هيئة علماء المسلمين في العراق

الولايات المتحدة وتحولات الصراع العالمي - عصام زيدان
الولايات المتحدة وتحولات الصراع العالمي - عصام زيدان الولايات المتحدة وتحولات الصراع العالمي - عصام زيدان

الولايات المتحدة وتحولات الصراع العالمي - عصام زيدان

الولايات المتحدة وتحولات الصراع العالمي - عصام زيدان مع حالة البرود السياسي التي بدأت تدخل فيها المنطقة العربية، تأتي الأطروحات عن وجهة الصراع الجديدة التي يمكن أن تشتعل في العالم، وموقع الولايات المتحدة الأمريكية منها...فهل من مسرح جديد قد هيأته الظروف الجغرافية والسياسية وغيرها لاستقبال حفلات الحرب والصراع في الحقبة القادمة؟ وهل ثمة أسباب حقيقة لهذا التحول في جبهات الصراع والمنافسة الدولية من المنطقة العربية إلى غيرها؟


وعن تحولات الصراع العالمي خلال الفترة القادمة، وأسبابها نحاول في هذا التقرير أن نجيب على التساؤلين المطروحين.


* هل من مسرح جديد يعد لاستقبال حفلات الصراع؟!


لفترة امتدت لعشرات السنين شكلت المنطقة العربية على وجه التحديد حلبة الصراع بين الدول الكبرى المتنافسة، فقد شهدت هذه المنطقة صراع القوى القطبية المتعدد..ومن بعده الصراع الثنائي الشرس بين الولايات المتحدة وروسيا.. ولم يتوقف الصراع حتى في ظل القطب الأمريكي المسيطر، الذي حاول خلال فترة السيطرة الأحادية أن يُخضع جميع الأنظمة في المنطقة، ويجعلها تحت سيطرته، ويغير من توازنات القوى فيها.


ولكن ديناميكية الحياة السياسية والتغيرات الإقليمية والدولية يبدو أنها فرضت نفسها على الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم بدأت في التجاوب معها وتغير من اهتماماتها، وتنجذب إلى مناطق اشد أهمية،وأكثر حساسية خلال الفترة القادمة.


ولعل من الملاحظ أن الشرق الأسيوي على وجه العموم، وخاصة مناطق التماس بين باكستان وأفغانستان، قد حظيت بالاهتمام العالمي والأمريكي في الفترة الأخيرة.


ففي زيارتها الأخيرة لاستراليا وجهت وزيرة الخارجية الأمريكية انتقادات حادة لباكستان، شاركها فيه وزير الخارجية الاسترالي ستيفن سميث الذي وصف الحدود الشمالية الغربية شبه المفتوحة بين باكستان وأفغانستان بأنها "البؤرة الدولية الحالية للإرهاب"، فيما اكتفت رايس بتحميل باكستان مسئولية الفشل العسكري في أفغانستان.


وقد وصفت صحيفة صنداي تلجراف (2/7) باكستان بأنها تمثل أكبر تهديد للغرب، ولا يتكلم عنه أحد في العالم حتى الآن، وجاء في مقال لرئيس قسم الشؤون الخارجية كون كوغلين إن أكبر تهديد يحدق بالغرب لا يتمثل في القاعدة ولا أفغانستان ولا إيران، بل في البلد الذي أصبح بسبب الإهمال أكبر ملاذ وأكثر أرض خصبة لما وصفه بالإرهاب.


وأورد الكاتب شهادات أدلى بها قادة عسكريون، قال إنهم يؤكدون أن باكستان "أخطر تهديد لأمن بلادنا" كما أنها أكبر عائق يحول دون المضي في الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة "الإرهاب".


وبالتأكيد، فان العامل الباكستاني ليس هو الوحيد الذي يمكن أن يعول عليه في تحول الصراع العالمي خلال الحقبة القادمة،ولكنه أهمها، بالإضافة إلى العديد من العوامل والأسباب التي يعود بعضها لوضعية المنطقة العربية والشرق الأوسط، والآخر يعود لمسرح الأحداث الجديد.


* ما هي الأسباب الداعية لتغير مسرح الصراعات؟!


هناك عدة أسباب يمكن أن تشكل منظومة متكاملة تقف وراء هذا التغير الذي بدأت ملامحه في الظهور والتشكل إن لم نقل أن الأمر قد انتقل من حيز التفكير والتخطيط إلى حيز التنفيذ الفعلي..وكما سبق وأسلفنا، فإن بعضها يتعلق بحلبة الصراع الحالية، وأخرى متعلقة بالمسرح الجديد الذي فرض نفسه على الساحة العالمية، وهو ما نتناوله على الوجه التالي:


* الأسباب المتعلقة بحلبة الصراع الحالية:


الأسباب المتعلقة بحلبة الصراع الحالية، يمكن تناولها على الوجه التالي:


أولا: لم يعد هناك في المنطقة العربية ما يمكن أن يشكل خطرا داهما على المصالح الأمريكية الاستراتيجية ولقرون قادمة، فالبترول من خلال الاتفاقات مع دول الخليج العربي مضمون تدفقه إلى الموانئ الأمريكية دون أخطار حقيقة، وإسرائيل في أمن مع جيرانها (مصر والأردن)، ودخلت في مفاوضات مع (سوريا) قد تقود إلى جبهة باردة تماما، وكذا مع (حزب الله اللبناني).


