تبدو حكاية الولايات المتحدة مع القانون الدولي والمؤسسات القائمة على تنفيذه أشبه بالنكتة الساخرة، إلا أنها تُبكي أكثر مما تضحك، فالولايات المتحدة تُرَوِّج لنفسها باعتبارها حاميةَ الشرعية الدولية، والشرطيَّ العالميَّ القائِمَ على تنفيذها،
لكن عندما يتعلق الأمر بالتزامات أمريكا وواجباتها تجاه المجتمع الدولي، فإنها ترفع راية العصيان، فالمصلحة الإنسانية، التي يُفترض أن تُعَبِّر عنها الأمم المتحدة ومؤسساتها، تأتي في المرتبة الثانية بعد المصلحة القومية للولايات المتحدة، وذلك وَفْقًا لما أكدته وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في مجلة "فورين أفيرز" يناير 2000.
وعلى هذا الأساس، تعتبر رايس أنه "لا يمكن للاتفاقيات والهيئات المتعددة الأطراف أن تكون غايةً في ذاتها؛ لأن مصلحة الولايات المتحدة تقوم على تحالفات قوية يمكن تعزيزها داخل الأمم المتحدة أو في غيرها من المنظمات المتعددة الأطراف، كما يمكن أن يحدث ذلك عبر اتفاقيات دوليةٍ متقنة الصنع".
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوزيرة الأمريكية لا تجد غضاضةً في تدشين نتيجة مفادها: أنه "ليس من القيادة، كما أنه ليس بالموقف الانعزالي القول: إن للولايات المتحدة دورًا خاصًّا في العالم، ولذا ليس من واجبها أن تنتسب لأي اتفاقية أو معاهدة دولية تقترح عليها".
مفارقة محيرة
تبدو هذه المقدمة مهمةً قبل الخوض في محاولةِ تفسير موقف الولايات المتحدة من محاولة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدارَ مذكرة اعتقالٍ بحق الرئيس السوداني عمر البشير، بدعوى ارتكابه جرائمَ حربٍ وجرائمَ ضد الإنسانية في إقليم دارفور، وهي المحاولة التي أثارت ضجةً واسعةً، وجلبت انتقاداتٍ حادةً من كل دول العالم، باستثناء أمريكا وأوروبا.
فالولايات المتحدة، وفي مفارقةٍ مُحَيِّرة، كانت هي أول من سَرَّب خبر وجود اسم الرئيس البشير ضمن مذكرة الاعتقال التي يُعِدُّها المدعي العام للمحكمة، وكان التسريب في البداية إعلاميًّا، ثم أكدته وزارة الخارجية، وذلك قبل إعلان المحكمة الجنائية عن ذلك بعدة أيام.
المفارقة تكمن في أن الولايات المتحدة ليست من ضمن الدول المصدقة على اتفاقية إقامة المحكمة، بل إنها سحبت توقيعها المبدئي على الاتفاقية، وسعتْ عقب ذلك لتوقيع اتفاقيات ثنائية مع العديد من دول العالم تَنُصُّ على منح جنودها ورعاياها حصانةً من أي ملاحقة أمام المحكمة، بل ووصل الأمر لانتزاع قرارٍ من مجلس الأمن الدولي يمنح حصانةً للجنود والمواطنين الأمريكيين المشاركين ضمن قوات حفظ السلام الدولية من أي ملاحقة قضائية بشأن جرائم ضد الإنسانية، قد يرتكبونها خلال مشاركتهم ضمن هذه القوات.
الفيتو لخدمة الحلفاء
وإذا كانت الولايات المتحدة تعتبر نفسها "فوق" المحاسبة أمام القانون الدولي ومؤسساته، فإنّ المنطق يفترض ألا تسعى واشنطن لجلب الآخرين ومحاسبتهم وَفْقًا لقوانين وقرارات هذه المؤسسات، أو أن تبقى بالحدِّ الأدنى في جانب الحياد، لكنّ الواقعَ يُشير إلى عكس ذلك تماما، فواشنطن –بدايةً- سَعَتْ لتوسيع مظلة هذه الفوقية والاستعلائية في التعامل مع المؤسسات الدولية لتشمل حليفتها الوثيقة: إسرائيل، فمن بين 81 "فيتو" استخدمتها أمريكا في مجلس الأمن كان هناك 41 "فيتو" لحماية إسرائيل، ومنع صدور أي إدانة أو تجريم لما ترتكبه بحق الشعوب العربية، وذلك على مدار نصف قرن!
ولم يقتصر الأمر على إسرائيل، بل شمل ذلك أيضا جنوب إفريقيا إبّان حقبة الحكم العنصري حيث استخدمت واشنطن الفيتو لمنع إدانة هذا النظام المناقض لكل مواثيق وقوانين الأمم المتحدة عشر مرات، كما استخدمته ثماني مرات لحماية النظام العنصري في ناميبيا، وسبع مرات لصالح المتمردين المدعومين من المخابرات الأمريكية، في نيكاراجوا.
سيف الشرعية المزعوم
وبالتوازي مع هذه الحصانة التي وفرتها واشنطن لأنظمة وجماعات خارجة عن الشرعية الدولية، أشهرت الولايات المتحدة "سيف" العدالة الدولية المزعوم بكل قسوةٍ في وجه معارضيها، فقد انتزعت العشرات من القرارات الدولية التي تُدِين وتُحَاصِر وتُقَاطِع العديد من الأنظمة والدول التي رفضت الخضوع لهيمنتها، وليس مفاجأةً أنّ الدول العربية والإسلامية شكَّلَتِ السواد الأعظم من تلك القائمة.
