محاور دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم - عبد المنعم البزاز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإنَّ المتأمل في آيات القرآن الكريم يجد أن محاور دعوة النبي صلى الله عليه وسلم تتمثل في ثلاثة محاور أساسية أولها تلاوة الآيات، وثانيها تزكية النفوس، وثالثها تعليم الكتاب والحكمة، وإذا أردنا أن نفهم هذه النقاط الثلاث المهمة في دعوته صلى الله عليه وسلم، لابد أن نعود قليلاً إلى بناء البيت العتيق، ونستذكر دعاء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي كان بمثابة البداية لهذه المحاور الثلاث ففي سورة البقرة، وعند الحديث عن رفع قواعد البيت من قبل سيدنا إبراهيم وولده اسماعيل عليهما السلام ثم الدعاء بأن يتقبل الله هذا العمل، وأن يجعل من ذريتهم أمة مسلمة، وأن يبعث فيهم رسولاً منهم قال تعالى:(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[البقرة 129].
فأجاب الله تعالى هذه الدعوة التي كانت موافقة لقدر الله تعالى السابق في تعيين النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً في الأميين وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن ) [ابن كثير 1/162].
وكانت إجابة هذه الدعوة في أكثر من موضع من القرآن الكريم قال تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آيتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)[ البقرة 151]، وقوله تعالى:(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[آل عمران 164].
وقوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة2] ، وكمدخل لهذا الموضوع يجد القارئ في هذه الآيات الكريمات أن دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام كانت تزكية النفوس فيها في المرتبة الثالثة، بينما عند إجابة الدعوة
في الآيات الثلاث كانت بالمرتبة الثانية، وأصبح مكانها تعليم الكتاب والحكمة، ولهذا التقديم والتأخير في كلمة التـزكية معنى يترتب عليه، يقول الإمام الآلوسي
رحمه الله:(وقدم التـزكية على التعليم في هذه الآية، وأخّرها عنه في دعوة إبراهيم عليه السلام لاختلاف المراد بها في الموضعين، ولكل مقام مقال، وقيل التـزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية، وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة إلا أنها وُسّطت بين التلاوة والتعليم المترتب عليها للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة الشكر، ولو روعي ترتيب الوجود كما في دعوة إبراهيم عليه السلام لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة، وقيل قدمت التـزكية تارة وأُخّرت أُخرى لأنها علةٌ غائية لتعليم الكتاب) [روح المعاني 2/27] ، وقيل: أيضا إن إبراهيم عليه السلام لاحظ في دعوته الطريق الطبيعي، وهو أن التعليم يكون أولاً، ثم تكون التـزكية ثمرة له ونتيجة)[المنار 2/25]، ومن الأمور التي ربما يسأل عنها القارئ المتدبر لآيات القرآن الكريم إذا كانت التـزكية _ وهي عمل _ قد قدمت على العلم، وهناك آية أُخرى تقدم العلم فيها على العمل كقوله تعالى: (فاعلم أنه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم )[محمد 19]، فيوفق بينهما: الأصل أن العلم يسبق العمل كما في الآية من سورة محمد صلى الله عليه وسلم إذ تقدم العلم ثم جاء بعده الاستغفار، وهو عمل كما هو معروف، أما في الآيات التي تقدمت فيها التـزكية فمعناها أن العلم يحتاج عند طلبه قرينا معه، وهذا القرين هو تزكية النفس فهي بمثابة السور الذي يقي صاحبه من التكبر، أو التطاول على أهل العلم، أو الانتقاص منهم فكان من المهم أن يعتني طالب العلم بمثل هذه المعاني لما فيها من الخير الكثير.
فإذا ما تعمقنا أكثر في معاني هذه الآية الكريمة، وهي تذكرنا بمحاور هذه الدعوة المباركة، فقد أخرج الإمام أحمد رحمه الله عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي )) والمراد بدعوة أبي إبراهيم هو قوله تعالى:( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ) [البقرة 129].
وبشارة عيسى بي هو قوله تعالى:(ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) [الصف 6]، و المقصود (برؤيا أمي) حين ولدته أمه صلى الله عليه وسلم رأت نوراً أضاءت له قصور بصرى الشام، قال الراغب الأصفهاني: إنْ قيل ما وجه الترتيب في الآية.. قيل: أما الآيات فهي الآيات الدالة على معجز النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر التلاوة لما كان متعلقا بالقرآن، وأما الترتيب فلأن أول منـزلة النبي صلى الله عليه وسلم بعد إدعاء النبوة الإتيان بالآيات الدالة على نبوته، ثم بعده تعليمهم الكتاب أي تعريفهم حقائقه لا ألفاظه فقط، ثم بتعليمهم الكتاب يوصلهم إلى إفادة الحكمة، وهي أشرف منـزلة العلم، ولهذا قال تعالى:(ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً)
[البقرة 269]،[تفسير القاسمي 2/260]
وقد يقال المراد من تلاوة الآيات ما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم من الآيات الدالة على التوحيد والنبوة، ومن التـزكية الدعاء إلى الكلمة الطيبة المتضمنة للشهادة لله تعالى بالتوحيد، ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وبتعليم الكتاب تعليم ألفاظ القرآن، وكيفية أدائه ليتهيأ لهم بذلك إقامة عماد الدين، وبتعليم الحكمة الإيقاف على الأسرار المخبوءة في خزائن كلام الله تعالى، وحينئذ أمر ترتيب هذه المتعاطفات ظاهر إذ حاصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يمهد سبل التوحيد، ويدعو إليه، ويعلم ما يلزم بعد التلبس به، ويزيد على الزبد شهداً، فتقديم التلاوة لأنها من باب التمهيد، ثم التـزكية لأنها بعده، وهي من قبيل التخلية المقدمة على التحلية... لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح،[روح المعاني 3/156].