وليس هناك خطر حقيقي يمكن أن تشكله إيران على إسرائيل، حتى لو امتلكت النووي، لأن إيران ـ ايدولوجيا ـ ليست في حالة صراع مع إسرائيل ولا ترغب فيه، وعلى فرض وجود هذا الصراع، فإن ترضية إيران ومنحها لقب الشرطي الإقليمي إلى جانب إسرائيل، ستجعلها في الأخير دولة صديقة حارسة للمصالح الأمريكية، وليس العكس، وهو ما يتم الترتيب له منذ الآن.


ثانيا: لم يعد هناك خوف حقيقي على الأنظمة الحليفة الموجودة من أي تقلبات داخلية قد تفاجئ العالم، فهذه الأنظمة، قادرة على حفظ وضعياتها من الجماعات الايدولوجية، من زاوية المواجهة المسلحة، ومن الناحية السياسية لم يعد هناك ولن يكون، مجال لإرغام هذه الأنظمة على إقامة منظومة سياسية وانتخابية مرنة تسمح بتداول السلطة، وهو ما يعنى أنها ستقوم بذاتها بحفظ أمنها دون الحاجة لتدخلات خارجية، وهذا الخارج لن يطالب في المقابل بأي تغيرات في بنية الأنظمة السياسية، و"سيتفهم" التحديات الداخلية لهذه الأنظمة.


ثالثا: اطمأنت الولايات المتحدة إلى أن حجم نفوذها، وفرض سيطرتها على غالب دول المنطقة لن تسمح


بأية قوة تظهر على الساحة الدولية أن تنال من هذا النفوذ وتلك السطوة، وهو ما يعنى أن المنطقة، في المنظور الأمريكي، يصعب اختراقها من أية قوة تفرض نفسها خلال السنوات القادمة، سواء في ذلك القوة الأوروبية، أو حتى روسيا.


رابعا: تراجع نفوذ الجماعات المسلحة المناوئة للولايات المتحدة، وتراجع عملياتها وتهديداتها، في المنطقة العربية، كون من بقي من هذه الجماعات، فاعلا، دخل في صراع مع السلطة الداخلية، ولم تعد أمريكا على راس أولوياته، ولو فرض أنها محل اهتمامه، فهذه الجماعات تتسم بالمحلية والفاعلية المحدودة في النيل من المصالح الأمريكية الحيوية.


الأجواء إذن في المنطقة مهيأة، أو هُيئت، لحالة من الجمود السياسي، وخفت كثيرا حدة الصراعات الإقليمية فيها، وقلت التهدايدات المزعجة للولايات المتحدة، وهو ما قد يدعوها إلى الحفاظ على هذه الوضعية التي تحقق لها مصالحها دون الحاجة لفتح جبهات صراع جديدة فيها، أو حتى نكأ الصراعات القديمة.


* الأسباب المتعلقة بحلبة الصراع المستقبلية:


الأسباب المتعلقة بحلبة الصراع المستقبلية تتركز في الأتي:


أولا: تركز الجماعات الأيدلوجية المسلحة المناهضة للولايات المتحدة في باكستان وأفغانستان، وعليهما تلقى الولايات المتحدة التبعة فيما تسميه النشاط الإرهابي العالمي، ومن هذه البؤرة تقول إن العمليات ذات المستوى التقني العالي تخرج لتنال من المصالح الأمريكية وتشكل تهديدا حقيقا عليها.


فالمناطق الحدودية بين الدولتين (باكستان وأفغانستان)، كونها خالية من نفوذ أية سلطة رسمية، إضافة إلى وعورتها الجغرافية، جعلتها موطنا مفضلا لقادة تنظيم القاعدة الذي يقاتل على عدة جبهات، داخلية ( باكستان وأفغانستان) وخارجية (الولايات المتحدة والدول الأوروبية).


ثانيا: خطورة الأوضاع السياسية والأمنية في الدولتين، باكستان وأفغانستان، فالأولى دولة إسلامية، في مفاصلها يرقد الإسلاميون على بعد خطوات من الأسلحة النووية، والثانية الفشل فيها يعنى أن تجمع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مهب الريح، خاصة وأن طالبان أفغانستان تحقق انتصارات متوالية، ومواجهتها العسكرية غير مبشرة، وهو ما يعنى أن ذلا أمريكيا تاريخيا يبشرها بمصير الاتحاد السوفيتي الماضي بات يلوح في الأفق القريب إن لم تبادر بتحرك سريع على هذه الجبهة.


