هيئة علماء المسلمين في العراق

كلمة هيئة علماء المسلمين في مؤتمرها العام
كلمة هيئة علماء المسلمين في مؤتمرها العام كلمة هيئة علماء المسلمين في مؤتمرها العام

كلمة هيئة علماء المسلمين في مؤتمرها العام

ألقى الشيخ الدكتور عبد السلام داود الكبيسي مساعد الأمين العام للشؤون العامة كلمة هيئة علماء المسلمين في افتتاح مؤتمرها العام المنعقد في دمشق بتاريخ 22/ رجب /1429 هـ الموافق 25/7/2008م. وفيما ياتي نص الكلمة: بسم الله الرحمن الرحيم

{ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ{79} إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ{80} وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ{81}

فضيلة الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الشيخ الأستاذ الدكتور حارث الضاري... المحترم

المشايخُ الفضلاء.. الأساتذةُ النبلاء.. الضيوف الكرام

إخواني ممثلي القوى العراقية المجاهدة والمناهضة للاحتلال... المحترمين
أيها الجمعُ المبارك ..يا سواد قوافل النصر والتحرير بإذن الله فإننا نحمد الله إليكم الذي قد اصطفاكم فيمن اصطفى فانتدبكم لنيل شرف الدفاع عن بقعة من أرض الله اسمها العراق نطق الحرف أول ما نطق عليها، وكانت مباركة بوضع الله فهبط على أرضه نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وكان انتشار البشرية في طورها الثاني منه وعليه فهو أرض لوحي الله وشعبه معقل لحمل رسالة الحق والعدل، وتزاحمت الحضارات على أرضه، وتصارعت الإرادات على ساحته فكانت مسك ختامها رسالة الإسلام وخلافته وفي كل منازلة كان الحق هو المنتصر لأن على أرض العراق ليس بعد الحق إلا الضلال.. ولقد أدرك أعداؤنا وأعداء البشرية ذلك فجاؤا بخيلهم ورجلهم ليجعلوا من أرض العراق منصة انطلاق لباطلهم وطغيانهم لكنهم تفاجئوا بانطلاق شرارة المقاومة الجهادية الباسلة منذ الأيام الأولى للاحتلال متوكلين على الله جلت قدرته مستنيرين ومسترشدين بمنهج قرآنهم الذي يجعل التوكل ركناً من عقيدة المسلم وفي مثل ما يحدث في العراق واجباً اعتقاده وطريقا يجب سلوكه لأننا على الحق المبين في جهادنا فهو جهاد دفع لصائل طاغ مجرم ولأن الله فطمنا في أن لا نعتمد إلا عليه وأن المناهضين للاحتلال هم جندنا وذلك لأن الإنسان ما دام يطمع في أحد أن يأخذ منه شيئاً فإنه لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته ، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار مخالفته ، فالله سبحانه وتعالى بفضله ورحمته قطعنا عن الغزاة وعن متاريسهم من العملاء في أن نرجو منهم خيراوهذا سبب لقوتنا على إظهار حقنا فاعتمدنا على ربنا  في جلب المصالح لأهلنا ودفع المضار عن بلدنا وفي تبليغ الرسالة وإقامة الدين وجهاد الأعداء... والذي على الحق يدعو إليه، ويقوم بنصرته أحق من غيره بالتوكل فإنه يسعى في أمر مجزوم به، معلوم صدقه، لا شك فيه ولا مرية. وأيضا فهو حق في غاية البيان لا خفاء به ولا اشتباه، وإذا قمت بما حملت وتوكلت على الله في ذلك لا يضرك ضلال من ضل.

