي تتخذه حكومة طهران سيكون واسع النطاق.

وأضاف التقرير أنّ السياسة الأمريكية يجب أن تركز على تهيئة الأحوال لعلاقات فعالةٍ في المدى البعيد.

وأوصى التقرير بتوسيع الاتصالات وتبادل الزيارات مع المواطنين الإيرانيين ووقْفِ بيانات السياسة الأمريكية التي تدعو إلى تغيير النظام وفرض عقوبات على الحكومة الإيرانية ومسؤوليها لانتهاج سياساتٍ تضر بالمصالح الأمريكية.

فالتوجه الأمريكي والتوجيه هو نحو الحوار لا الحرب، وحتى في حال رفضت إيران العرضَ الْمُقَدّم لها بشأن ملفها النووي فإن التهديد الصادر من أمريكا - وكذلك بريطانيا - ليس الحرب: فقد حذر الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني جوردن بروان طهران من أنّ عدم القبول بعرض الشراكة سيعني مواجهة عقوبات قاسية وعزلة دولية.

ولطمأنة "إسرائيل" وجَعْلِ التقارب الأمريكي الإيراني أكثرَ قبولا: تَصْدر تصريحات تُقَلّل من حجم التهديد العسكري الإيراني على "إسرائيل".

وفي هذا الإطار يقول المحلل الدفاعي بول بيفر: إن برنامج إيران الصاروخي متقدمٌ بالفعل، لكنه ما زال بحاجةٍ إلى الدقة وأنظمة التوجيه المناسبة للمسافات الطويلة. ومضى يقول: إنهم ما زالوا بعيدين إلى حد ما عن تهديد "إسرائيل" أو القواعد الأمريكية.

وفي هذا السياق أيضا يأتي تصريح نائب الرئيس الإيراني الْمُكلف بمنظمة السياحة إسفنديار رحيم مشائي في تصريح غير اعتيادي يتناقض مع خطاب طهران الرسمي تجاه "إسرائيل"، من إن إيران هي "صديقة الشعب الإسرائيلي".

وقال رحيم مشائي، بحسب ما نقلت عنه صحيفة اعتماد ووكالة أنباء فارس المعروفة بقربها من المحافظين في إيران: إن إيران اليوم هي صديقة الشعب الأميركي والشعب "الإسرائيلي".. ما من أمةٍ في العالم هي عدوتنا، وهذا فخر لنا.

ويعتبر رحيم مشائي مُقَرَّبًا جدًا من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.

فَلِمَ اختارت أمريكا هذا التوقيت لإحداث هذا التغير المعلن في علاقتها بإيران؟.

لا يخفى ما تعانيه أمريكا من أزمتها المزمنة في العراق وأزمتها المتفاقمة في أفغانستان، كما أنها تواجه أخطارًا دوليةً متناميةً تتمثل في تقدم دول منافسة لها منها روسيا، وحتى الاتحاد الأوروبي الذي يتفق مع الولايات المتحدة في ملفات وقضايا، ولكنه ينافسها ويناقضها في قضايا أخرى تبعًا لمصالحه ودوره العالمي الذي يحاول تعزيزه، وإن ما زالت تواجهه معوقات ليس الآن محل التفصيل فيها.

من أجل أن تقف أمريكا أمام تلك المنافسة وحتى تحتفظ بمناطق النفوذ، وتنقذ نفسها من هزائم مدوية فإنها تُضْطَرّ إلى الكشف عن حلفائها وتفعيل دورهم العلني في التعاون معها.

ومن المؤشرات الدالّة على هذه المخاطر التي قد تَكْبَحُ جِماحَ التمدد الأمريكي ذلك التقارب الروسي الأوروبي الذي تبلور في القمة الروسية الأوروبية التي عُقدت في سيبيريا في 27/6/2008 م. وجاءت نتائجها على هوى موسكو، ووصفها مراقبون في روسيا بأنها «قمة الآمال الكبرى»، فقد اعتبر الرئيس ديمتري ميدفيديف أنّ روسيا ودول الاتحاد «قادرون على ضمان الأمن بينهم في شكل مشترك ومن دون تدخل خارجي».في إشارةٍ واضحة إلى أمريكا ومشروع درعها الصاروخي.

وأعلن الطرفان خلالها عن إطلاق حوارٍ بهدف وضع اتفاق جديد للشراكة والتعاون يُنْتَظر أن تتبلور صيغته النهائية منتصف العام المقبل.