ويقول الطاهر بن عاشور رحمه الله: وقد جاء ترتيب هذه الجمل في الذكر على حسب ترتيب وجودها؛ لأن أول تبليغ الرسالة تلاوة القرآن، ثم يكون تعليم معانيه ثم تحصل به التـزكية، وهي في العمل بإرشاد القرآن [التحرير والتنوير1/723]
وقد أُختلف في تفسير كلمة الحكمة على عدة أقوال فقيل هي السنة، وقيل الفقه بالدين، وقيل الفرائض، وقيل العلم والعمل والمعرفة بالدين، وكل هذه المعاني واردةٌ [فتح البيان في مقاصد القران 1/285].
والقارئ لكتاب الله تعالى يجد أن كلمة الحكمة تتكرر، ولأكثر من مناسبة فمن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى :((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ...)[الأحزاب 34]، والمراد بها هنا السنة، وقوله تعالى: ((وإذ علمتك الكتاب والحكمة))،[المائدة110]، والحكمة هنا الفهم.
وقوله تعالى:(فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة)[النساء54]،ويكون معناها بحسب موضعها من القرآن، وغيرها كثير فالآيات فيها من المعاني الدقيقة واللفتات البيانية الرائعة التي يدركها كل من تذوق اللغة العربية، ولعل هذا هو أحد روافد فهم الكتاب الكريم الذي ينبغي أن نعتني به منطلقين بذلك من قوله تعالى:(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته)[ص29].
ومن معاني هذه الآية المباركة في قوله تعالى ((من أَنْفُسِهِم))، أي من جنسهم ليكونوا على معرفة به، ويستطيعوا مخاطبته صلى الله عليه وسلم، وفي قرآءة أُخرى (من أنفَسهم) بالفتح أي من أشرفهم، وكل المعاني واردة والله أعلم.
ومن المعاني البلاغية والبيانية لهذه الآية تجد أن الحكمة قد جاءت معرفة بالألف واللام وهذا في أغلب مواضعها من القرآن الكريم، والتعريف يفيد الاستغراق ليبين لنا أن كل ما في القرآن هو حكمة، فعليكم بالقرآن إذا أردتم الحكمة أيها المسلمون لتكون بلسماً للجراح، ودواءً لكل داء، كداء الفرقة، وحب الذات، والدنيا والغل والحسد، ولعل واقع المسلمين اليوم يفرض عليهم أن يقفوا طويلاً أمام هذه الكلمة التي غابت عن أذهان الكثير من الدعاة ناهيك عن عامة المسلمين، لأن ما في القرآن لاشك أنه يهدي للصواب لقوله تعالى:( إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)[الإسراء9]، فلا قوامة للمسلمين ولانصر، ولاتمكين لهم في الأرض إلا بالقرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن معانيها البيانية في قوله تعالى ((إذ بعث فيهم رسولاً))، ولم يقل لهم لتكون الدعوة بمجيئ رسول برسالة عامة فلا يكون ذلك الرسول رسولاً إليهم فقط، وكذلك حذف متعلق (رسولا) ليعم، ومنها أيضا في قوله تعالى: (يتلوا عليهم آياته)
جيئ بلفظ المضارع (يتلوا) للإشارة إلى أن هذا الكتاب ستتكرر تلاوته لأن المضارع يفيد الحال والاستقبال.
ومن معانيها البيانية في قوله تعالى (كما أرسلنا فيكم رسولاً) فعلق بالفعل أرسل حرف (في)، ولم يعلق به حرف إلى كما في قوله تعالى:(إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم )[المزمل 15]؛ لأن ذلك مقام احتجاج، وهذا مقام امتنان فناسب أن يذكر ما به تمام المنة، وهي أن جعل رسولاً فيهم ومنهم، والله أعلم [ التحرير والتنوير 1/722].
وخلاصة معنى الآية الكريمة كما يقول: ابن كثير (رحمه الله) إنَّ الله تعالى يُذّكر عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول صلى الله عليهم وسلم إليهم.. يتلوا عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم أي يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب وهو القرآن، والحكمة وهي السنة _على رأي ابن كثير_ فكانوا في الجاهلية الجهلاء يُسّفهون بالعقول الغرّاء، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علماً، وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلُفاً، وأصدقهم لهجةً [تفسير ابن كثير 1/172].
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
محاور دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم - عبد المنعم البزاز