أخواننا وأهلنا وقومنا الكرام

إنه من عظيم فخري وسروري أن أقف بينكم متحدثاً نيابة عن إخواني أعضاء الهيئة، بمناسبة إقامة مؤتمرنا المبارك هذا الذي يعقد تحت شعار((هيئة علماء المسلمين خمسُ سنوات من العطاء والرباط)).وفي إطار العنوان الجامع لقوى الجهاد والمناهضة للاحتلال ((لا للاحتلال.. لا للتقسيم.. لا لاتفاقيات الإذعان والاستسلام)) سائلاً المولى جل جلاله أن يبارك جمعنا، وأن يكتب له التوفيق والنجاح.

أيها الحضور الكرام

هيئة علماء المسلمين منذ تأسيسها خطت لنفسها خطاً مستقيما ثابتاً تلتزم فيه، دون تراجعٍ أو تردد.. وفق الثوابت الشرعية والمصالح الوطنية التي لا يختلف عليها عاقلان. فلامستْ ثوابتها -بحمد الله- قبولاً كبيرا -بشهادة الآخرين- في المجتمعات العراقية والعربية والمسلمة، وبسبب صلابة الموقف وأصالته.. فلقد تعرض أعضاؤها لأشد أنواع الابتلاء.. فقُتل العشرات منهم، واعتُقل مثلهم أو يزيد، ولا زال جميع أعضائها في الداخل صامدون لأداء واجب العهد والانتماء إلا من أجبر بقرار من مجلس الشورى والأمانة لضرورة ملحة ولفائدة أعظم فهم المأذون لهم في مثل هذه الحالة شرعاً: ((إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ)).. والله لقد تحرفوا وبقوة لقتال العدو بالصدع بالحق وأسسوا جدار الصد القوي دون أن يصل العدو ودرعه من العملاء إلى غسل أذهان أهلنا بشعارات الحرية والديمقراطية وبقبول الأمر الواقع.. ولقد انحازوا إلى كل راع للمروءة وللرجولة والشهامة في طول وعرض أرض الله القوي العزيز ليشكلوا الرأي الجمعي لمقاومة العدوان فاحتضنهم الشرفاء وسمح لهم الرافضون للهيمنة والطغيان أن يسيحوا على أرضهم ويبلغوا رسالتهم لتحرير وطن الجميع العراق.

ولقد تجسد هذا عندنا في الداخل في معالم صبر جعلتنا نصبر ونكابد معا أمام كل هذه الاختبارات الصعبة... وبقيت الهيئة إطاراً جامعاً لثقافة المقاومة، وسنداً صريحاً لحق العراقيين في مجاهدة عدوهم، وخيمة يجتمع في ظلها أبناء الوطن المخلصين ولم يكن من منهجنا سابقا أن نعلن عما نعمله لصالح قضيتنا وأهلنا من خدمات ومساعدات ومشاريع خدمية اجتماعية وثقافية وصحية وغيرها فذلك قبل كل شيء واجب شرعي في أعناقنا، فضلا عن أننا كنا نعد ذلك وما زلنا قربة أكبر إلى ربنا الذي نستمد منه العون، ولكن بعد تواطؤ أرباب العملية السياسية لأسر مقرنا العام الجغرافي في أم القرى على يد من تعلمون، ظناً منهم بأن ذلك سينهي وجود الهيئة ومشروعها الجهادي والوطني ولم يعلموا أن الهيئة ثوابت ومواقف وجذور راسخة في الأرض ومستوطنة في القلوب، كان لا بد من عمل للقضاء على هذا التبني من سرقة جهد الغير الذي حرمه الإسلام في الولد ويراد تشريعه وتحليله في اغتصاب آخر لا يقل نكارة منه، فشاء الله أن نبدي ما كنا نخفيه.. لذلك وددنا أن نطلعكم في عجالة على طبيعة الهيئة وما تقوم به من جهود شتى في سبيل قضيتنا العراقية، وأن نبين لكم طبيعة مؤتمرنا هذا الذي يجمع أكبر عدد من القوى العراقية المناهضة للاحتلال التي أسعدتنا بحضورها.