وقد أشار "مركز معلومات الدفاع" الأمريكي في نشرته عن شهري يناير وفبراير الماضيين إلى تغير أولويات الاهتمام بالصراعات الدائرة حول العالم بسبب ظهور صراعات جديدة، موضحة أنه ثلاث رصاصات على رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنظير بوتو ،اغتيلت على إثرها في مدينة راوالبيندى استحوذت على الاهتمام العالمي، وبشكل يفوق الاهتمام بالحرب الدائرة في العراق وأفغانستان، وذلك بسبب امتلاك باكستان لترسانة نووية، بينما لا يمتلك العراق برنامجا نوويا.


وأوضحت النشرة أن باكستان ثالث دولة آسيوية تمتلك ترسانة نووية مع كل من الصين والهند، وتعتبر الولايات المتحدة الترسانة النووية الباكستانية مصدرا لخطر كامن يمكن أن يحصل "الإرهابيون" من خلالها على الأسلحة النووية، وأصبح الوضع في باكستان، كما تقول النشرة، قابلا للاشتعال، وهو ما يزيد من أعباء الإدارة الأمريكية، نظرا لحالة الفوضى التي تعم البلاد وبالتالي تطال الحدود مع أفغانستان التي تحتوي علي عدد ضخم من القوات الأمريكية المنتشرة هناك.


ثالثا: ظهور عدة قوى متنافسة في الشرق الآسيوي يمكن أن تشكل العلاقة الصراعية بينها وجه وملامح الحقبة القادمة من الصراع العالمي، وهي الصين واليابان والهند، وهو ما يعنى ضرورة الالتفات الأمريكي إلى هذه الساحة، كي لا تتشكل طبيعة القوى فيها بصورة معاكسة لمصالحها الحيوية. فهذه هي المرة الأولى تاريخيا التي تظهر ثلاث قوى عظمى، إلى جوار بعضهم البعض، ويفتقرون جميعهم إلى التوافق السياسي، ويعتبرون بعضهم خطرا استراتيجيا على بعض.


وفي هذا يقول "بيل إيموت"، رئيس التحرير السابق لمجلة "الإيكونومست" البريطانية، إن القوة العسكرية ليست وحدها هي مؤشر الخصومة والعداوة بين الفرقاء الثلاثة، ولكن النمو الاقتصادي وغيره من عناصر القوة في تلك الدول كلها تؤثر على كيفية رؤية الصين واليابان والهند لبعضهم البعض ، فيما يصفه بأنه "لعبة جديدة للقوى ستشكل وجه العالم".


ويخلص من ذلك إلى أن كل من الصين واليابان والهند ينظرون إلى بعضهم البعض بنظرات نارية وفي الوقت ذاته يتشككون في تحركات كل طرف من الأطراف الأخرى.


فهذه القوى الثلاث، قد يصعب أن تتعايش معا، في ظل تطلعها للسيطرة على آسيا، وهو ما يعني أن فرضية حدوث صراعات سياسية قد تنقلب إلى معارك حربية تزداد بزيادة قوة كل دولة منهم، وطبيعة تطلعاتها، والدور الذي ترسمه لنفسها،و تقاطعه مع الدول الأخرى، وغياب النفوذ الأمريكي قد يصعب تداركه لو تشكلت البيئة السياسة على عكس مراده، لذا نجدها وقد سارعت إلى إقامة نظام دفاعي صاروخي مع اليابان، وزادت من وتيرة الترابط العسكري مع الهند كقوة موازنة للصين داخل آسيا.


ولا يمكن بطبيعة الحال التنكر للدور الروسي الذي فقد كثيرا من مناطق نفوذه في الشرق الأوسط، ويسعى لموطئ قدم يليق بقوته في هذه المنطقة التي ستشكل بصراعاتها أو توافقها وجه النظام الدولي الجديد. فالولايات المتحدة تراعى القوة الإقليمية الصاعدة،وتأخذ بعين الاعتبار كذلك التطلع الروسي لاستعاده دوره ونفوذه في آسيا.


رابعا: الصراعات الحدودية العصية، سواء في ذلك تايوان مع الصين.. الكوريتان مع بعضهما.. الهند وباكستان وبؤرة التوتر في كشمير.. الصراع الحودي بين الصين والهند..فأي من هذه الصراعات قابل للاشتعال بصورة قد تنذر بحروب شرسة، طويلة الأمد،تتضاءل بجانبها التوترات والصراعات الحادثة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وقد تتشكل من جرائها أوضاعا جيوبولتيكية جديدة.


هذه العوامل وغيرها قد تجعل من الشرق الآسيوي مجالا خصبا، وبؤرة الصراع والاهتمام الدولي في الحقبة القادمة، وهو ما نراه قد فرض على الولايات المتحدة نقل اهتمامها الأكبر إليه.


وبنظرة مستقبلية، فإن الولايات المتحدة ترى في آسيا موطنا للصراعات المستقبلية التي يمكن أن تشكل وجه العالم، فيما تراجعت الأهمية النسبية لمنطقة الشرق الأوسط في المنظور الأمريكي بالمقارنة، وهو قد يحول دفة الوجود والاهتمام الأمريكي والدولي إلى هذه البؤرة الحساسة من العالم.

المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط

أضف تعليق