وتُعَدُّ مأساة العقوبات التي تعرض لها العراق لأكثر من 13 عامًا نموذجًا صارخًا على الجبروت الأمريكي في استخدام المؤسسات الدولية لمعاقبة الخصوم، فقد أدّى الحصار الخانق الذي فُرِضَ على العراق، وشمل حتى الطعام والدواء، لوفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي، وعندما سُئِلَتْ وزيرة الخارجية الأمريكية –حينئذ- مادلين أولبرايت عن تلك المأساة الإنسانية، اعتبرت أن ذلك "ثمنٌ مقبولٌ" لتأديب النظام العراقي!!
ورغم هذا التعسف الشديد في استخدام المؤسسات الدولية، فإن الولايات المتحدة عندما فشلت في انتزاع قرار دولي يُغَطِّي ويمنح الشرعية لحربها العدوانية على العراق، شنّت الحربَ دون أي غطاء، ضاربةً عرْضَ الحائط بتلك الشرعية الدولية وقوانينها.
ثم عندما عمتِ الفوضى أرجاءَ العراق المحتل، وكادت الأمور أن تخرج كُلِّيَّةً عن سيطرة واشنطن، وباتت كُلْفة الاحتلال باهظة، عادت واشنطن لتتمسح مُجَدَّدًا بالشرعية الدولية، وبالفعل مَكَّنَها نفوذها من جر الأمم المتحدة مُجَدَّدًا لمستنقع العراق، مانحةً بذلك شَرْعِيَّةً لِوَضْعٍ نَشَأَ نتيجة تصرفات وقرارات خارجة عن أي إطار من المشروعية.
قائمة طويلة
والعراق ليس وحيدًا في قائمة الاستهداف الأمريكية، القائمة على توظيف الشرعية الدولية ومؤسساتها لخدمة أهدافها الخاصة، فقد تعرضت ليبيا لحصارٍ خانقٍ فَرَضَتْهُ أمريكا تحت غطاء من الأمم المتحدة، واستمر ذلك لأكثر من 10 سنوات، ما أعاق أي مشاريع للتنمية في هذا البلد، وكبده خسائر بمئات المليارات من الدولارات، ثم فجأةً، وبعدما قام النظام الليبي بإصلاح علاقاته مع واشنطن، تهاوى ذلك الحصار، وأعادت الشرعية الدولية توجيهَ بوصلتها وَفْقًا للرغبة الأمريكية!
وإذا كان البعض قد يجد مُبَرِّرًا لأمريكا في استخدام تلك الانتقائية في التعامل مع القوانين الدولية لخدمة مصالحها، باعتبار أنّ المؤسسات الدولية هي ساحةٌ تتنافس فيها الدول لتحقيق مصالحها الخاصة، فإنّ ما يُثِيرُ الاستغراب والحيرة هو ذلك التعنت والاستعلاء الأمريكي في التعامل مع قوانين دولية ذات طابع إنساني بحت.
فمثلا الولايات المتحدة والصومال هما البلدان الوحيدان اللذان لم يُصَدِّقَا على اتفاقية حقوق الطفل، وهي في طليعةِ الدول المعيقة لإقرار بروتوكول ملحقٍ ثالثٍ لاتفاقيات جنيف الأربع، وكذلك كانت الولايات المتحدة من الدول المتأخرة في إدانة التمييز العنصري وقَبُول بعض الحقوق المدنية، كما أنها لم تُصَادِقْ حتى اليوم على العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية.
هيمنة اقتصادية
الاستغلال الأمريكي للمؤسسات الدولية لا يقتصر على الجانب السياسي، فما تمارسه واشنطن من هيمنة على المؤسسات الاقتصادية الدولية أشد وطأةً وتأثيرًا على الدول النامية، فالبنك الدولي وتوأمه اللصيقُ المتمثلُ في صندوق النقد الدولي يخضعان لهيمنةٍ أمريكية واسعة، ومن خلالهما تمارس الولايات المتحدة سياسة "العصا والجزرة" مع الأعداء والحلفاء، فمن يخضع لسياستها ينال القروضَ والتسهيلات المالية، ومن يَشُقُّ عصا الطاعة فله الحرمان والجوع.
ولا تخفي واشنطن الدور السياسي الذي تلعبه هاتان المؤسستان، في خدمة مصالحها وأهدافها، فمثلا الأمريكي روبرت زوليك، رئيس البنك الدولي - المؤسسة التي يُفترض بها مساعدة وإقراض الدول الفقيرة والنامية - يرى أن مكافحة "الإرهاب" ينبغي أن تمر عبر تحرير التجارة العالمية، فضلاً عن ذلك فإن زوليك سخر من انتقادات منظمات البيئة وحقوق الإنسان التي تسعى لإضفاء لمسةٍ رحيمةٍ على العولمة المتوحشة، واعتبرها "عصابات فوضوية تحارب العولمة"!
وقد فضح التقرير الذي أعدته لجنة (ميلتزر)، وهي لجنةٌ شَكَّلها الكونجرس الأمريكي عام 1998 لتقييم أداء البنك وصندوق النقد الدوليين، هذا التمييزَ في سياسة مَنْحِ المساعدات والقروض.
فقد كشف التقرير أن 70% من القروض التي قدمها البنك اقتصرت على 11 بلدًا فقط، بينما تتقاسم البلدان الأخرى والبالغ عددها (145) دولة الـ %30 الباقية، هذا فضلا عن أن %80 من ميزانية البنك لا تُخَصَّص لأفقر البلدان النامية، بل لأحسنها حالا، وهي تلك التي تملك رصيدًا ائتمانيًّا إيجابيًّا، وتستطيع بناءً على ذلك زيادة اعتماداتها المالية في الأسواق الرأسمالية الدولية.
الاسلام اليوم
أمريكا والقانون.. راية العصيان لا تنكس.. مصطفى عياط