ايها الاخوة

إثر أيام من احتلال بغداد، وتحديدا في تاريخ 13/4/2003م اجتمع نفر من علماء العراق ومفكريه للنظر في المستجدات الخطيرة التي طرأت على البلاد، ومن ثم اتخذوا قرارا بتأسيس هيئة شرعية، عرفت فيما بعد باسم (هيئة علماء المسلمين في العراق).

شقت الهيئة طريقها وسط الركام والخراب الذي أحدثه الاحتلال، والذي طال كل شيء في البلاد من مؤسسات وخدمات وقيم وبنى تحتية، وعوامل نهضة.. وكان للهيئة في البدء ثلاث مهام:

الأولى: معالجة الخلل الكبير الذي طال منظومة المساجد في البلد بسبب انهيار المؤسسات التي كانت تعمل على إدارتها، فاضطرت الهيئة لملء الفراغ الطارئ، وقامت بممارسة دور وزارة الأوقاف المنهارة، في إدارة المساجد، وقدمت بهذا الصدد خدمات جليلة.

والثانية: العمل على تهدئة الأوضاع الداخلية بين مكونات الشعب العراقي، والحيلولة دون وقوع فتنة طائفية أو عرقية أو دينية.فقد بدا للهيئة أن الاحتلال يحمل معه مشروع إيقاد حرب أهلية، تغرق البلاد في بحر من الدماء، وتجعل جنوده بمأمن من مقاومة الشعب وجهاده في سبيل الاستقلال، فسارعت إلى إجراءات احترازية عديدة كان منها: القيام بزيارات منظمة لمرجعيات دينية ورجال سياسة ووجهاء ورؤساء عشائر من كل الأطياف الدينية والمذهبية، لغرض التوعية بهذا الشأن، واستطاعت -بفضل الله- أن تتبادل معهم مواثيق وفتاوى والتزامات، تؤكد حرمة دم العراقي، وتحذر من الانزلاق في فتن يعد لها العدو بمهارة، فضلا عن التوعية المنظمة لجماهير شعبنا بهذا الخصوص.

والثالثة: كان من الواضح أن الإدارة الأمريكية لديها مشروع كبير في المنطقة يستهدف الهوية الإسلامية لها، فضلاً عن اقتصادها وعوامل نهضتها، وكان احتلال العراق هو البداية... والمشكلة التي كانت تواجه أعضاء الهيئة في ذلك الحين، أن الظروف الصعبة التي مر بها العراقيون من حصار وغيره، جعل البعض منهم ينظر إلى المحتل -أول الأمر- بشيء من التفاؤل، ويظنه قادما ليمنح المساعدة للعراقيين بالمجان، كما تفعل الجمعيات الخيرية في العالم حين تنزل في بقعة من البقاع كارثة طبيعية، أو يلحق بأهلها -لسبب ما- ضرر فادح.. لذلك نشطت الهيئة للعمل -وبالوسائل المتاحة لها- في العمل على كشف النوايا الحقيقية للاحتلال، وتعبئة الشعب ضد هذا الغازي المحتل وأسست لهذه المهمة صحيفتها المشهورة ( البصائر) هذه في البدء كانت المهام الرئيسة التي تبنتها هيئة علماء المسلمين، منذ انطلاق عملها.