وقال الْمُمَثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا: لا يمكن مواجهة التهديدات التي تواجه الأمن العالمي دون روسيا والاتحاد الأوروبي.

وأكد بيانٌ مشتركٌ صدر عن القمة أنّ الطرفين اتفقا على أن يهدف العمل إلى إبرامِ اتفاقٍ استراتيجي يضع أساسًا شاملاً للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي في المستقبل المنظور، ويُساعد في تطوير طاقات التعاون بينهما.

هذا التوافق الروسي الأوروبي وإن كان تناول قضايا ثنائيةً، لكنه يُقَرِّب وجهة نظر الطَّرَفيْن من الأزمات الدولية، ولا يخلو من انعكاسات على منطقتنا، وهو يكشف عن إخفاق واضح في خطة أمريكا المتمثلة بتخويف دول أوروبا من روسيا وتوظيف ذلك لتنفيذ مشروع الدِّرْع الصاروخي، وكذلك يكشف عن إخفاق أمريكا في خداع أوروبا بوجود خطرٍ إيرانيٍّ عليها من صواريخَ بعيدةِ المدى تملكها إيران.

كما أن أمريكا وهي تمهد الطريق لقبول "إسرائيل" والتطبيع معها - وما مفاوضات سوريا مع الكيان الغاصب عن واشنطن ببعيدة - فإنها تحاول تشذيب تلك المواقف العلنية التي كانت تَقْبَلُ بها سابقا من دول كإيران لأهدافٍ كانت تتمثل في احتواء إيران لحركات المقاومة والتأثير عليها.

ولعل المنظمة الأولى التي سيطالها هذا التحول هي "حزب الله" الوثيق الصلة بإيران.

فما انعكاسات هذا التحول على "حزب الله"؟

معروفةٌ تلك الصلة الوثقى التي تربط إيران بـ"حزب الله"، وهو يفخر بها، ويُعلنها. فما مدى تأثره بذلك المناخ الجديد؟. وما انعكاساته عليه؟.

لقد اكتسب "حزب الله" كثيرًا من شعبيته من موقفه من "إسرائيل" والمواجهات التي خاضها معها، وقد أظهرت تلك المواجهات هشاشةَ ذلك الكِيان الغاصب وتآكل أسطورة الجيش الذي لا يُقهر وتهافت "قوة الردع الإسرائيلية" وأوهامها حتى بالغ بعض الناس في التعويل على "حزب الله" في هذا الشأن، لكن السؤال: كيف سيكون المنحى الذي ينحوه هذا الحزب بعد اغتيال قائده العسكري عماد مُغْنِيّة في سوريا وتوجه المناخ العام من إيران وسوريا نحو التقارب من أمريكا؟. ما يعني بالضرورة تقبُّل أو عدم استعداء "إسرائيل".

وقد بات واضحًا المدى الذي ستذهب فيه سوريا في علاقتها مع الكيان الصهيوني إلى حَدِّ العلاقات العادية والتطبيع، في حال إبرام "اتفاق سلام" بينهما.

هنا يتعرض "حزب الله" لما تتعرض له إيران بالتبعية، ويصبح مَدْعُوًّا إلى إجراء تغييرٍ على خطابه الذي كان يُعلنه من مجابهة مع "إسرائيل" بوصفها محتلةً لفلسطين ومغتصبةً لمقدساتها لا بوصفها تحتل جزءًا من الأراضي اللبنانية فقط، وتأسر بعضًا من أبنائه، وقد ظهر شيء من هذا التراجع إلى المتطلبات القُطْرية بصفقةِ الأسرى التي لم يُركِّزْ فيها الحزب أو يشترط إطلاق أسرى فلسطينيين - مثلاً - لإتمامها.

وهذا التحول في العلاقات الأمريكية الإيرانية يطرح أيضا سؤالاً على حركات المقاومة الفلسطينية - التي تقترب من إيران أو تتقاطع معها - أن تتنبه إلى انعكاسات محتملة عليها تدرؤها بالاتكال على الله أولاً وطلب العون منه، ثم الأخذ بالأسباب المادية بالاعتماد على قواها الذاتية وعلى القوى الإسلامية والعربية المخلصة، وإن كلف ذلك تغييرًا (تكتيكيا) - إلى حين - في الصراع مع العدو الصهيوني الغاصب لا يَنال بالتأكيد من الثوابت أو من نهج المقاومة.


الإسلام اليوم


المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط

أضف تعليق