وكان أعضاء الهيئة في أول تأسيسها  منشغلين بالمهام التي أوضحناها آنفا، ولم يتخذوا قراراً باقتحام عالم السياسة بشكله الواسع، وكانوا يودون ان السياسيين المقبولين في الساحة العراقية، والإسلاميين منهم خاصة يكفونهم مؤونة هذا الميدان.. لكن المفاجئ أن سلطات الاحتلال -بما تمتلك من خبرة ووسائل استدراج- احتوت بعض الجهات المستعدة للسير في ركابها من أحزاب وغيرها في ( مجلس الحكم ).. وقد تمخض هذا الواقع  المر عن خلو الساحة العراقية وبشكل مخيف من المعارضة لوجود الاحتلال، وغياب من يقوم بواجب الصراع السياسي والإعلامي في معركة هي الأخطر في تاريخ العالم العربي والإسلامي، فوجدت الهيئة نفسها مضطرة لتدخل هذا الميدان، وتتبنى هذه  المهمة الشريفة..
شرعت  الهيئة في مهمتها الطارئة، وطفقت تصوغ مواقفها السياسية وفقا لثوابتها الشرعية  مراعية  المصالح المرحلية والآجلة لأبناء الوطن جميعاً على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ومشاربهم الفكرية والسياسية وقد صدر أول بيان سياسي للهيئة عقب انعقاد مجلس الحكم الذي كان بمثابة النكسة للعمل السياسي الحر الذي يفترض فيه أن يعمل على إنقاذ البلاد من هيمنة المحتل، ويصل به إلى شاطئ الأمان، فضلاً عن كون معظم  أعضائه من المتحالفين مع الاحتلال قبل الغزو، والمبرمين وإياه اتفاقات مصلحية، لا يعرف كنهها -حتى هذه اللحظة- أحد.
بني هذا المجلس -ولأول مرة في تاريخ العراق- على المحاصصة الطائفية والعرقية، وعيّن أعضاؤه من قبل سلطات الاحتلال، وكانت قراراته تخضع للفيتو من قبل الحاكم الأمريكي آنذاك بول بريمر.. وعلى هذا الاساس أكدت الهيئة ان هذا المجلس لن يحل المشكلة العراقية بل سيزيدها تعقيداً، وأنه نذير شؤم لواقع أليم سيتجرع العراقيون بسببه المر، ويجترون من ورائه الهوان.. وقد اكدت الايام ذلك ،وكانت فترة مجلس الحكم سيئة بكل مالهذه الكلمة من معان وأبعاد، فقد سعى الساسة الى تقسيم البلاد، والانشغال بتثبيت المكاسب الفردية والحزبية والفئوية بعيدا عن مصالح الشعب العراقي، ومورس التهميش والاقصاء في حقهم على نحو لانظير في تاريخ العراق كله.. ثم تلا هذه المرحلة  عراك سياسي لدى الأمم المتحدة؛ في التعامل مع القضية العراقية، وحينها انتُدب ممثل الأمين العام الأخضر الإبراهيمي وزار العراق، والتقى بكل الأطراف، واطّلع على كل وجهات النظر، ومن الأطراف التي التقى بها "هيئة علماء المسلمين" في مقرها العام بجامع أم القرى، واعدت له مؤتمراً صحفياً حاشداً، استمع خلاله إلى عينات من الشعب العراقي، واستمع إلى عدة آراء أخرى، وبعد المؤتمر الصحفي التقى ببعض أعضاء الهيئة، وبعض القوى السياسية الموجودة في الساحة، وجرى الحديث عن سبل الحل، وقدمت له الهيئة الوثيقة الأولى لحل شامل وكامل في العراق.. هذه الوثيقة قدمت في شباط 2004م.. وعلى أساسها كانت كثير من فقراتها واردة في تقرير السيد الإبراهيمي الذي قدمه إلى مجلس الأمن، وفي تقديرنا ان هذه الوثيقة لو اعتمدت حينها، لجنبنا العراق وأهله الكثير من الويلات والمصائب.. بيد ان المحتل لم يكن يريد حلاً لأزمة العراق، بل كان يبحث عن حل يخدم مصالحه، ويرسخ وجوده ،فلم يلتفت الى هذه الوثيقة، ولم يعرها أي اهتمام، وفرض اجندته على ابناء العراق، وكان يفصل الحراك السياسي وفق مصالحه، كمن يخيط ثوبا له، ويستعين بالساسة الذين جاءوا معه ، أو الذين ناصروه من داخل العراق، ومع ذلك لم تيأس الهيئة فقامت في منتصف (2004م) ومن خلال التواصل مع بعض القوى الوطنية داخلياً وخارجياً بإصدار ميثاق شرف وطني ينظم الحالة في الاجتماع بين العراقيين، وقد صدر ميثاق الشرف الوطني في وقتها بعد الاتفاق مع قوى كثيرة في الساحة في15/تموز/2004م.. وهنا عالجت الهيئة موضوع: أن يكون الخطاب إلى الشعب العراقي؛ لزيادة وحدته والمحافظة على نسيجه الاجتماعي.. ثم التقت الهيئة بالأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى في أواخر (2004م) وقدمت له مشروعاً آخر لحل المشكلة العراقية بعد ان طرأت عليها عوامل زادت من تعقيدها، مع رؤية القوى المناهضة للاحتلال، ولكن ذلك لم يلق آذاناً صاغية من الاحتلال وتابعيه  الذين كانوا عازمين على المضي قدماً في مشروعهم التدميري للعراق.. ثم جرى الحديث بعد ذلك عن المصالحة الوطنية، واجتمعت القوى برعاية الهيئة في المقر العام للهيئة في (15/شباط/2005م) وبينت أن أسس المصالحة الوطنية الحقيقية يجب أن تقوم على توحيد الموقف من الاحتلال أولاً، فلا ينبغي الحديث في العراق عن مصالحة وطنية دون توضيح الموقف من الغزاة، وكيف نعدّ مصالحة، والبعض يعد الغازين محررين، والآخر يعدهم محتلين.. وهذا البيان وقعت عليه قوى كثيرة من مختف الأطياف العراقية، وكان أبرز هذه الأطراف هي: التيار الصدري، والتيار الخالصي، والتيار القومي، بالإضافة إلى هيئة علماء المسلمين، وجهات أخرى..
ثم انتقلت الهيئة إلى مرحلة أخرى، وهي محاولة إيصال هذه الرؤية والطرح للآخرين بأية وسيلة، فحصل مؤتمر الوفاق في نهاية (2005م) بالقاهرة، وحضرت الهيئة والقوى المناهضة للاحتلال في إطار المؤتمر التأسيسي، بعد الاتفاق مع الجامعة العربية على أسس معينة للحضور، أهمها: أن هذا اللقاء بين قوى مناهضة للاحتلال، وجهات معينة للاحتلال، برعاية عربية وأممية، ولا يمكن أن تعد جزءً من العملية السياسية، وأن تكون تحت قبة الجامعة العربية، وكانت فرصة مناسبة لعرض وجهة نظر القوى المناهضة للاحتلال والتعبير عن رأي المقاومة العراقية.. واتفقنا في نهاية الاجتماع، بعد جلستين من المفاوضات مع القوى السياسية المنصبة على حكم العراق على موضوع الجدولة، وإعادة النظر في كثير من المواضيع، ولكن قبل أن يجف حبر هذه التوصيات، نُقضت في العراق من قِبل الحكومة في وقتها، ولم يطبق أي حرف منها، فكانوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.

ومع ذلك تم التحضير للجنة التحضيرية في عام (2006م) لإمكانية عقد المؤتمر للوفاق، وكان هناك قرار بعدم المشاركة أولاً لأنه لم تنفذ الجهات المشاركة أياً من  توصيات المؤتمر السابق، ثم رأت الهيئة فيما بعد ان تشارك  لبيان هذه الأمر، وإقامة الحجة، وكشف الحقيقة لكل الذين كانوا يرعون المؤتمر، مثل الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والإتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وكان لقاءاً جامعا بأطراف القوى السياسية الممثلة للحكومة في العراق،وقد خرج بنتائج جد مهمة، اتفق عليها الجميع، وتتضمن حلاً جذرياً للمشكلة في العراق، وتأسيساً صحيحاً للمصالحة الوطنية منها -على سبيل المثال- اعادة النظر في الدستور، ولكن اللقاء أهمل أيضاً؛ ولم تسلط عليه الاضواء، لانه جرى بما لاتشتهيه الادارة الامريكية، فضلاً عن أن اطراف الحكومة الموقعة عليه، كررت موقفها السابق في خرق الاتفاق والتنصل من بنوده.. حتى بدا لنا ان غاية حضورها الايهام برغبتها في المصالحة ليس إلا رؤيتنا واقعية وشاملة.

ايها الاخوة

ان لدى هيئة علماء المسلمين رؤية واقعية وشاملة للحل، وهي  تقوم على طرح مشروع حل كامل للقضية العراقية، وليس حلا ترقيعياً، والكثير مما طالبت به الهيئة أصبح واقعاً، ومطلباً  ملحاً لكل الأطراف المعنية ولكنه لا ينسب إلى الهيئة اليوم.. وعلى سبيل المثال كانت الهيئة اول من طالب بجدولة انسحاب الاحتلال، وكان ذلك في نظر الكثيرين حينها ضرباً من المستحيل، وليس بواقعي، ولكنه اليوم اصبح مطلباً عراقياً عاماً.. بل اصبح مطلباً عالمياً وامريكياً أيضاً.. وكانت الهيئة اول من نبه الى خطورة المحاصصة الطائفية والعرقية، وعد ذلك منها في حينه تجاهلاً لطبيعة المشكلة العراقية، وغفلة عن أصل الجراح، ولكن الساسة الذين روجوا من قبل لهذه المحاصصة أخذوا أنفسهم يتراجعون عنها اليوم، ويصرحون ان ما أصاب البلاد من فوضى فسببه نظام المحاصصة، وان العراق لن تقوم له قائمة مالم تستأصل هذه المحاصصة من جذورها.. وكانت الهيئة اول من دعا الى اسناد الفعل المقاوم، وان المقاومة شرف العراق، وهي السبيل الوحيد لاسترداد الحق العراقي، وكانت توصف في ذلك الحين بانها تعيش حلماً زائفاً، فالولايات المتحدة الامريكية قوة عظمى، ولن يستطيع العراقيون مهما بذلوا ان يكسروا شوكتها، ولكن العالم اليوم ادرك ان هذه المقاومة نالت من الدولة العظمى، وسببت لها ازمات كبيرة، ونقلت مشكلة العراق الى باحاتها الداخلية، واروقتها السياسية، وأنها اليوم تنـزف بغزارة ستؤدي بها حتما الى اسوء العواقب مالم تضع لغزوها حداً، واليوم يسعى المرشحون للرئاسة من اجل كسب اصوات الشعب الامريكي الى اعتماد وسائل في مقدمتها الوعد بسحب القوات من العراق.وايقاف نزيف الدم الامريكي، وان كنا لا نعول على تلك الوعود، وانا نعول على نصرة الله لنا ثم جهاد ابناء شعبنا وهكذا الامر في كثير من القضايا.

ايها الاخوة

هذا غيض من فيض مما قامت به الهيئة في مجال العمل السياسي لنصرة القضية العراقية، ولديها نشاط موازي في الذروة وسلامة الاداء في المجال الإعلامي لايخفى عليكم، كما ان لدى الهيئة نشاطات دبلوماسية في الاتجاه ذاته يضيق المقام بذكرها، وبعضها يحسن كتمانه في هذه المرحلة.. أما في المجالات الاخرى فللهيئة عدد من المؤسسات العلمية في المقر العام والفروع وفي مقدمتها مركز أم القرى للدراسات القرآنية في المقر العام، ولها فروع عدة في بغداد وبعض المحافظات كما تشرف الهيئة إشرافاً مباشراً أو جزئياً على عدد كبير من المدارس الدينية  في مختلف إنحاء العراق.. ولها فروع نسوية نشيطة نشاطاتها منذ خمس سنوات ومن ذلك تحفيظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وإقامة المهرجانات وانتداب الأساتذة لإلقاء المحاضرات في التفسير والعقيدة والسيرة والفقه إضافة إلى الخدمات الأخرى التي يحتاج اليها البيت المسلم وفي المجال الصحي والإغاثي.. وأسست الهيئة عدداً من المراكز الصحية والمستشفيات الصغيرة، ولا زالت تشرف عليها حتى الآن.. وكانت وما زالت ترفد المستشفيات بالادوية الضرورية والمستلزمات الطبية؛ لمعالجة ابناء شعبنا لتجاوز هذه الظروف الماساوية بالإضافة إلى عدد من الجمعيات الخيرية في الفروع..

وثمة معلومات أخرى نحب اطلاعكم عليها.. للهيئة ستة وعشرون فرعاً داخل العراق يعمل منها الآن خمسة عشر فرعاً.. فيما تراجع عمل الفروع الأخرى وقل نشاطها لأسباب أمنية من الصعوبة معها أن تقوم بالعمل العلني في المناطق التي تتواجد فيها.. وللهيئة أربعة مكاتب خارج العراق، في دمشق وعمان والقاهرة وصنعاء، بالإضافة إلى مكتب إعلامي في تركيا.. كما أن لها وجوداً إعلامياً عبر معتمدين لها في عدد من البلدان العربية وغير العربية.. وتتبع الهيئة عدة مؤسسات إعلامية وثقافية، وهي: جريدة البصائر التي تطبع وتوزع في بغداد، وموقع الهيئة الرسمي(   الهيئة نت    ) باللغات العربية والانكليزية والتركية وقد بلغ عدد زيارات الموقع حتى يوم أمس أكثر من (40) مليون زيارة، وإذاعة أم القرى ( فك الله أسرها)، ومركز الدراسات والتطوير في قسم الثقافة والإعلام، ومؤسسة البصائر للطباعة والنشر والتوزيع.. وقد أصدرت الهيئة حتى الآن ما يقرب من عشرين إصداراً سياسياً وثقافياً وإعلامياً وعلميا مهما.. وأخيراً فان الهيئة تمثل العراق وأحيانا تشارك في تمثيل العراق في عدد من المؤسسات العربية والدولية، منها: الحملة العالمية لمقاومة العدوان، ومؤسسة القدس، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولجنة المتابعة في المؤتمر القومي الإسلامي، ورابطة الصحافة الإسلامية.. وغيرها.

أما بالنسبة لمؤتمرنا هذا فانه يجمع أعضاء مجلسي الشورى والأمانة العامة في الهيئة بالإضافة إلى مسؤولي أقسام المقر العام وفروع الهيئة في الداخل ومسئولي مكاتبها في الخارج ومدراء مؤسساتها العلمية والإعلامية والإغاثية.. وأعضاء المجلس الاستشاري للهيئة خارج العراق الذي يضم نخبة من أهل العلم من المشايخ والأساتذة المقيمين في عدد من الدول العربية.. ويهدف المؤتمر إلى الإطلاع على تفاصيل الأعمال التي تقوم بها أقسام الهيئة وفروعها ومكاتبها للوقوف على الانجازات وبحث المعوقات وتبادل الخبرات وتقييم مسيرة العمل خلال العام الماضي.. كما سيتم في المؤتمر بحث بعض التعديلات المقترحة على النظام الداخلي للهيئة بغية إقرارها، بالإضافة الى إجراء عملية الانتخابات الدورية.. وهي الانتخابات الثالثة في عمر الهيئة، وتجري كل سنتين لاختيار أعضاء الأمانة والأمين العام.

وختاما.. أرحب بكم أيها الإخوة مرة أخرى واشكر لكم هذا الحضور الكريم واقدر عالياً تواجدكم معنا في هذا اليوم المجيد من أيام العراق، المحرر بأذن الله قريباً غير بعيد..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل

أضف تعليق